الرئيسية » هاني المصري »   26 حزيران 2009

| | |
المطلوب معارضة إيجابية للحكومة
هاني المصري

أقترح على المعارضة للحكومة أن تكون معارضتها إيجابية مسؤولة تعتمد على الوسائل السلمية والديمقراطية وتستند الى القانون، وأن ترحب بأي موقف أو عمل إيجابي تتخذه أو تقوم به الحكومة وتعارض ما تعتقد أنه سلبي وضار.

كما أقترح على الحكومة أن تقف أمام الانتقادات والاتهامات التي توجهها المعارضة وتحاول قدر الإمكان أن تعالجها، لأن المكابرة لا تؤدي سوى الى خسارة للجميع، ولا يستفيد منها سوى الاحتلال.

 

على المعارضة أن تسلم بأن الحكومة أصبحت أمرا واقعا، رغم أنها ترفضه، ومفترض أن تتعامل معه ولو من أجل تغييره. وتغييره يكون إما بإقناع الرئيس بتشكيل حكومة جديدة تلبي مطالب المعارضة أو أجزاء واسعة منها، أو باللجوء الى محكمة العدل العليا للطعن في شرعية الحكومة أو باستقالة الحكومة إما لقناعة منها أنها لن تستطيع العمل وسط هذا الحجم من المعارضة، أو نتيجة وصول الحوار الى اتفاق وطني أو حلول موعد الاستحقاق الدستوري بتاريخ 24/1/2010 الذي يفرض ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وإلا فقدت السلطة ما تبقى من شرعيتها القانونية.

على السلطة أن لا تستخف بالمعارضة، خصوصا المنتشرة داخل حركة فتح وفي صفوف م.ت.ف، لأن هذه المعارضة إذا أضيفت الى معارضة حماس والجهاد الإسلامي والفصائل المتحالفة معها، وجزء منها ممثل في م.ت.ف، تعتبر معارضة كبيرة جدا، فهي تحوز على الغالبية الساحقة من الفصائل والأحزاب والأغلبية الساحقة من أعضاء المجلس التشريعي.

لو كنت في موقع أستطيع أن أقدم النصيحة للرئيس ورئيس الحكومة لقلت لهما ألا يسمحوا لأحد بالاستخاف بالمعارضة، خصوصا الفتحاوية للحكومة، وأن لا يسمحوا لأحد بتسخيفها وإظهارها وكأنها شخصية أو فئوية ضيقة فقط، رغم وجود الأسباب الشخصية والفئوية، وهذا يفرض أو يمكن أن يكون من خلال إجراء تعديل جوهري على الحكومة، فهناك وزارات ما زالت شاغرة فأربعة وزراء رفضوا المشاركة بالحكومة بآخر لحظة، وهناك وزراء محل انتقاد واسع لأن تجربتهم لم تكن جيدة إن لم أقل سلبية للغاية وتم إعادة تكليفهم بحقائب سيادية.

لقد رفض الرئيس والحكومة الاتهامات الرئيسية الموجهة للحكومة وهي أن تشكيلها يهمش حركة فتح وتم في ذروة الحوار يكرس الانقسام ويعرقل الحوار، مؤكدين أن الحوار سيستمر وأن السلطة ستفعل ما بوسعها لإنجاحه، وتعهدوا باستقالة الحكومة فورا إذا نجح الحوار.

لا يستطيع أحد أيا كان أن يشكك في نوايا السلطة في أن الحكومة ستستقيل فعلا إذا نجح الحوار، لأن مثل هذه الخطوة ستكون إجبارية وليست اختيارية، ولا أحد بمقدوره أن يجادل ضدها. فنجاح الحوار يفتح الطريق لتشكيل حكومة وفاق وطني أو حكومة وحدة وطنية.

إن الجدال، كان ولا يزال قائماً حول دواعي الاستعجال بتشكيل الحكومة، ومحاولة تشكيلها حتى قبل الجولة الخامسة للحوار، ثم بعدها رغم الإعلان أن الجولة القادمة ستكون حاسمة وأخيرة، وأن السابع من تموز القادم هو الموعد لإنهاء الحوار باتفاق، كما أعلن المصريون كوسيلة للضغط على المتحاورين.

إن تشكيل الحكومة يخلق معه قوة دفع خاصة، وهي من طبيعة الأشياء والبشر، ومن شأنها أن تغذي تفضيل الحكومة ووزرائها الاستمرار بالحكم، لأن الدخول الى الجنة الوزارية، حتى لو كان ضمن حكومة تحت الاحتلال، إغراء لا يمكن مقاومته، بحيث يصبح الانسحاب من الحكومة أو استقالتها ليس أمرا سهلا على أعضائها، الذين تنشأ لهم مصالح تدفعهم للعمل على استمرارها، حتى لو أدى هذا الى توتير الأجواء وعرقلة الحوار، بصورة مباشرة وغير مباشرة.

لندع مسألة تشكيل الحكومة وراءنا، فقد شكلت، والقضية الآن، كيف يمكن تقليص أضرارها الى أدنى حد ممكن، وكيف يمكن معاظمة فوائدها الى أقصى حد ممكن، حتى لو اقتضى الأمر إعادة تشكيل الحكومة.

لقد أكد سلام فياض أن من أولويات حكومته الثانية إنهاء الانقسام والمساعدة على إنجاح الحوار، وأعلن أن برنامج حكومته هو برنامج م.ت.ف. من حق المواطن الفلسطيني، ويمكن للمعارضة الإيجابية المسؤولة لفصائل م.ت.ف وتحديدا فتح أن تطالب بوضع هذا الكلام على المحك حتى يكون قابلا للتصديق وليس ذرا للرمال في العيون.

على الحكومة أن تبلور خطة، فلا يكفى أن تقول إنها ملتزمة ببرنامج م.ت.ف وأنها حكومة الرئيس، فكل حكومة مفترض أن تكون ملتزمة ببرنامج م.ت.ف وحكومة الرئيس، على كل حكومة أن تشكل وفقا لخطاب تكليف من الرئيس يحدد فيه مهماتها في الفترة التي ستمارس الحكم فيها، ولكي تتصدى للمهمات الملموسة المستجدة التي تجعل هذه الحكومة ضرورية وأقدر من سابقتها على القيام بها.

أقترح على الحكومة أن تضع خطة يكون من أهدافها ترجمة أقوالها عن أنها حكومة انتقالية مؤقتة، وأنها ستعمل أقصى ما تستطيعه لإنهاء الانقسام، وأنها حكومة م.ت.ف وخصوصا فتح العمود الفقري للمنظمة.

فعلى سبيل المثال يمكن أن تقوم الحكومة بالخطوات التالية:

1- إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والامتناع عن اعتقال أي فلسطيني على خلفية انتمائه السياسي، وعندما يتم اعتقال أحد يجب أن يتم وفقا للإجراءات القانونية، وأي متهم يجب أن يحاكم أو يطلق سراحه فورا، على أن يحاكم بالمحاكم المدنية المختصة وليس وفقا للمحاكم العسكرية. إن مسألة المعتقلين السياسيين والتعذيب والاعتداءات وعمليات إطلاق الرصاص الى حد القتل في الضفة والقطاع، خصوصا في القطاع كانت ولا تزال أهم العوائق أمام نجاح الحوار.

2- حماية التعددية وحريات وحقوق الإنسان وحرية الصحافة وبما في ذلك حرية التجمع والتظاهر والمعارضة وحرية منظمات العمل الأهلي، بحيث لا يمكن إغلاق مؤسسات وتعيين لجان مؤيدة للحكومة محلها، فالقانون يجب أن يحكم الجميع على قاعدة المساواة، وهذا أيضا ينطبق على الضفة والقطاع.

3- الامتناع عن فصل أو تعيين أو عدم تعيين أو ترقية أيا كان على خلفية انتمائه السياسي والحزبي، ووقف التعامل مع ما يسمى "السلامة الأمنية" أو "حسن السير والسلوك" الذي يفرض على كل موظف حتى يتعين أو يتم ترقيته الحصول على موافقة الأجهزة الأمنية!!.

4- وقف التحريض الإعلامي، ولو من طرف واحد، خصوصا من قبل أجهزة الإعلام الرسمية، لأنها أجهزة إعلام تمول من موازنة السلطة ويجب أن تعبر عن إعلام وطني وليس لصالح طرف.

5- على الحكومة أن تعمل كل ما في وسعها لرفع الحصار وفتح المعابر، وإعادة الاعمار في قطاع غزة، والامتناع عن القيام بأي عمل من شأنه المساهمة في الحصار وعدم الشروع الفوري بإعادة الاعمار. لقد طرح الرئيس في خطابه أمام مؤتمر اتحاد المرأة إمكانية قيام المؤسسات الدولية بإعادة الاعمار وهذا يضعف وحدانية السلطة والأولى التركيز على إنهاء الانقسام، وإيجاد صيغ انتقالية فلسطينية مشتركة لتحقيق هذه الأهداف الوطنية العامة.

6- الاستعاضة عن غياب المجلس التشريعي بانتظام وتعظيم المشاورات مع المؤسسات العامة والخاصة، وبشكل مركز مع الكتل البرلمانية، خصوصا كتلة حركة فتح، بحيث يكون هناك دور رقابي يسد الفراغ الناجم عن شلل المجلس التشريعي، وإلا فإن الحكومة تكرس الأسباب والظروف التي أدت وتساعد على استمرار شلل المجلس التشريعي.

7- الامتناع عن رفع مشاريع القوانين ليصدرها الرئيس على شكل قرارات بمراسيم لها صفة القوانين، لأن الحكومة الحالية لا تختلف في وضعها القانوني في أحسن الأحوال عن حكومة تسيير الأعمال، لذا يجب أن تقوم بتسيير الأعمال فقط حتى تتصرف فعلا أنها حكومة انتقالية مؤقتة.

8- على الحكومة أن تتعظ من مسيرة حكومة تسيير الأعمال، من حيث التزام الجانب الفلسطيني بكل التزاماته بخارطة الطريق لكي يتم تحقيق انجازات سياسية، ولم ينجح هذا الطريق، وأقصى ما يمكن أن يؤدي إليه إذا تابعنا السير في هذا الطريق هو تحسين نوعية الاحتلال، وهذا ما لا يريده الشعب الفلسطيني، الذي يريد إنهاء الاحتلال وليس تحسين حياته تحت الاحتلال. ومفترض بالسلطة أن تعمل وفق ما يريد الشعب.

9- تعزيز مقومات الصمود والوجود البشري الفلسطيني على أرض فلسطين بكافة الطرق بما فيها دعم المقاومة المثمرة للاحتلال والاستيطان والجدار والحصار والعدوان وسياسة عزل وتهويد القدس والمطالبة بوقف التطبيع الفلسطيني والعربي (إلا الإجباري مع إسرائيل المتعلق بشؤون الحياة) ومقاطعة الاستيطان كليا والبضائع الإسرائيلية التي يوجد بديل محلي أو عربي أو أجنبي لها، واللجوء الى الجمعية العامة ومجلس الأمن وحشد واستنهاض الرأي العام العربي والإسلامي والدولي المناصر للقضية الفلسطينية، وتفعيل القانون الدولي خصوصا لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين.

إن ما سبق لا يعني أن حكومة تسيير الأعمال لم تحقق شيئا، لقد حققت وضع حد لحالة الفوضى والفلتان الأمني، واستمرار الرواتب وبعض التحسن بالوضع الاقتصادي، ولكن الثمن الذي دفع مقابل هذه الإنجازات كبير وكبير جدا، والاستمرار بدفعه يؤدي الى تجاوز المحرمات!!

 

مشاركة: