الرئيسية » هاني المصري »   14 أيلول 2010

| | |
مسرحية تجميد الاستيطان أصبحت مطلباً فلسطينياً
هاني المصري

 

في شهر تشرين الثاني الماضي قررت الحكومة الإسرائيلية تجميد الاستيطان بشكل جزئي ومؤقت (لمدة عشرة أشهر تنتهي في 26 من الشهر الجاري) مع استثناء القدس والوحدات الاستيطانية قيد البناء التي تعد بالآلاف والمرافق العامة، وذلك ترضية للإدارة الأميركية التي تراجعت عن موقفها بتجميد الاستيطان وعادت لدعم إسرائيل كسابقاتها
لقد سجلت مؤسسات إسرائيلية أكثر من 490 خرقاً لهذا القرار؛ الأمر الذي جعله ليس أكثر من مسرحية هزلية ترمي إلى استرضاء الإدارة الأميركية وخداع الفلسطينيين والعالم كله من خلال الإيحاء بأن الحكومة الإسرائيلية معنية بالسلام.


لم تنطل مسرحية تجميد الاستيطان على الفلسطينيين قيادة وقوى وشعباً، رغم أنها قدمت بدون مقابل من أجل تشجيع القيادة الفلسطينية على الموافقة من أجل الدخول في مفاوضات ثنائية مباشرة. وبعد ستة أشهر على هذه المسرحية وافقت القيادة الفلسطينية على محادثات تقريبية (مفاوضات فلسطينية ــ إسرائيلية غير مباشرة) على أن تكون لمدة أربعة أشهر يتم بعدها إذا تم إحراز تقدم الانتقال إلى المفاوضات المباشرة.
ورغم عدم إحراز أي تقدم جراء التعنت الإسرائيلي وافقت القيادة الفلسطينية على الانتقال من المحادثات التقريبية إلى المفاوضات المباشرة بدون تحقيق أي مطلب من مطالبها التي رددتها طوال 20 شهراً.
فلم يجمد الاستيطان ولم يتم الاتفاق على مرجعية واضحة وملزمة للمفاوضات، ولم تبدأ المفاوضات من النقطة التي انتهت إليها المفاوضات السابقة. فالمفاوضات التي بدأت بعد قمة واشنطن جاءت بدون شروط مسبقة أي وفقاً للشروط الأميركية والإسرائيلية
الأنكى والأمر من ذلك أن التراجع الفلسطيني لم يقف عند حدود الدخول بالمفاوضات المباشرة بدون شروط، وإنما أخذنا نستمع إلى تصريحات فلسطينية رسمية على كل المستويات تتحدث "عن عدم الموافقة على استمرار المفاوضات إذا صدرت عطاءات استيطانية جديدة" وعن "أن المفاوضات ستنهار في نهاية الشهر إذا لم تمدد إسرائيل مسرحية التجميد الجزئي والمؤقت للاستيطان" التي حصلنا عليها بالسابق بدون مفاوضات، وأصبحت كأنها السقف للمطالب الفلسطينية الراهنة من المفاوضات
قبل أن نتوقف أمام أبعاد ودلالات هذا التنازل الفلسطيني الرسمي الجديد، لا بد أن نشير إلى قيادات فلسطينية شاركت في قمة واشنطن غردت خارج السرب الرسمي وصرحت بأن المشاركة في المفاوضات طريق لا رجعة عنه، وحذرت ولوحت بأن الإدارة الأميركية لا يمكن أن تسمح للمفاوضات التي دشنتها في مستهل شهر أيلول الجاري أن تنهار في النهاية.
وتطرح هذه القيادات "بشجاعة وجرأة" ضرورة الاستمرار بالمفاوضات حتى لو لم يتم تمديد مسرحية تجميد الاستيطان، ولمحت إلى إمكانية القبول الفلسطيني بالمقترحات الأميركية لتجاوز اختبار السادس والعشرين من أيلول القادم من خلال عدة صيغ: مثل صيغة "ميني تجميد" وهي صيغة طرحها الوزيران الإسرائيليان ميخائيل إيتان ودان مريدور ومضمونها "استمرار الاستيطان في الكتل الاستيطانية الكبيرة بينما يجمد في المستوطنات الصغيرة والبؤر العشوائية التي تستعد إسرائيل للتخلي عنها مبدئياً في أي حل نهائي". 
وهناك صيغة أخرى، وهي عدم الإعلان عن تمديد تجميد الاستيطان على أن تكتفي إسرائيل ببناء آلاف الوحدات الاستيطانية التي حصلت على تراخيص، وعدم إصدار تراخيص جديدة، مع العلم ان حركة السلام الاسرائيلية نشرت تقريراً بالأمس، مفاده ان 13000 وحدة استيطانية سيشرع في بنائها بعد انتهاء فترة التجميد الجزئي والمؤقت للاستيطان.
وهناك صيغة ثالثة لمح إليها نتنياهو في اجتماع الحكومة الإسرائيلية وهي عبارة عن تجزئة التجميد الجزئي !!
إن التنازل يجر إلى تنازل آخر، والذهاب إلى مفاوضات بدون شروط وبلا وقف الاستيطان وبلا مرجعية يقود إلى المطالبة بتمديد مسرحية تجميد الاستيطان، وتقود هذه إلى قبول "ميني" تجميد كحل وسط، أو قبول أي صيغ أخرى لا تتضمن تجميداً حقيقياً للاستيطان، وإنما هي صيغ خادعة تمكن حكومة نتنياهو من الالتزام بنص قرارها الصادر قبل عشرة أشهر والذي جاء فيه بأن هذا القرار غير قابل للتمديد
إن عدم القبول الإسرائيلي بتمديد مسرحية تجميد الاستيطان أعلنه نتنياهو قبل وبعد قمة واشنطن، ولم يلتزم في القمة ولا حتى أثناء لقائه مع الرئيس محمود عباس بالتمديد، وبالتالي فإن المفاوض الفلسطيني ذهب إلى قمة واشنطن وشرع بالمفاوضات المباشرة على هذا الأساس، وسيواصل المفاوضات على هذا الأساس.
ان الصمود الفلسطيني على رفض استئناف المفاوضات بدون وقف الاستيطان وتحديد مرجعية أدى الى تجميد جزئي ومؤقت للاستيطان، اما استئناف المفاوضات بدون شروط فأدى الى تراجع فلسطيني عن المطالبة بوقف الاستيطان وقفاً تاماً، والى القبول بتمديد التعليق الجزئي والمؤقت للاستيطان، ومع ذلك لن يحصل عليه وانما على "ميني ميني تجميد".
إن خطورة استئناف المفاوضات في ظل الاستيطان أنها تمكن إسرائيل من الخروج من أزمتها على الصعيد الدولي من خلال الظهور برغبتها في السلام، وهذا الهدف قد تحقق فعلاً، ومن لا يصدق عليه أن يراجع التصريحات الأميركية الصادرة عن أوباما وكلينتون، إضافة إلى التصريحات الدولية والأوروبية التي تشيد "بالجدية" التي أبداها نتنياهو و"النوايا الإيجابية" التي أظهرها.
كما أن المفاوضات المباشرة بدون وقف الاستيطان تعطي لإسرائيل الإمكانية لأخذ الوقت والغطاء اللازم لاستكمال تطبيق مشاريعها التوسعية والاستيطانية، وقطع الطريق على الخيارات والبدائل والمبادرات والأدوار القادرة على تحقيق السلام، ودحر مشروع الحل الإسرائيلي الذي لا يريد حلاً حقيقياً وإنما تمويه الاحتلال من خلال اتفاق إطار؛ يغطي على حل انتقالي طويل الأمد متعدد المراحل يستغرق تطبيقه ثلاثة عقود كما ورد على لسان نتنياهو بعد عودته من قمة واشنطن، وهو حل تطبيقه جار منذ سنوات على الأرض ليفرض على طاولة المفاوضات
إن الموافقة على "ميني ميني تجميد" أو على تجزئة التجميد الجزئي المؤقت للاستيطان أو غيرها من الصيغ بشكل مباشر أو غير مباشر؛ يعني مشاركة فلسطينية في تغطية تطبيق الحل الإسرائيلي على الأرض قبل فرضه على طاولة المفاوضات.
لنقف قليلاً وننظر إلى الوراء، لنرى أين كنا وأين أصبحنا ليس عند انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، وإنما إلى العام 1988 عندما طرحت مبادرة السلام الفلسطينية ووثيقة الاستقلال اللتان نصتا على إنهاء الاحتلال وحق العودة وتقرير المصير، وأما الآن أصبحنا نطالب بتجميد الاستيطان كلياً ثم بشكل جزئي ومؤقت بدلاً من إزالة الاستيطان
إذا تمسك الجانب الفلسطيني رغم كل ما تقدم بموقفه المعلن وانسحب من المفاوضات في نهاية الشهر الجاري مع استمرار الاستيطان فهذا أمر جيد جداً ولكنه مستبعد جداً؛ وذلك لأن الإدارة الأميركية وأوروبا ستحملان القيادة الفلسطينية المسؤولية عن انهيار المفاوضات، وهذا أخشى ما تخشاه القيادة لأنه يذكرها بما حدث بعد فشل قمة كامب ديفيد العام 2000 وتحميل ياسر عرفات المسؤولية عن هذا الفشل؛ الأمر الذي أدى إلى محاصرة عرفات ثم اغتياله.
إن الفلسطينيين بحاجة إلى مراجعة شاملة للتجربة السابقة، واستخلاص الدروس والعبر وبلورة استراتيجية جديدة قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية.
لا يكفي الدخول في المفاوضات المباشرة أو رفضها، وإنما نحن بحاجة إلى طريق آخر وطني ديمقراطي عقلاني واقعي قادر على تحقيق الانتصار. فهل نجرؤ على الانتصار !!

مشاركة: