الرئيسية » هاني المصري »   08 أيار 2010

| | |
المستقلون والمصالحة الوطنية
هاني المصري

منذ وقوع الانقسام السياسي والجغرافي المدمر برز دور ملموس ومتزايد للمستقلين في إطار الجهود الرامية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وساعد هذا الدور على انجاز بعض المهمات التي خففت من الاحتقان من خلال المساهمة بإطلاق سراح معتقلين والحد من التحريض الاعلامي، وبناء جسور التواصل بين الاطراف المتخاصمة.

ما ساعد على قيام هذا الدور للمستقلين أن اطراف الانقسام شجعت على قيامه لأنه لا ينافس ادوارها، وذلك في سياق سعيها للتأثير عليهم بعد تزايد تأييد المستقلين شعبياً الناجم عن فشل الاحزاب والقيادات القائمة في تحقيق الاهداف والمصالح الوطنية، ما ادى الى غضب ونقمة ويأس قطاعات متزايدة من الفلسطينيين على الفصائل والاحزاب والقيادات القائمة هذا أولا.

ثانياً: مواصلة المستقلين لجهودهم وتقديم مبادرات بصورة مستمرة من قبل اشخاص ومؤسسات ومراكز ابحاث تنتمي للمجتمع المدني، كان في مقدمتها منيب رشيد المصري، التي نذرت نفسها ونذر نفسه، من اجل انهاء الانقسام لأنها ادركت، ولأنه ادرك ان لا حاضر ولا مستقبل للفلسطينيين اذا استمر الانقسام وتفاقم وصولا الى تحوله الى انفصال دائم.

لقد بذل "ابو ربيح" جهودا كبيرة استغرقت وقتا طويلا وقام مع عدة اشخاص بجولات عديدة بين دمشق ورام الله والقاهرة وعمان، واحيانا الى عواصم اخرى في محاولة للوساطة والتوفيق بين "فتح" و"حماس"، وبين السلطتين المتنازعتين، عبر تقديم الافكار والصياغات والمقترحات والمبادرات الرامية في الحد الأدنى لتخفيف حدة الانقسام والاحتقان، وفي الحد الاقصى الى طي صفحة الانقسام السوداء الى الأبد.

ان هذا الدور هو الذي اعاد دور المستقلين الى الخارطة السياسية الفلسطينية من خلال تمثيلهم بعدد مساو لتمثيل كل من "فتح" و"حماس" في لجان الحوار التي عقدت في القاهرة، بما في ذلك في اللجنة التوجيهية العليا.

ومن الجدير بالذكر أن جزءا مهما من المبادرات والجولات التي قام بها ابو ربيح وصحبه كانت من وراء الكواليس، أي لم يتم تغطيتها اعلاميا عن قصد، لأن التناول الاعلامي لها لا يساعد دائما، بل يفسد احيانا الجهود الرامية لتحقيق المصالحة، كما انه يؤدي الى توظيفها لصالح الاشخاص الذين يقومون بهذه الجهود، الأمر الذي يؤثر على فرص نجاح المبادرات، ويدلل على ان المسألة يمكن ان تكون وراءها مطامح شخصية اكثر من القيام بمهمة وطنية.ربما سيأتي اليوم الذي توضع فيه الحقائق حول ما تضمنته هذه الجولات والمبادرات امام الرأي العام حتى يتمكن من الحكم لها او عليها.

ان ما يقوم به المستقلون على اهميته يتعرض للتشكيك المستمر به ومن شأنه وأهميته... فهناك من يقول دائما، ان لا فائدة من الوساطة بين الخير والشر، فعلى الجميع ان يختار اما هذا الطرف او ذاك. وعندما يرد على هذا الرأي بأن الخير لا يوجد كله عند طرف وانما موجود في مكان بين مختلف الاطراف، والخير موجود مثل الشر بشكل متفاوت عند الجميع، يغضب هذا البعض ويقول ان هذه انتهازية تساعد على استمرار الانقسام وتغطي اما على الانقلاب أو على الاستسلام.

ويضيف هؤلاء، إن المستقلين لن ينجحوا بتحقيق ما عجزت عن تحقيقه دول مثل السعودية ومصر والمنظمات صاحبة الخبرة والقدرة على التأثير.

صحيح ان الانقسام عميق ويوجد جماعات اصبحت من مصالحها استمرار الانقسام وتعميقه، وتستمد قوة كبيرة من تأثير العوامل الخارجية التي تدفع لاستمراره.

فاسرائيل لاعب رئيسي جدا بحكم انها القوة المحتلة، ويهمها استمرار الانقسام لأنه يعطيها مزايا هائلة لا تقدر بثمن كما ان هناك اطرافا عربية واقليمية ودولية يهمها استمرار الانقسام وتعطل جميع الجهود لإنهائه ما لم يتم ذلك وفقا لشروطها ولمصالحها وادوارها ولو جاء ذلك على حساب المصلحة الوطنية العامة الفلسطينية.

وكون الانقسام عميقا، وانهاؤه عملية صعبة جدا فهذا لا يعني التسليم به والتعامل معه كأنه حقيقة قائمة الى الأبد.

أذا كان الأمر يعالج بهذه الطريقة الخاطئة والضارة. فالاحتلال الاسرائيلي قوي جدا، وانهاؤه عملية صعبة، واصعب من انهاء الانقسام ولكن هذا لم يدفع الشعب الفلسطيني الى الاستسلام رغم التضحيات الغالية والطويلة، بل انه مصم على الكفاح لإنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والعودة والاستقلال.

إن وجود الاحتلال وكونه احتلالا استعماريا عنصريا اجلائيا عدوانيا ويستهدف الفلسطينيين جميعا، كما يستهدف أرضهم وحقوقهم ومقدساتهم، ويزيف ماضيهم، ويحاول أن يصادر ماضيهم ومستقبلهم، وكونه لا يقدم عرضا للحل يمكن أن يقبله حتى أكثر الفلسطينيين اعتدالا، يمثل عاملا هائلا يدفع لتوحيد الفلسطينيين ويتفوق كثيرا على كل العوامل التي تدفع لاستمرار الانقسام وتفريقهم.

أن اللافت للنظر ان بعض الرافضين والساخرين من استمرار جهود ومبادرات المصالحة الوطنية هم من اشد المدافعين عن استمرار جهود ومبادرات السلام وعن استمرار المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية على الرغم من اعتراف ابرز منظري المفاوضات وعملية السلام بأن طريق المفاوضات وصل، بسبب التعنت الاسرائيلي وعداء الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة للسلام الى طريق مسدود. وفق هؤلاء، المفاوضات مع الاحتلال والعدو حلال مهما طال الزمن وبلغت الخسائر، اما الحوار من أجل انهاء الانقسام فهو "حرام شرعا".

إن دور المستقلين لإنجاز المصالحة الوطنية مهم جدا، ويجب مواصلته وتطويره من خلال وبعد دراسة التجربة السابقة والمبادرات والجهود التي انطلقت منذ وقوع الانقسام وحتى الآن، لاستخلاص الدروس والعبر.

ومن أهم الدروس والعبر

أولا: ان التركيز على الوساطة والتوفيق أكثر مما يجب، يمكن أن يحول دور المستقلين الى دور يشبه ما يقوم به بعض المحامين الذين يهمهم فقط كسب القضية التي يترافعون فيها بأي ثمن، على حساب المبادئ والأهداف والأخلاق.

فالمهم عندهم اتفاق المتخاصمين ، وما يتقاضونه من ارباح، وما ينالونه من شهرة وليس على اي اساس يتم الاتفاق.

ان التجربة بينت ان الامر الحاسم هو مضمون اتفاق المصالحة لا مجرد تحقيقة. فأي اتفاق لا يتضمن اعادة الاعتبار للبرنامج الوطني وتجسيد المصالح والقواسم المشتركة، ولا يحقق شراكة وطنية حقيقية على اسس تضمن الديمقراطية والتعددية لا قيمة له، وقد يكون ضارا، وسيؤدي الى تكريس المحاصصة الفصائلية البغيضة.

فليتذكر الجميع دائما مصير اتفاق مكة وحكومة الوحدة الوطنية التي شكلت على اساسه.

ثانيا: ان اقتصار عمل المستقلين والمنظمات الاهلية والفصائل والاحزاب ومراكز الابحاث على التوفيق بين المتخاصمين، وعلى الوساطة لا يمكن أن يعطي أكله، بل لابد من أن تترافق الوساطة مع ضغط سياسي وشعبي متزايد بحيث تشعر الأطراف المتخاصمة أن الأرض اخذت تميد من تحت اقدامها، وأنها ستخسر من استمرار الانقسام اكثر مما تربح منه.

ثالثا: يجب ايقاف حالة التسابق والتنافس بين المستقلين والمنظمات التي تقوم بالمبادرات من اجل انهاء الانقسام، لأن الازدحام يعيق الحركة وقد يعرقل فرص تحقيق الوحدة، وكثرة الوسطاء والمبادرات بدون تنسيق بينها تضر أكثر ما تفيد.

وأخيرا على كل من يسعى لإنهاء فصل الانقسام الاسود، خاصة من المستقلين، أن يضع الأوهام جانبا ولا يبالغ بالدور الذي قام أو يمكن أن يقوم به، ولا يضلل الرأي العام بأن المصالحة الوطنية دائما على الابواب. فدور المستقلين يعتبر دورا مساعدا ومسهلا، واشبه ما يكون بمختبر لقياس الافكار ومدى الاستعداد، ولكنه لا يكفي لوحده لإنهاء الانقسام.

فالانقسام مدمر وعميق وانهاؤه بحاجة الى جهود جبارة وطويلة والى قوى سياسية وجماهيرية كبيرة، والى نضج الاطراف المحلية والعربية والاقليمية والدولية بحيث يصبح هناك ضغط كبير على اسرائيل. يمنعها أو على الاقل يحد من قدرتها على تغذية الانقسام وتعميقه !!.

 

مشاركة: