الرئيسية » هاني المصري »   08 نيسان 2008

| | |
مرة أخرى الحل الممكن: هل يمكن قبوله؟
هاني المصري

 

فاجأني أحد الاصدقاء بالاستفسار عما قصدته في مقالي السابق، وهل أؤيد رفض ياسر عرفات لما عرض عليه في قمة كامب ديفيد أم أُعارضه؟ واطالب بالموافقة الآن على ما رفضه هناك لأن الوضع أسوأ الآن عما كان عليه. ولا أعرف سر سوء الفهم، خصوصاً ان صديقي أخبرني في الرسالة التي أرسلها اليّ انه قرأ المقال مرتين، وهذا يدل على انني لم أوفق تماماً في عرض وجهة نظري. فأنا، واعوذ بالله من كلمة أنا، رفضت ولا أزال ارفض العرض الاسرائيلي في كامب ديفيد، لأنه عرض تصفوي للقضية الفلسطينية من كافة جوانبها،


 ولأن باراك لم يكن جاداً في عرضه فهو كان يهدف كما قال الى ازالة القناع عن وجه ياسر عرفات واظهاره على حقيقته بانه "ارهابي" ولا يريد السلام. الشيء بالشيء يذكر، حيث ان تعليق صديقي دفعني دفعاً لكتابة مقال آخر عن الحل الممكن المطروح على الفلسطينيين، والذي يفكر بعض الفلسطينيين بقبوله على أساس الحصول على شيء افضل من لا شيء؟ المطروح علينا دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة، تضم الفتات الباقي بعد ان تأخذ اسرائىل ما تريده من اراضٍ من الضفة المحتلة والذي يتراوح ما بين 30-58%، فاسرائيل تريد معظم القدس والاغوار والكتل الاستيطانية الكبيرة وحدود الجدار التي تضم كافة المناطق الحيوية لأسباب أمنية او استراتيجية أو دينية واحواض المياه. وفي الاراضي (البقايا) لا يمكن قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وعاصمتها القدس وانما محمية اسرائيلية، ودولة لا تملك من مقومات الدول سوى الاسم. مثل هذه الدولة تحل مشكلة اسرائيل الديمغرافية وتجعلها تبدو أمام العالم معنية بحل الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي وبذلك تقطع الطريق على كافة الجهود والمبادرات العربية والدولية وتجعل الحل الاسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح والممكن عملياً. ومن اجل تبليع مثل هذا الحل، تبدي حكومة اولمرت استعداداً للاتفاق على اعلان مبادئ يوضح أسس التسوية الدائمة، ولكن بعبارات وصياغة غامضة يفسرها كل طرف كما يحلو له. فمثلاً يمكن ان يتضمن اعلان المبادئ الحديث عن قيام دولة فلسطينية دون تحديد حدودها ومساحتها وعاصمتها ومقومات السيادة. كما يمكن ان يتضمن استعداداً اسرائيلياً للتفاوض حول بقية القضايا، القدس والحدود واللاجئين، من اجل التوصل الى تسوية دائمة. ان التجربة المريرة منذ توقيع اتفاق اوسلو، الذي كان حلاً انتقالياً وهو عبارة عن اعلان مبادئ، علمتنا ان الاتفاق المؤقت الانتقالي يمكن ان يتحول بكل بساطة الى اتفاق دائم يستمر لفترة طويلة لا يعلم بنهايتها سوى اسرائيل. الخشية تظهر من وجود احتمال أخذ يكبر في الاسابيع الاخيرة بان توافق القيادة الفلسطينية على مثل هذا الاعلان للمبادئ، لانه يسمح لها بالحصول على المزيد من الاراضي وضمها للسلطة، وعلى اساس عودة الامور الى ما كانت عليه قبل 28/9/2000 مع تمسك اسرائيل بحقها بالتدخل والمطاردة الساخنة بحجة ان السلطة ضعيفة ولا تستطيع الوفاء بدرجة كافية بالتزاماتها الواردة في المرحلة الاولى من خارطة الطريق والتي تلزم السلطة بتفكيك البنية التحتية "للارهاب" ومحاربته حرباً لا هوادة فيها. والحجة الرئيسية التي يمكن ان تقدم لتبرير الموافقة على اعلان مبادئ جديد انه، اولاً: لا يترتب عليها تنازلات فلسطينية في القضايا الاساسية، وثانياً: انه يمكن ان يحمي السلطة والمفاوضات وعملية السلام من الانهيار الأمر الذي يدخل فلسطين، وربما المنطقة في حالة من الفوضى التي لا يستطيع احد ان يتوقع أو يتحكم بتداعياتها الممكنة والمحتملة. الرد المقنع على اصحاب الدعوة لقبول الحل الممكن، هو ان السياسة هي فن افضل الممكنات، وليس فن الممكنة فقط، اي يجب تحقيق أقصى ما يمكن دون المس بالحقوق الفلسطينية الاساسية، وبما يترك افق النضال الفلسطيني مفتوحاً للأجيال القادمة. كما ينسى اصحاب شعار انقاذ السلطة بأي ثمن، ان الموافقة الآن على حل انتقالي جديد تعني تخلياً عن قضيتي القدس واللاجئين، ومساومة كبرى على قضية الحدود والارض، لان المؤقت كما علمتنا التجربة هو دائم اكثر من الدائم نفسه. كما تعني اهمال عناصر القوة التي يستطيع ان يجمعها ويستخدمها الفلسطيني، والتي تبدأ بوجود اكثر من خمسة ملايين فلسطيني على ارض فلسطين، ومعدلات نموهم التي تخيف اسرائىل من القنبلة الديمغرافية واقتراب الاحداث من قيام دولة واحدة اذا لم تر الدولة الفلسطينية النور فبعد فترة ليست طويلة، ولا تتجاوز بضع سنوات، سيكون من المتعذر قيام دولة فلسطينية حقيقية في الاراضي المتبقية بعد تحقيق الاطماع الاسرائيلية بضم ومصادرة وتهويد اراض فلسطينية بشكل يومي. كما ان اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية في مأزق كما يظهر في العراق وافغانستان ولبنان، فنظرية الردع الاسرائيلية تلقت ضربات موجعة، والادارة الاميركية مرتبكة، وهي تقترب من الرحيل لصالح ادارة ديمقراطية على الأغلب ستكون اقل دعماً لاسرائيل من ادارة بوش التي تفوقت على كل الادارات الاميركية التي سبقتها في مجال دعم اسرائيل حتى في مواقفها التوسعية والعنصرية والمعادية لتحقيق السلام. فاذا كانت اسرائيل تريد استغلال فرصة وجود بوش في البيت الأبيض لتحقيق اتفاق لصالحها، يجب على الفلسطينيين ان يماطلوا حتى يمضي الوقت وتذهب ادارة بوش الى الجحيم لان اية ادارة قادمة ستكون على الاقل، اقل سوءاً منها. وحتى يمكن تقليل الخسائر من رفض المحاولة الاميركية - الاسرائيلية على القيادة الفلسطينية لقبول اتفاق أسوأ حتى من اتفاق اوسلو، يجب اعادة الاعتبار للبرنامج الوطني، واعطاء اولوية لانهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية، والشروع في عملية تجديد واصلاح وتغيير جوهرية في السلطة والمنظمة، والعمل من اجل استعادة الابعاد العربية والاسلامية والانسانية والدولية للقضية الفلسطينية بحيث تكون اية عملية سلام جديدة تستند الى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.

 

مشاركة: