الرئيسية » هاني المصري »   20 شباط 2010

| | |
من يسبق من: المفاوضات أم المصالحة الوطنية؟
هاني المصري

 

منذ وقف المفاوضات أواخر عام 2008 وحتى الآن، نشهد نوعاً من السباق بين استئناف المفاوضات وتحقيق المصالحة الوطنية.
نائب الرئيس الأميركي جو بايدن كشف عن موقف إدارته من هذه المسألة بوضوح تام، عندما صرح بعيد تقديم الورقة المصرية بأن الإدارة الأميركية ترى أهمية تأجيل المصالحة الى ما بعد استئناف المفاوضات، لأنها تدرك أن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية بعيداً عن شروط اللجنة الرباعية الدولية، من شأنه أن يقوي الموقف الفلسطيني ويجعله أقل استعداداً لقبول الشروط الإسرائيلية لاستئناف المفاوضات.

فأي مصالحة وطنية سترتكز على إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني الفلسطيني، ولثوابت الموقف الفلسطيني وتلتزم بضرورة استناد المفاوضات القادمة الى مرجعية ملزمة تقوم على القانون الدولي وإنهاء الاحتلال وتجميد الاستيطان، وهذا يجعل استئناف المفاوضات، خصوصاً في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، احتمالاً بعيداً جداً، وإذا لم تستأنف المفاوضات يكون بمقدور الحركة الوطنية الموحدة اللجوء الى خيارات أخرى مثل المقاومة، وهذا آخر ما تريده الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.
إن إسرائيل تريد استئناف المفاوضات وفق شروطها، أي بدون الالتزام بمرجعية ولا بوقف الاستيطان أو بجدول زمني، وبدون السماح بدور دولي فاعل ولا ضمانات دولية حقيقية تساعد على وصولها الى اتفاق وتضمن تطبيقه.
إسرائيل تريد المفاوضات من أجل المفاوضات، ومن أجل إضاعة الوقت وتسهيل قيام حلف أميركي ــ دولي ــ إسرائيلي ــ عربي ضد إيران، وتوفير الغطاء، سواء لضربها إذا لم توافق على وقف برنامجها النووي، أو لما تقوم به إسرائيل من فرض حقائق احتلالية واستيطانية على الأرض تجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح والممكن عملياً.
كما تصر إسرائيل على استئناف المفاوضات، لدرجة أن افيغدور ليبرمان وزير الخارجية المتطرف جداً يطالب باستمرار باستئناف المفاوضات، رغم أنه يعتقد أنه لا إمكانية للتوصل الى اتفاق خلال العقدين القادمين على الأقل، وذلك لأن المفاوضات مفيدة جداً لإسرائيل، كونها تقطع الطريق على الخيارات والبدائل الفلسطينية الأخرى، وعلى المبادرات والجهود العربية والدولية وتقلل من فرص المصالحة الوطنية ويمكن أن تساعد على وقف ملاحقة إسرائيل على جرائمها، وعلى حملة نزع الشرعية الدولية عنها وفرض المقاطعة والعقوبات الدولية عليها.
تأسيساً على ما سبق فإن الموقف الأميركي ــ الإسرائيلي هو العقبة الأساسية أمام تحقيق المصالحة الوطنية.
إن "حماس" الرافضة الآن لتوقيع الورقة المصرية، رغم ما يتيحه وقف المفاوضات من أجواء إيجابية توفر قواسم مشتركة أكبر وفرصاً أوسع لتحقيق المصالحة، ستصبح رافضة أكثر للتوقيع إذا وجدت أن المصالحة ستوفر الغطاء لاستئناف مفاوضات عبثية.
إن على "حماس" أن تدرك قولاً وفعلاً، أن الوحدة على أساس الورقة المصرية رغم ملاحظاتها عليها أفضل مليون مرة من الوضع الحالي، لذا عليها أن تبادر لتوقيع الورقة رغم ملاحظاتها عليها، خصوصاً أن مصر تعهدت علناً بأنها ستأخذ هذه الملاحظات بالحسبان عند التطبيق.
لا يكفي أن يتحدث قادة "حماس"، مؤخراً بإيجابية عن المصالحة الوطنية وأنها قطعت شوطاً حاسماً، وأنها ستتحقق قريباً، وأنه يكفي أن تؤخذ ملاحظاتها عليها، أو أن يعقد لقاء بين ابو مازن وخالد مشعل، أو أن يتم توفير ضمانات لتطبيقها، بل عليها أن توقع على الورقة المصرية، وتضع "فتح" والمنظمة والسلطة أمام اختبار حول مدى جديتها وقدرتها وإرادتها بتحقيق المصالحة.
إن الورقة المصرية تمثل حلاً وسطاً، لم يحقق كل طرف فيه جميع مطالبه، فهي على سبيل المثال لا الحصر، أعطت لـ"حماس" الحفاظ بحكومتها لحين إجراء الانتخابات التي تأجلت عن موعدها الدستوري، وأعطتها إعادة تشكيل م.ت.ف من خلال بلورة إطار قيادي مؤقت لحين إجراء الانتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني.
وأعطت لـ"فتح" تشكيل قوة أمنية من ثلاثة آلاف عنصر لتعمل في قطاع غزة، وعدم شمول ذلك الضفة الغربية، وتخويل الرئيس بتشكيل لجنة الانتخابات العليا، واللجنة الأمنية العليا.
إن الورقة المصرية كل متكامل فإما أن تطبق بجميع بنودها وإما لا تطبق، وهي، رغم كل ما فيها، تعاني من نقص حاد يتمثل بتجنب البرنامج السياسي وتشكيل حكومة وحدة وطنية أو وفاق وطني، ما يجعل إمكانية تطبيقها أصعب بكثير من الوصول إليها، ولكنها المدخل الوحيد لاستمرار الحوار الوطني، والفرصة المتاحة للشروع بالمصالحة الوطنية
وحتى يمكن تطبيق الورقة المصرية في صورتها الحالية، يجب العمل على توفير ضمانات لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في أجواء مناسبة، واحترام نتائجها مهما كانت.
فـ"حماس" تخشى، ومعها حق في ذلك، إذا لم تمنح ضمانات، من أن المطلوب منها الخروج من البوابة التي دخلت فيها، أي بوابة صناديق الاقتراع. فهي عليها أن تخسر وتقبل أن تكون أقلية أو تخرج مرة أخرى من النظام السياسي، أو أنها إذا شاركت في الانتخابات وفازت بالأغلبية لن تتمكن من تشكيل الحكومة لأن الحصار والعدوان الإسرائيلي يقف لها بالمرصاد، ولأن المقاطعة الدولية ستفرض عليها. أي مطلوب من "حماس" أن تخسر في الحالتين إذا فازت بالانتخابات أو خسرتها!!
ليس من المنطقي أن تطالب "حماس" بضمانات دولية وأميركية وإسرائيلية لأن السلطة لا تستطيع أن توفر هذه الضمانات، وإنما يمكن ويجب توفير ضمانات فلسطينية، ويمكن توفير ضمانات عربية، خصوصاً مصرية، بوصف مصر هي الدولة الراعية للمصالحة، فهي يمكن أن تكون الضامنة لتطبيق ما يتم الاتفاق عليه.
إن الضمانات المطلوبة هي أن يقبل الطرف الفلسطيني والعربي بنتائج الانتخابات مهما كانت، سواء إذا فازت "حماس" بالانتخابات القادمة أو لم تفز، وهذا يتطلب أن يتم إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ووقف حملة الاعتقالات وفتح المؤسسات المغلقة ووقف التحريض الإعلامي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن يتم توفير حرية الترشح والدعاية الانتخابية للجميع دون تمييز، وتوفير إشراف ورقابة عربية ودولية على الانتخابات، وتوفير شبكة أمان لمنع التدخل الإسرائيلي في نتائج الانتخابات، عبر التعهد بإقرار قانون في المجلس التشريعي القادم يمكن من التوكيلات للنواب في حال اعتقالهم أو تمكينهم من التصويت في القضايا الأساسية رغماً عن الاعتقال كما يفعل قادة الفصائل المعتقلون، أو استبدالهم بمن يأتي بعدهم في القوائم الانتخابية؟ لا يمكن تجاهل هذا الأمر، الذي يعني تجاهله أن طرفاً يريد أن يوظف الاحتلال وإجراءاته لخدمة مصالحه، وهذا ينزع الشرعية عنه. فالشرعية الوطنية تسبق شرعية صناديق الاقتراع على أهميتها.
إذا توفرت هذه الشروط، لن يتبقى لـ"حماس" أي حجة، وعليها المشاركة في هذه الحالة بالانتخابات واحترام نتائجها، وإذا لم تفز بالأغلبية عليها الالتزام باحترام قرارات القيادة الفلسطينية مع حقها بمعارضتها معارضة شرعية وبما يتضمن حقها بالعمل على تغييرها ووضع برنامج جديد بديلاً عن برنامجها بالوسائل السلمية القانونية.
إن الحل الأفضل والمناسب لخصوصية الشعب الفلسطيني التي تقع أرضه تحت الاحتلال، أن يتم العمل لاستكمال الحوار بعد توقيع الورقة المصرية للاتفاق على برنامج سياسي مشترك وحكومة وحدة وطنية، تحسباً لاحتمال اقدام إسرائيل على منع إجراء الانتخابات إذا وجدت أنها ستوحد وتقوي الفلسطينيين، وإذا تعذر ذلك خلال فترة معينة) لنقل ثلاثة أشهر) يتم اللجوء للشعب والاحتكام لقراره عبر صناديق الاقتراع في 28/6/2010 كما هو وارد في الورقة المصرية أو في موعد جديد قريب يتم الاتفاق عليه!!

 

مشاركة: