الرئيسية » هاني المصري »   28 تشرين الثاني 2007

| | |
منتدى فلسطين: محاولة لإيجاد طرق عمل جديدة 2-3
هاني المصري

 

منذ بدأت المشاورات لتأسيس منتدى فلسطين واجهت المبادرين فكرة ألحت عليهم، ووجدوها امامهم اينما ولّوا الابصار. وهي ما الجديد الذي يبرر تأسيس اطار جديد مثل المنتدى ويميزه عن غيره؟ وما جدوى تأسيس اطار جديد والساحة الفلسطينية مزدحمة بالأحزاب والفصائل والمنظمات من شتى الانواع، أهلية وخيرية ونقابات وجمعيات واتحادات لدرجة اصبح الانسان الفلسطيني يتوجس خيفة من اي شيء جديد، لانه يمكن ان يفاقم الازدحام الذي يعيق الحركة.


في العادة تتميز الاحزاب والفصائل بالافكار الخاصة بها والبرامج التي تعتمدها، والانتماء الطبقي والاقتصادي-الاجتماعي. فهناك احزاب قامت على شخص كان بمثابة القائد التاريخي المؤسس، او على عدة اشخاص، او احزاب قامت على عائلة أو عدة عائلات او على ايديولوجية. والمنتدى ضد حزب او اطار الفرد الواحد او عدة افراد، بل يسعى لاقامة اطار يحكمه بصيغة ديمقراطية تؤمن القدرة على التجديد والتغيير والاصلاح باستمرار وكعملية لا تنتهي.

في هذا الزمن الذي نعيشه، زمن عصر العولمة وثورة الاتصالات والفضائيات تراجعت الى حد الاندثار تقريباً الأحزاب العقائدية، والاحزاب التي قامت على قائد او قادة تاريخيين، أخذت تضمحل او تتحول او تحل محلها الاحزاب التي تقوم على الفكرة والمصلحة. وعلينا ان نجرؤ على بلورة الفكرة او الافكار التي تجمعنا والمصلحة التي توحدنا. فالمصلحة ليست مسألة المصلحة الفردية فقط وانما هناك شيء اسمه المصلحة العامة، ويجب اعادة الاعتبار له. في هذا السياق، منتدى فلسطين مطالب بتفسير وتقديم الفكرة الموجهة التي تميزه، وما هي المصلحة والافكار التي يدافع عنها، وخصوصاً انه يعرّف نفسه كإطار وطني باجندة سياسية اجتماعية اقتصادية ثقافية، وانه لا يملك رؤية فكرية سياسية متكاملة تميزه، وانما فقط يجمعه بعض الافكار التي تشكل القواسم المشتركة، والتي يعبر عنها البيان التأسيسي للمنتدى.

اذا تركت لنفسي العنان، وعلى ضوء قراءة ما يحاول المنتدى ان يقوم به، فان الذي يمكن ان يميزه اولاً واساساً هو التواضع. فالمنتدى لا يقدم نفسه بصيغة جاهزة، تؤخذ أو تترك، ولا يعتبر نفسه بديلاً عما هو قائم وانما اضافة تحاول ان تكون نوعية، واستمرار لما هو قائم. ويسعى لكي يتميز بشيء واحد هو قدرته على بلورة وتجسيد طرق عمل جديدة، نهج جديد، يجسد المشاركة والعلنية والمحاسبة والمراقبة والمأسسة والآليات والامكانيات وخطوط العمل الكفيلة بتحقيق الاهداف الموضوعة والمساعدة على بلورة اهداف جديدة.

اضافة الى ذلك، يؤمن المنتدى بضرورة مراجعة التجربة الفلسطينية السابقة بكل جوانبها، مراجعة علمية جريئة لاستخلاص العبر والدروس الكفيلة بتوفير الامكانية الحقيقية لتجاوز الازمة العاصفة التي تهب والتي تهدد بضياع كل شيء: القضية والنظام السياسي والمشروع الوطني والانسان.

المنتدى محاولة لطرح الاسئلة الضرورية والسعي الجاد للاجابة عليها ضمن تفاعل وانفتاح على كافة طاقات وكفاءات الشعب الفلسطيني. فالمنتدى يقول بالفم الملآن انه لا يملك الاجابات، ويدعو الجميع للعمل معاً من اجل بلورة الاجابات، وبهدف بلورة رؤية استراتيجية فلسطينية جديدة، قادرة على توحيد الفلسطينيين، وتضع الانسان الفلسطيني نصب عينيها، لكي تتم تلبية احتياجاته وحقوقه وحرياته الاساسية .وحرية الوطن في قلب حقوق وحريات الانسان الفلسطيني. وبدون دحر الاحتلال لا يوجد وطن حر ولا شعب سعيد. وتحت الاحتلال لا يمكن تحقيق اي شيء جوهري. فالشرط الرئيسي للاصلاح والتنمية والديمقراطية والامن والسلام والاستقرار هو دحر الاحتلال.

وبما ان عملية دحر الاحتلال طويلة، كما اثبت الصراع حتى الآن، وحتى يمكن دحر الاحتلال يجب صب كل الجهود على اعادة بناء الانسان الفلسطيني والمؤسسات الفلسطينية لتكون قادرة على اعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية العادلة، والمشروع الوطني. وهذا لا يكون الا من خلال تعزيز مقومات الصمود على الارض، لأن الوجود البشري الفلسطيني على أرض فلسطين هو المستهدف اولاً من المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني الاجلائي العنصري.

فالانسان المحطم الذي بلا عمل ولا قيادة ولا ثقة ولا وحدة وطنية ومجتمعية، وفي ظل انهيار القيم وسيادة افكار اقصائية تكفيرية تؤمن بالتفرد والهيمنة لا يستطيع دحر الاحتلال.

ومن اجل ان يصبح المنتدى متميزاً، سيحاول أن يقدم أفكاراً جديدة وطرقاً جديدة في معالجة عدة مسائل منها: مسألة التواصل بين الشعب الفلسطيني في داخل الوطن وخارجه، ومسألة الشباب وكيف يمكن زجهم في كافة جوانب العمل الفلسطيني وضمان مشاركتهم بالمسؤولية والقرار، ومسألة المرأة وكيف تحصل على دورها على أساس المساواة وجنباً إلى جنب مع الرجل لا أن تبقى مستغلة داخل البيت وخارجه، ومسألة المقاومة وكيف يمكن تجسيد مقاومة مثمرة ذات جدوى وقادرة على تحقيق الأهداف الوطنية،. ومراجعة مسيرة المفاوضات حتى تقف على أقدام تمكنها من الوصول إلى المحطة النهائية، محطة تسوية الصراع، تسوية عادلة أو متوازنة بالحد الأدنى، وبصورة يتم فيها إنهاء الاحتلال عن كافة الأراضي المحتلة العام 1967 بما فيها القدس، وتمكين الشعب الفلسطيني كله من تقرير مصيره، بما في ذلك حقه بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وحل مشكلة اللاجئين حلاً عادلاً على أساس قرار 194 الذي يضمن حق العودة والتعويض.. ومسألة الاهتمام بكل المحافظات والقطاعات خصوصاً المعاقة والمهمشة والضعيفة والمعرضة أكثر من غيرها للحصار والعدوان والجدار والاستيطان. وهنا من الأهمية أن تأخذ قضية الأسرى وعائلاتهم وعائلات أبناء الشهداء الأهمية التي تستحقها بعيداً عن سياسة الأعمال النخبوية الموسمية وردود الأفعال.

وقائمة المسائل التي بحاجة إلى معالجة مختلفة لا تنتهي، ومنها مسائل سياسية وغير سياسية، مثل السلطة وإعادة بنائها وتوظيفها لخدمة المشروع الوطني، والمنظمة التي بحاجة إلى تطوير وتفعيل أكبر من تقزيمها بضم الفصائل التي لا تزال خارجها، فالمنظمة مشلولة ويجب أن تعود إلى الحياة والعمل الفاعل لكي تكون حقاً وفعلاً الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده، ووثيقة الاستقلال تحتل مكانة عالية في فكر ومرجعية منتدى فلسطين، لأنها لم تكتف بتحديد الأهداف وكيفية الوصول إليها، بل رسمت معالم الدولة التي ستقام بعد التحرير، وضرورة أن تكون حضارية وتعددية وديمقراطية وتؤمن بالمساواة، ومبدأ تداول السلطة وفصل السلطات وسيادة القانون.

وإذا أردنا أن نقيم تجربة العام الماضي الذي شهد المحاولات والمشاورات والاجتماعات التي تمحورت حول فكرة المنتدى، سنجد أنها لم تحصر هذه الفكرة في غرف ضيقة وبمشاركة عدد محدود من الحكماء الأوصياء على الشعب، بل ألقت الفكرة إلى الناس، ودعتهم للمشاركة على أوسع نطاق.

وشارك في الاجتماعات داخل الوطن وخارجه قرابة 2000 شخص، وكان الحوار والتفاعل غنياً ويؤشر بشدة على مضمون مسودة البيان التأسيسي. فلقد تم تغيير المسودة عدداً لا يحصى من المرات، لدرجة أن الاستمرار في الحوار وتغيير المسودات جعلنا على حافة الفوضى.. فلكل شيء حدود. ولا يمكن أن يتفق المهتمون والمبادرون لتأسيس المنتدى على كل شي.. المهم الاتفاق على الهدف المهم والوجهة العامة. أما العبارات والصيغ، فكلها قابلة للتغيير والتعديل والتطوير. فالبيان التأسيسي ليس قرآناً كريماً. وهو قابل للأخذ والرد، ويمكن تطويره باستمرار فالتغير سنّة الحياة، ومن لا يدرك هذه الحقيقة يتخلف عن مواكبة الاحداث ويفتقد القدرة على صناعتها والتأثير عليها.

ولعلّ الفارق الأساسي بين المنتدى والحزب، أن المنتدى يستطيع أن يركز على قضية واحدة أو عدة قضايا، لبلورة الموقف منها والخطة لإنجازها، بينما الحزب مطالب منذ البداية بأن يجيب على كافة الأسئلة المحورية ويقدم حلاً لكل المشاكل الأساسية. لذلك، الحزب يبدأ كبيراً ويمكن أن يكبر أو يصغر بعد تأسيسه، أما المنتدى فيولد صغيراً ولكنه يمكن ويمكن جداً أن يكبر في مجرى التصدي لمهماته الواقعية والممكنة التحقيق، إذا توفرت الإرادة اللازمة والجدية الكافية والمثابرة الضرورية!!

 

 

مشاركة: