الرئيسية » هاني المصري »   17 تشرين الثاني 2007

| | |
منتدى فلسطين: الإنسان.. الوطن
هاني المصري

 

 

بحضور أكثر من 1400 شخص في قصر الثقافة في رام اللّه ومركز رشاد الشوا في غزة، وفي الذكرى التاسعة عشرة لإعلان وثيقة الاستقلال، كان في مقدمتهم ممثل الرئيس، وعدد من أعضاء اللجنة التنفيذية، وأعضاء المجلس المركزي والمجلسين الوطني والتشريعي، وممثلو كافة الفصائل والأحزاب والمجتمع المدني، وأعضاء ومناصرون من مختلف أراضي الضفة وقطاع غزة، عقد منتدى فلسطين اجتماعه التأسيسي الذي دشّن انطلاقته رسمياً بإقرار بيانه التأسيسي وتوجهات برنامجيه للعام القادم، وعلى أساس أن يكون العام القادم عاماً تأسيسياً يتم فيه استكمال وبلورة الوثائق الأساسية البرامجية والداخلية وتحديد وضعه القانوني والعضوية وآليات العمل على أن يتم تتويجه بعقد مؤتمر عام لإقرار الوثائق واللائحة الداخلية وانتخاب الهيئات المختلفة في المنتدى.

 

منتدى فلسطين: الإنسان... الوطن... الوطن... الإنسان. فالوطن ليس مجرد أرض وتضاريس ولا مجرد أنهار وسهول وسماء. وإنما الوطن هو الشعب، هو الإنسان، فالإنسان أغلى ما نملك، هو المبتدأ والخبر.. الإنسان هو الوطن.

لذلك فإن تلبية احتياجات الإنسان وتجسيد حقوقه وحرياته الفردية والعامة هو الشرط الضروري لقيام الإنسان بواجباته وإطلاق طاقاته وكفاءاته وإبداعاته بأفضل شكل ممكن.

فما يميز منتدى فلسطين هو أن الإنسان غايته.

وإذا أردت أن ألخص البيان التأسيسي، ومنتدى فلسطين بثلاث كلمات أقول، إنه منتدى وطني ديمقراطي واقعي.

إنه منتدى وطني لأن فلسطين تحت الاحتلال، لذا لا يمكن إلا أن يكون الشغل الشاغل للمنتدى، إذا أراد أن يعبر عن الهم الفلسطيني، هو توفير كل الشروط من أجل إنهاء الاحتلال، فلا يمكن تحقيق الحرية والاستقلال والإصلاح الحقيقي والديمقراطية الحقة والتنمية المستدامة الشاملة دون إنهاء الاحتلال. فكل شيء نعمله أو نفكر به يجب أن يبدأ وينتهي وأن يخضع للهدف الوطني المركزي الناظم: إنهاء الاحتلال.

ولكن علينا أن نتذكر إنهاء الاحتلال دون إنسان قادر على إنهاء الاحتلال، إنه منتدى ديمقراطي، وذلك على أساس أن الديمقراطية هي نظام متكامل للحياة، نظام لا يمكن التهاون فيه. والديمقراطية لا تبدأ بعد الحرية والاستقلال. لا يمكن تأجيلها بحجة أننا تحت الاحتلال، وإنما هي نهج لا بد أن يكون منذ البداية، وأن يتواصل بصورة مستمرة.

فالديمقراطية شرط أساسي حتى تكون طريقنا للدولة واعدة، وبأقل المعاناة والتضحيات، وحتى تكون الدولة الفلسطينية عندما تقوم، دولة الحقوق والحريات والمساواة، وتكافؤ الفرص وسيادة القانون والانتخابات الدورية، دولة تكرس مبدأ تداول السلطة وفصل السلطات واستقلالها، دولة نفتخر ونفاخر بها. دولة تكون واحة للحرية والأمل والعمل والعلم والإنتاج والإبداع. دولة تكون نموذجاً حضارياً منفتحاً تعددياً إنسانياً.

لقد ظهرت الحاجة الماسة للديمقراطية بعد الأحداث الدموية والانقسام والانقلاب الذي حدث في الآونة الأخيرة. فقد ظهرت أفكار حل فيها الإقصاء والتكفير والتخوين والهيمنة والمحاصصة وعدم احترام إرادة الشعب ومؤسساته وشرعيته، وحل استخدام القوة لحل الخلافات، وإطلاق الرصاص بخفة، والاستيلاء على السلطة، محل الرأي والرأي الآخر، وبدلاً عن التداول السلمي للسلطة، وعن الحوار والإقناع، وبدلاً عن البحث عما هو مشترك لأن ما يجمع الفلسطينيين وهم تحت الاحتلال، يبقى أكثر مما يفرقهم، ما يفرض عليهم أكثر من غيرهم العمل وفقاً لمعادلة: العمل بما نتفق فيه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف حوله.

إنه منتدى واقعي، على أساس أن السياسة التي يجب أن تعتمد فيه، في كل المجالات هي سياسة فن أفضل الممكنات. وهذا لا يعني على الإطلاق خضوعاً ذليلاً للواقع، ولا تطرّفاً أو قفزاً عن الواقع وتجاهلاً لحقائقه. فالاعتراف بالواقع شرط للتعامل معه وتوفير القدرة على تغييره.

وهناك مسألة أخرى أثارها المنتدى، وهي مسألة عدم الازدواجية بين المنتدى وعضوية أي فصيل أو حزب، وهذا يرجع لثلاثة أسباب:

السبب الأول: احترام الفصائل والأحزاب وتقدير دورها، والحرص على مد اليد لها بهدف توفير أفضل الفرص للتفاعل والتعاون والعمل المشترك. فدعوة أعضاء الفصائل للانضمام للمنتدى يمكن أن تفسر نوعاً من التخريب للفصائل أو كمحاولة لإضعافها أو لوراثتها وهي حية.

السبب الثاني: إن فتح باب العضوية لأعضاء الفصائل يمكن أن يفتح الباب لمحاولات لاحتوائه والسيطرة عليه وتخريبه.

السبب الثالث: أن إغراق المنتدى بأعضاء الفصائل والأحزاب سينقل خلافاتها وتجاذباتها إليه، وسيكون هذا عاملاً يساهم بفشله، مثلما كان عاملاً بفشل تجارب سابقة.

لعلّ أبرز ما يميز، ويجب أن يميز المنتدى، التواضع، وهذا يظهر من خلال الاعتراف بحقيقة عدم امتلاكه الأجوبة عن الأسئلة المطروحة. فالمنتدى لديه بعض الأجوبة فقط، ولكن لديه كل الإرادة اللازمة للعمل من أجل إيجاد آليات عمل وخطط جديدة، تعتمد الحوار والدراسة والبحث العلمي واستطلاعات الرأي وتقديم المواقف والمبادرات والسعي لممارسة الرقابة والضغط من أجل التأثير إزاء قضايا معينة. فالمنتدى يعمل كل ما في وسعه، وبالتفاعل والتعاون مع كل الكفاءات والمعنيين، لإيجاد الأجوبة المطلوبة بأسرع وقت، ولأن المنتدى لا يملك كل الأجوبة، ولا صيغة جاهزة، فهو اختار أن يكون منتدى وليس جمعية خيرية ولا حزباً سياسياً، وإذا تقدم بشكل جوهري وحاسم على طريق تقديم الأجوبة يمكن أن يتحول إلى حزب سياسي.

منتدى فلسطين منبر للحوار وإطار للتعددية والتنوع، وهو ليس بديلاً عن الأطر والأحزاب والفصائل القائمة وإنما هو إضافة يؤمل أن تكون مميزة ونوعية ومكملة.

شروط نجاح المنتدى

وإذا لم يستطع المنتدى أن يتقدم بسرعة على طريق بلورة رؤية متكاملة فكرية سياسية اقتصادية اجتماعية ثقافية مميزة،

وإذا لم يقدم المنتدى نموذجاً جديداً من خلال الممارسة وتقديم قصص نجاح تجسد الأقوال بالأفعال،

وإذا لم يقدم المنتدى صيغة ديمقراطية في علاقاته الداخلية ومع الآخرين والجمهور،

وإذا لم يعتمد على نفسه بتوفير التمويل اللازم من مصادر فلسطينية معلنة ومشروعة،

وإذا لم يتحول إلى مؤسسة تحقق العمل الجماعي وتقسيماً راقياً للعمل بشكل يحفظ المبادرة الفردية ويمنع الفردية والتفرّد،

إذا لم يوفر المنتدى كل ما تقدم،

فإن المنتدى سيكون مجرد محاولة جديدة، قد تكون جادة ومبهرة، وقد تستطيع إثارة الجدل ، وتحريك المياه الراكدة، ولكنها لن تنجح في تقديم الأجوبة المطلوبة عن الأسئلة الملحة التي يطرحها الإنسان الفلسطيني بقوة وإلحاح شديدين.

إن المنتدى انطلق، وأقام احتفاله بنجاح لافت للنظر، ولكن السؤال الأهم هو: ماذا في جعبة المنتدى لليوم الثاني؟ وهذا هو السؤال الذي برسم الإجابة عليه. وعلى ضوء الإجابة يتحدد مصير المنتدى ومستقبله ومدى تأثيره في كافة المجالات والأصعدة.

الإنسان الفلسطيني عانى ويعاني ويستحق حياة أفضل، وبمقدوره أن يحققها: أليس كذلك؟

 

 

 

مشاركة: