الرئيسية » هاني المصري »   30 آذار 2007

| | |
مرسوم حلّ الميليشيات المسلحة لا يكفي وخطر وحده!
هاني المصري

 

بعد يوم واحد على صدور مرسوم الرئيس، الذي حظر الميليشيات المسلحة والتشكيلات العسكرية وشبه العسكرية، قامت قوات الاحتلال باقتحام مناطق في قطاع غزة، في عملية سقط ضحيتها 41 شهيداً وعشرات الجرحى، واحتلت مدينة نابلس لليوم الثاني على التوالي، وفرضت حظر التجول عليها، في عملية سقط ضحيتها شهيد واحد واعتقال عشرات المواطنين، في رسالة مدوية، من المفترض أن تذكّر الجميع بأن الاحتلال هو جذر الصراع، والعامل الأكبر الذي يدفع لاستمرار وتعميق حالة الفوضى والفلتان الأمني.

الاعتداءات الاسرائيلية تُفشِل حكومة الطوارئ، كما قال رئيسها سلام فياض، لأنها تُظهِرها عاجزة وغير قادرة على الدفاع عن شعبها، وتصدر المراسيم التي من شأنها منع المقاومين من مقاومة الاحتلال، حتى وهو يقتحم مدنهم ومقارهم، في وقت أعلن أكثر من مسؤول فلسطيني أن الحكومة الاسرائيلية التزمت بالكف عن ملاحقة واعتقال واغتيال المطلوبين، حتى تسهل على حكومة الطوارئ تطبيق البند الرئيسي في برنامجها، وهو تحقيق الأمن والأمان، والقضاء على حالة الفوضى والفلتان الأمني. لا يمكن تنظيم سلاح المقاومة وضبطه دون اتفاق متبادل وشامل ومتزامن، على وقف إطلاق النار.

 

في هذا السياق، لم يكن غريباً ولا مفاجئاً، ما جاء في بيانات كتائب شهداء الأقصى في نابلس، من مطالبة الحكومة، التي تريد سحب السلاح بكل أنواعه، بأن تدافع عن المواطنين والمدن التي تستبيحها القوات المحتلة أينما تشاء ووقتما تشاء.

إن حكومة أولمرت تكشف عن وجهها الحقيقي، الذي حاولت إخفاءه في قمة شرم الشيخ، عبر الإصرار على إعادة التنسيق الأمني الفلسطيني - الاسرائيلي، وإثبات جديتها في محاربة المقاومة، التي تسميها الارهاب، قبل أن تحصل على أي شيء. فحكومة أولمرت تريد سلطة فلسطينية وظيفية، تهتم بشؤون السكان المعيشية وتساعدها على توفير الأمن لإسرائيل، ولا تقترب من المفاوضات حول قضايا الصراع الأساسية، تمهيداً لقبول ما تعرضه إسرائيل بعد استكمال تطبيق مخططاتها الاستيطانية والعنصرية في الضفة المحتلة.

تأسيساً على ما تقدم، لا يمكن حل المسألة الأمنية بالقطّاعي، ودون رؤية متكاملة وبرنامج واضح، يقف في رأس أولوياته كيفية التعامل مع المقاومة وسلاح المقاومة.

في وثيقة الوفاق الوطني، بند يتحدث عن تنظيم المقاومة وسلاحها، عن طريق إيجاد مرجعية وطنية واحدة، بحيث لا تبقى المقاومة قطاعاً خاصاً وأمراً يقرر فيه كل فرد أو مجموعة أو فصيل وحده. لماذا لا تحاول حكومة الطوارئ معالجة سلاح المقاومة وفقاً لذلك.

لا يمكن تجاهل موضوع المقاومة وسلاحها، على الرغم من الإدراك التام أن المقاومة استخدمت كغطاء لارتكاب شتى أنواع الجرائم، والمساهمة في تعميق حالة الفوضى والفلتان الأمني، ما يفرض ضرورة التمييز القاطع ما بين سلاح المقاومة الطاهر وسلاح الزعرنة والجريمة والفوضى.

إن القفز عن سلاح المقاومة في المرسوم الرئاسي، وفي خطة الحكومة، اصطدم بسرعة بالعدوان العسكري الاسرائيلي، الذي يطرح الحاجة الى المقاومة، والى تنظيمها وربطها بمرجعية وطنية واحدة. كما اصطدم بالموقف الذي عبّرت عنه كتائب شهداء الأقصى، التي رفضت في بيان صادر عنها، اعتبارها ميليشيات مسلحة، أو تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية، لأنها، كما يؤكد البيان، مجموعة مناضلة ومدافعة عن الوطن وكرامة الشعب. وبالتالي، رفضت سحب سلاحها، لأنه سلاح شرعي ومقاوم، والسلاح الوحيد المتبقي للدفاع عن الانتفاضة.. كما رفضت تشبيه كتائب الأقصى بالميليشيات المسلحة التي أساءت للوطن والشعب. وأيدت بالتالي، سحب السلاح غير الشرعي المشارك في الفلتان الأمني، وستعمل ضده مع الأجهزة الأمنية، وأكدت أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام جرائم الاحتلال، وسترد على جرائمه، ولن تلتزم بالتهدئة طالما يواصل الاحتلال جرائمه.

إن هذا الموقف يضع حكومة الطوارئ أمام معضلة معقدة جداً، فهي ستفقد مصداقيتها بسرعة، إذا لم تطبق مرسوم الرئيس، أو إذا طبقت المرسوم بشكل انتقائي واستثنت كتائب شهداء الأقصى، ولكن الأمر بحاجة الى أكثر من مرسوم.

إن محاربة حالة الفوضى والفلتان الأمني، بحاجة الى سياق، الى برنامج سياسي، حتى تنجح.. وحتى تنجح الحكومة في فرض الأمن، عليها أن تتوقف ملياً أمام الأسئلة التالية: هل تنفيذ خطتها الأمنية يتم في سياق توفير الأمن للاحتلال دون وقف عدوانه العسكري، ولا وقف الاستيطان والجدار والحصار وتقطيع الأوصال والاعتقالات، ودون أفق سياسي جدي، أي في سياق إعادة انتاج اتفاق أوسلو، في الوقت الذي تجاوزت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة هذا الاتفاق كلياً؟

أم هل تتم محاولات الحكومة لفرض القانون والنظام العام في سياق مقاومة مثمرة تعتمد المقاومة الشعبية أساساً، والمقاطعة ومقاومة التطبيع وتعزيز مقومات الصمود والوجود الوطني والبشري الفلسطيني على أرض فلسطين؟

أم هل تتم كخطوة معزولة دون أي سياق؟ أو سيتم وضعها في سياق بعد وعلى ضوء التطورات وردود الأفعال عليها؟ وعلى أمل أنّ توفير الأمن الداخلي والأمن للاحتلال يشجع إسرائيل على استئناف المفاوضات! ومرّة أخرى السؤال هو: استئناف المفاوضات على أيّ أساس؟ على أساس مرجعية واضحة منذ البداية، تقوم على الاتفاق على إنهاء الاحتلال، أم مفاوضات عبثية جديدة تعيد انتاج ما سبق وأن جرّبنا واكتوينا بناره، منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى الآن، وأوصلنا الى ما نحن فيه.. أسئلة صعبة، ولكن لا يمكن النجاح في توفير الأمن دون الإجابة عنها.

وإذا توفر البرنامج السياسي المطلوب، لا بد من إعادة النظر بالأجهزة الأمنية، خصوصاً بعد فشلها المدوّي والسريع في غزة، لكي تكون أجهزة وطنية ومهنية.. وهذا لا يكون إلاّ بإنهاء الحزبية من الأجهزة وتطهيرها، لأن الكثير من الممارسات التي تعمق حالة الفوضى والفلتان الأمني تمارسها مجموعات وأفراد تنضوي أو تحصل على غطاء من الأجهزة الأمنية.

وفي الختام، نلخص ما نحتاجه حتى يتم توفير الأمن والأمان للوطن، بما يلي:

أولاً: إعادة الاعتبار للمشروع الوطني القادر على توحيد الشعب.

ثانياً: حل الميليشيات المسلحة والتشكيلات العائلية والفصائلية المسلحة.

ثالثاً: تمييز سلاح المقاومة عن سلاح الجريمة والفوضى والزعرنة، وربط المقاومة بمرجعية وطنية واحدة، تجعلها تخضع للشرعية، لضمان وحدانية السلطة وسلاحها.

رابعاً: إصلاح وتطوير وتجديد الأجهزة الأمنية، وتحويلها إلى أجهزة تدين بالولاء للوطن، وليس للفصائل، وتغيير الكثير من قادتها، إن لم نقل كلهم.

خامساً: توفير الإمكانات والأسلحة والتدريب اللازم للأجهزة الأمنية.

سادساً: إنهاء الازدواج في الصلاحيات ما بين الرئيس والحكومة، حتى لو اقتضى الأمر إجراء تعديلات قانونية أو إصدار مراسيم.

 

مشاركة: