الرئيسية » هاني المصري »   04 تموز 2009

| | |
مصير الحوار بانتظار بلورة مبادرة أوباما
هاني المصري

 

فشلت الجولة السادسة من الحوار الوطني في التوصل الى اتفاق أو اختراق ، وتم تأجيل الحوار الى الخامس والعشرين من الشهر الجاري، لكي يتم التوقيع على الاتفاق في الثامن والعشرين منه بعد أن كان قد أعلن أن الجولة المنتهية حاسمة، وأنها ستشهد التوقيع على الاتفاق.

لماذا الفشل المتكرر لجولات الحوار؟ وهل الجولة القادمة حاسمة؟

هذه هي الأسئلة في ذهن المواطن الفلسطيني، وبعضها يبدو ساذجا. وذلك لأننا نعرف لماذا لا ينجح الحوار، ولكننا ندعي أننا لا نعرف!!

فهناك فريقان متنازعان على البرامج والمصالح والسلطة بكل منافعها ومناصبها وأشكال النفوذ التي توفرها والمنظمة والتمثيل والقرار، ولكل فريق أجندته وتحالفاته العربية والإقليمية والدولية.

الفريق الأول تقوده فتح يريد إنهاء الانقسام عن طريق احتواء حركة حماس في النظام السياسي الفلسطيني، بما لا يمس القيادة والقرار والبرنامج المعتمد في المنظمة والسلطة، برنامج المفاوضات وخارطة الطريق والرهان على العملية السياسية، مهما طالت ومهما اعترضها من عقبات، وعلى الرغم من عدم جاهزية إسرائيل لعقد سلام أو تسوية مع الفلسطينيين تحقق الحد الأدنى من الحقوق والمطالب والمصالح الفلسطينية.

لذلك ركز هذا الفريق على إنهاء السيطرة الحمساوية الانفرادية على غزة، وانتقل من المطالبة باعتذار حماس والتراجع عن انقلابها أولا وقبل الحوار، الى تحقيق هذا الهدف من خلال الحوار.

فإذا دققنا بكل المواقف والصيغ التي طرحها أو وافق عليها هذا الفريق فإننا نلاحظ أنه يركز على إنهاء حكم حماس الانفرادي لغزة. وأقصى تنازل قدمه حتى الآن، هو الموافقة على شراكة مع حماس في السيطرة على غزة من خلال صيغة اللجنة الفصائلية المشتركة وصيغة تشكيل قوة امنية مشتركة في غزة تضم الآلاف. فما يطرحه هذا الفريق لحماس مقابل تخليها عن غزة هو الموافقة على الشراكة معه في حكم غزة، وعلى الالتزامات التي عقدتها المنظمة مع إسرائيل من خلال المشاركة بحكومة أو إعطاء الحكومة الثقة، شرط أن تلتزم بهذه الالتزامات، وما يعنيه ذلك من تنازل حماس عن هويتها ومبرر وجودها مقابل الاعتراف بها كحركة، وهذا سيجعل المواطن الفلسطيني ينفض عنها والموافقة على انضمامها للسلطة والمنظمة كأقلية لا تمس بالدور القيادي الذي لا تزال تضطلع به حركة فتح أو من يمثلها أو يحكم باسمها.

والفريق الثاني الذي تقوده حماس يريد المقايضة بالسيطرة الانفرادية على غزة من أجل الحصول على مشاركة كاملة في السلطة والمنظمة، كمرحلة أولى على طريق انتزاع القيادة من حركة فتح دون أن "يلوث" نفسه بالموافقة على الالتزامات، ودون أن يتخلى عن فرصة مشاركته المباشرة في الحكم من خلال تمكين حكومة وفاق وطني من الكفاءات الوطنية المستقلة من الحكم في المرحلة الانتقالية على الأقل. فهو قدم نصف اعتراف بإسرائيل من خلال الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 1967، وقام بتعليق المقاومة من خلال الاستعداد لهدنة طويلة جدا، ووافق على احترام الاتفاقيات بدلا من الالتزام بها.

إن مشاركة حماس بالنظام السياسي الفلسطيني، مشاركة كاملة، ليست مسألة فلسطينية بحتة، فهي بحاجة الى موافقة إسرائيلية وأميركية ودولية وعربية.

فالموافقة الدولية مهمة جدا، لأن القضية الفلسطينية دولية، وما يجري بها يؤثر على المنطقة والعالم. وإسرائيل لاعب رئيس يؤثر موقفه على جهود الحوار والمصالحة، فهي على سبيل المثال تحتل الضفة بالكامل، وتحتل غزة عبر حصارها حصارا خانقا، وتضع شروطا للتعامل مع حماس، سواء بشكل منفرد أو في إطار حكومة فلسطينية، وإذا لم تلب هذه الشروط تستطيع إسرائيل أن تمنع حرية حركة حماس في إطار السلطة في الضفة، وأن تفرض الحصار والمقاطعة عليها كما تفعل حاليا ضد قطاع غزة، وكما فعلت سابقا عندما استولت على أموال الضرائب الفلسطينية كشكل من أشكال العقاب لحكومة الوحدة الوطنية، التي شاركت بها حماس وترأستها لأنها لم تعترف بإسرائيل اعترافا كاملا، ولم تلتزم بالاتفاقات، ولم تدن العنف والإرهاب ضد الاحتلال الإسرائيلي.

هل هذا يعني حتمية الخضوع للشروط الإسرائيلية؟ لا طبعا، ولكنه يعني ضرورة أن تكون الحكومة المتفق عليها منسجمة مع الشرعية الدولية على الأقل، ومؤمنة بالحل التفاوضي ومرجعيتها م.ت.ف الجهة الممثلة للفلسطينيين والمعترف بها دوليا.

تدرك حماس الآن أنها في وضع صعب، وازداد صعوبة، بعد تعذر اتمام صفقة تبادل الأسرى، وعدم اتمام اتفاق التهدئة، وما يعنيه ذلك من إحكام الحصار وعدم الشروع في إعادة الإعمار، وعدم الاعتراف بشرعية حكومة حماس أو بدور حماس نفسها، وراهنت حماس على الوقت وأنه كفيل بالاعتراف بها خصوصا بعد صمودها في وجه الحصار والعدوان، كما راهنت على تغير إدارة بوش، وجاءت إدارة باراك اوباما، وهي أحدثت تغييرا في السياسة الأميركية إزاء حماس. فالإدارة السابقة تمسكت بالشروط الإسرائيلية التي أصبحت دولية لإسقاط حماس وعزلها، بينما أبدت الإدارة الأميركية الحالية استعدادا للاعتراف بحماس إذا وافقت على هذه الشروط.

لذا المرونة الأميركية إزاء حماس، والتي برزت في حديث اوباما عنها في خطابه، وفي الرسالة لخالد مشعل عن طريق الرئيس السابق جيمي كارتر وأحاديث هيلاري كلينتون، مرونة بالشكل وليست في الجوهر.

إن مجيء إدارة اوباما والتحرك السياسي الذي قامت به، ونتائج الانتخابات اللبنانية، والاضطرابات في إيران، جاءت لمساعدة الرئيس ابو مازن ومعسكر المعتدلين العرب، وهذا ادى الى زيادة مأزق حماس، وساهمت بتشجيع الفريق الأول وإصراره على شروطه وعلى ضرورة المضي في تطبيق الالتزامات الفلسطينية في خارطة الطريق والتي تقضي بسحب سلاح المقاومة وتصفية بنيتها التحتية وملاحقة المقاومين واعتماد المفاوضات كأسلوب وحيد لحل الصراع ووقف التحريض، فإذا كانت القيادة الفلسطينية قد طبقت من جانب واحد التزاماتها في خارطة الطريق، دون أن يكون لديها أمل بتجاوب كبير من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل زمن إدارة بوش السابقة، فهي الآن تتصرف بأنها "انتصرت"، لأن حديث اوباما عن حل الصراع وتجميد الاستيطان وحل الدولتين أعاد الثقة التي فقدتها وبعض القوة التي هي في مسيس الحاجة إليها.

إن الفريق الأول يراهن الآن على أن حماس ستخضع للشروط المطلوبة منها سواء بالحوار، أو دونه وإلا ستخسر خسارة كاملة، وهذا يضع عقبة كبيرة أمام انجاح الحوار. والفريق الثاني يدرك ذلك لذلك تعلق بخشبة إطلاق سراح المعتقلين للتهرب من توقيع اتفاق غير مناسب له، رغم أنه يعرف أن اعتقالهم جاء نتيجة الانقسام وليس سببا له.

وتبقى نقطة مهمة جدا، هي التي ستوضح مصير الحوار الوطني الفلسطيني الى حد كبير.

فإذا انتهت الإدارة الأميركية، بعد تحركها السياسي الذي بدأته منذ توليها سدة الحكم الى طرح مبادرة سياسية متكاملة ترمي لحل الصراع على قاعدة حل الدولتين، فإنها ستحتاج الى إعادة الوحدة الفلسطينية للمساهمة في إنجاح المبادرة. وهنا من المهم معرفة مضمون المبادرة وهل ستكون متوازنة أو منحازة كليا لإسرائيل. إدارة اوباما أعطت إشارات متناقضة حتى الآن. إن كل هذا سيتم معرفته بعد معرفة النتيجة التي ستنتهي إليها الحوارات الأميركية ــ الإسرائيلية حول تجميد الاستيطان. فإذا قبلت الإدارة الأميركية بتسوية لهذه المسألة، كما ألمح ناطق باسم البيت الأبيض، فهذا يعني أن المبادرة الأميركية القادمة ستكون غير متوازنة.

وتبدو الإدارة الأميركية بحاجة الى مبادرة لاستعادة مصداقيتها وتبييض صفحة السياسة الأميركية السوداء في المنطقة.

وإذا انتهت الإدارة الأميركية بعد تحركها لجس النبض، أنها ليست بوارد الضغط على إسرائيل، أي لن تقدم مبادرة متكاملة، وعادت الى السياسة الأميركية المعهودة التي اعتمدت سياسة إدارة الصراع، وليس حله، فإنها لن تكترث كثيرا لاستمرار الانقسام، بل سيكون من المناسب استمرار الانقسام لتبرير عدم تقديم مبادرة وتحميل الفلسطينيين كل المسؤولية أو قسطا مهما من المسؤولية عن عدم انتهاز الفرصة المتوفرة حاليا لحل قضيتهم.

إن تركيز الحوار الثنائي، بين فتح وحماس، على تشكيل لجنة فصائلية وقوة أمنية مشتركة، بعد الارتداد عن فكرة تشكيل حكومة وفاق وطني انتقالية، تسعى لتوحيد مؤسسات السلطة وشطري الوطن، والى التحضير لإجراء الانتخابات العامة، والى إعادة تفعيل وتوحيد وبناء الأجهزة الأمنية لتكون أجهزة مهنية تخضع لعقيدة أمنية وسيادة القانون، يعني أن القيادات الفلسطينية ليست في مستوى تحديات المرحلة، وأنها اختارت التعايش مع الانقسام، الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، أي الانتظار الى أن تتغير الظروف وتسمح بإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

إن الانتظار سياسة جربت سابقا وفشلت، فلا بد من سياسة فلسطينية فاعلة مبادرة تدرك أهمية الوحدة في مسألة إطلاق مبادرة سياسية دولية لحل الصراع، وفي التأثير على مضمون هذه المبادرة لكي تأتي وتصب في صالح الفلسطينيين وليس على حسابهم.

حماس لا تريد أن تشارك أحدا في حكم غزة، قبل أن تضمن مشاركتها في الضفة وغزة والمنظمة دون دفع ثمن المشاركة، وتفضل إيجاد صيغ تنسيق بين السلطة في الضفة والسلطة في غزة.

والفريق الآخر، يريد أن يشارك حماس في حكم غزة، دون ان يتيح لها أن تكون شريكا كاملا.

المخرج الوحيد، إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني، واعتماد أسس للعمل الوطني تتيح المشاركة الكاملة، مع ضرورة أخذ المعطيات المحلية والإقليمية والدولية بالحسبان، دون أن نصل بالضرورة الى حد الموافقة على الشروط الإسرائيلية التي أصبحت دولية.

إن حماس قطعت شوطا طويلا على طريق تأهيل نفسها كلاعب فلسطيني مقبول دوليا وعليها ان تقطع المسافة المتبقية، وذلك من خلال موافقتها على تشكيل حكومة وفاق وطني منسجمة مع الشرعية الدولية، دون أن تعترف حماس بإسرائيل وأن تتخلى عن المقاومة ودون الالتزام بالاتفاقيات من جانب واحد.

مشاركة: