الرئيسية » هاني المصري »   05 آذار 2007

| | |
مشاورات تشكيل الحكومة سالكة بصعوبة
هاني المصري

 

تصطدم المشاورات لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية المستندة إلى اتفاق مكة بعدة عقبات خارجية وداخلية، ولكنها تمضي في طريقها سالكة بصعوبة حتى الآن، لدرجة أن هناك توقعات بعرضها على المجلس التشريعي قبل انتهاء المدة المحددة للمشاورات في القانون الأساسي.

العقبات الخارجية، تتمثل في تأجيل اللجنة الرباعية الدولية اتخاذ قرار مشترك بخصوص حكومة الوحدة الوطنية مع التأكيد على شروطها المعروفة، وفي التهديد الأميركي الإسرائيلي بمقاطعة الحكومة بكل وزرائها إذا لم تلتزم بشروط اللجنة الرباعية الدولية، ولا بد من مراقبة مدى تأثير وانعكاس العقبات الخارجية عبر رؤية مدى انعكاس هذا الموقف الأميركي - الإسرائيلي على بقية أطراف اللجنة الرباعية الدولية، وعلى الدول العربية والإسلامية. فإذا حذت أوروبا حذو روسيا (لأن روسيا وحدها لا تكفي فموقفها جيد ولكن قدرتها محدودة). وإذا شربت الدول العربية خصوصاً التي تسمى معتدلة حليب السباع، وقررت إنجاح اتفاق مكة وفك الحصار عن حكومة الوحدة الوطنية رغم المعارضة الأميركية ستتضاعف فرص حكومة الوحدة بالنجاح. وإذا اصطكت الركب العربية، وفضلت أوروبا الانسجام أو عدم الابتعاد كثيراً عن الموقف الأميركي نظراً لحاجة أوروبا لأميركا بمعالجة الملف النووي الإيراني، ستواجه مشاورات تشكيل الحكومة الحادية عشرة عقبات جدية تهددها بعدم الوصول إلى برّ الأمان.

 

العقبات الداخلية تتمثل أساساً في المنافسة داخل كل فصيل، بما فيها حركتا "فتح" و"حماس" حول من يشارك في جنة الحكومة القادمة. ويبرز حجم العقبات الداخلية بعد إعلان الجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي وجبهة التحرير العربية عن قرار عدم المشاركة بالحكومة، وتردد حزب الشعب حتى الآن بالمشاركة. وإذا نظرنا إلى موقف الجهاد الإسلامي نجده منسجماً مع نفسه، فالجهاد تعارض المشاركة في أية حكومة على خلفية رفضها لاتفاق أوسلو وإفرازاته، وعلى هذا الأساس لم تشارك في الانتخابات. وما ميز موقف الجهاد هو أن المعارضة للمشاركة في الحكومة لم تمنع الجهاد من تأييد اتفاق مكة، ولا من المساهمة في إنجاح المشاورات الجارية لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.

أما معارضة جبهة التحرير العربية، فيقلل من أهميتها رغم أنها تنطلق من أسباب سياسية واقع أن الجبهة غير ممثلة في المجلس التشريعي وأن المحاصصة التي جرت في مكة لا تتسع لمشاركة جبهة التحرير العربية، كما لا تتسع لمشاركة معظم القوى الثلاث عشرة المعترف فيها داخل أراضي السلطة الوطنية. فاتفاق مكة يتسع لأربعة وزراء لتمثيل الكتل والقوى السياسية ويمكن أن تكبر هذه الحصة قليلاً على حساب المستقلين (فهم مستقلون اسماً) بعد أن أعربت حركة "فتح" عن استعدادها لإعطاء حصة أكبر للقوى السياسية.

أما معارضة الجبهة الشعبية فأنا أعتقد أنها تعود لأسباب تكتيكية وليست استراتيجية. والدليل على ذلك أن الجبهة بدأت بالمشاورات وهي تعرف أن اتفاق مكة عملياً وجوهرياً غير قابل للفتح. فالحصيف يدرك أن فتحه يمكن أن يقضي عليه. وعلى القوى الأخرى أن لا تحج والناس راجعة. أين كانت القوى الأخرى كلها والمستقلون طوال العام الماضي؟ ولماذا اكتفوا جميعاً بالخطابات التبشيرية والشعارات العامة ولعب أدوار الوساطة والانشغال شبه الكلي بالأعمال الفوقية والموسمية وإهمال كل الجوانب الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والخضوع لطغيان السياسة.

من حق الجبهة الشعبية أن تشارك بالحكومة أو تقاطعها، وعليها أن تدرس خياراتها جيداً. وعلى الجميع أن يتذكر أن أية حكومة حتى تحكم بشكل جيد بحاجة إلى معارضة قوية. وحتى تكون المعارضة فاعلة يجب أن تكون لها رؤية وبرنامج بديل وأن تقدم نموذجاً مختلفاً. وعندما يقاطع فصيل أساسي مثل الجبهة الشعبية الحكومة يجب أن لا يتهم بالمزايدة والتقاطع مع المطالب الأميركية التي تريد أن تسقط حماس أو تقلل من حقائبها الوزارية.

ومن حق الجبهة الشعبية أن تطالب بأن تتميز بالمشاركة عن القوى والكتل الأخرى لأنها حصلت على ثلاثة مقاعد في المجلس التشريعي وهذا يجعل ترتيب حجمها الثالث في المجلس التشريعي. ولا يجب إخفاء هذا المطلب وراء تضخيم الاعتراض السياسي على خطاب التكليف واعتباره هبوطاً عن سقط وثيقة الأسرى. يمكن للجبهة أن تشترط موافقتها على المشاركة بالحكومة بحصولها على وزيرين، أو وزير وعدة وكلاء ومديرين عامين، واحتفاظها بحقها بالتحفظ على خطاب التكليف، مثلما فعلت مراراً وتكراراً خلال مشاركتها باللجنة التنفيذية للمنظمة، حيث تحفظت أحياناً وقاطعت أحياناً، رغم أن المنظمة هي التي عقدت الاتفاقيات مع إسرائيل، وهي من يطالب حالياً بالالتزام بها. إن اتفاق أوسلو قد تجاوزته الأحداث، وإسرائيل لم تعد تلتزم به منذ فترة طويلة. وهناك محاولات أميركية تجري لوضعنا جميعاً تحت سقف سياسي أقل من أوسلو، وعلينا أن نقاوم ذلك بصورة مشتركة، سواء بالانخراط بحكومة واحدة أو دون ذلك، فالحاجة ماسة إلى بلورة برنامج وطني مشترك لا يكون حصيلة جمع أو تعايش بين برامج متعارضة أو متناقضة.

أما تردد حزب الشعب، فيعود إلى المحاصصة الثنائية ومعارضته غياب البرنامج الديمقراطي، الاقتصادي، الاجتماعي عن اتفاق مكة، وربما عن برنامج الحكومة القادمة، وعدم ثقته بأن له مقعداً وزارياً مضموناً، فحسب اتفاق مكة هناك أربع حقائب خصصت للكتل والقوى الأخرى. سلام فياض احتل حقيبة، والحقائب الثلاث المتبقية يجب أن توزع على الشعبية والمبادرة والبديل الذي يضم ثلاثة فصائل هي الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب وفدا. إذاً ليس من المضمون مشاركة الفصائل الثلاثة. وليس من المضمون مشاركة حزب الشعب، وعندما حاولت "فتح" حل هذه المشكلة باقتراح التنازل من "فتح" و"حماس" عن حقائب للقوى الأخرى رد عليها صلاح البردويل رئيس كتلة "حماس" البرلمانية، ان من حق "فتح" أن تتنازل عن حقائب لأولادها من الفصائل الأخرى.، أما "حماس" فليس من واجبها أن تتنازل للجيران.

ورغم أن مشاركة أو عدم مشاركة الفصائل والكتل الأخرى في الحكومة القادمة لا تفقدها النصاب السياسي والبرلماني لأن كتلتي "فتح" و"حماس" وأوزانهما في أوساط الشعب الفلسطيني يعطي لأية حكومة تشاركان بها معاً، أغلبية كاسحة مضمونة، إلا أن النصاب السياسي يكون ناقصاً دون مشاركة أكبر عدد ممكن من الفصائل، خصوصاً الممثلة في المجلس التشريعي. فالبحث الجاري يستهدف تشكيل حكومة وحدة وطنية لا حكومة ائتلافية، وحكومة الوحدة الوطنية لا تكتمل دون مشاركة الفصائل والمجتمع والمستقلين الحقيقيين، خصوصاً أن التحديات التي تواجه هذه الحكومة حتى قبل تشكيلها تستوجب مشاركة الجميع.

إن اتفاق مكة، والمشاورات لتشكيل الحكومة، وضعت الفصائل الأخرى، والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمستقلين أمام أمر واقع، واتفاق جاهز لم تشارك بوضعه، وعليها أن تقبل به كما هو أو أن ترفضه. وهذا يعكس ثنائية ومحاصصة، حكمت الساحة الفلسطينية طوال العام الماضي، حيث كانت معظم جولات الحوار، وكل جولات الاقتتال، ثنائية. وهذه الثنائية والمحاصصة ستستمر، ويمكن أن تنسحب من السلطة إلى "م.ت.ف" بحيث يجري اقتسام السفراء والدوائر والموازنات مثلما ثم اقتسام الأجهزة الأمنية والوزارات ويمكن أن يمتد إلى المحافظين. ويمكن أن نشهد نوعاً من التنافس الفتحاوي - الحمساوي على الوظائف والتعيينات الذي لا يقوم على أساس الكفاءة والإنتاجية والنزاهة وتكافؤ الفرص والوطنية، وإنما على أساس الثقة والولاء لهذا التنظيم أو ذاك، أو لمركز القوة هذا أو ذاك.

ويمكن أن يستمر تجاهل القضايا الديمقراطية والاقتصادية، والاجتماعية والتعليم والثقافة والإعلام والأمن، بحيث تصبح كل وزارة إقطاعية للوزير وبالتالي للفصيل الذي ينتمي إليه، ما يجعلنا أمام حكومة برأسين، أو حكومتين بحكومة.

وهذا يفرض ويطرح على الجميع، ضرورة محاربة الثنائية والمحاصصة، خصوصاً في الوظيفة العمومية وفي أجهزة الأمن التي هي للوطن كله وللجميع، بحيث يجب تحييد الثقافة والإعلام والتعليم والأمن عن الولاء للفصائل. فوسيلة الإعلام التي تمول من الموازنة العامة للوطن كله وليست لفصيل أو حتى للحكومة. وكذلك الأمن والثقافة والتعليم. فحذار من التفرد والثنائية والاحتكار والتجهيل والتكفير ومعاداة الحداثة والتقدم ومساواة المرأة بالرجل، والتعامل مع الديمقراطية كعرس ليوم واحد، وليس كنهج دائم وكقيم يجب تعزيزها باستمرار. فالتعددية مصدر المناعة والتطور والإبداع.

 

 

مشاركة: