الرئيسية » هاني المصري »   10 نيسان 2007

| | |
محاربة الفوضى والفلتان الأمني بحاجة إلى قرار سياسي
هاني المصري

 

بعد تفاقم حالة الفوضى والفلتان الأمني، وضعت الحكومة الأمن على نار ساخنة، وناقشت في اجتماعها الأسبوعي الخطة الأمنية، ومن المفترض أن تقر في اجتماعها يوم السبت المقبل خطة أمنية متكاملة من ثلاثة أقسام، الأول يتعلق بوزارة الداخلية على مستوى صنع القرار وآليات الإشراف على التنفيذ وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، ومسألة تشكيل مجلس الأمن القومي، والقسم الثالث يتعلق بلجنة المصالحة الوطنية.

لقد تدهورت الأوضاع الأمنية بعد توقيع اتفاق مكة، بدلاً من أن تتحسن، لدرجة أنها حصدت 53 قتيلاً و022 جريحاً، واتساع ظاهرة الخطف لتشمل 55 حادثة، من ضمنها اختطاف الصحافي البريطاني الان جونستون الذي حدث منذ أربعة أسابيع، دون الجزم أنها شارفت على الانتهاء رغم تصريحات المسؤولين من أعلى مستوى إلى أدناه.

 

وعلى أهمية وضع الخطط الأمنية إلا أنها غير كافية، فقد وضع وزراء الداخلية عشرات الخطط التي لم تنفذ. إن محاربة حالة الفوضى والفلتان الأمني بحاجة إلى إرادة سياسية حاسمة، وإلى زعامة تجرؤ على اتخاذ القرارات المناسبة. وبكل صراحة أقول دون المجازفة واتخاذ خطوات مؤلمة ورادعة ومعاقبة المسؤولين عن الاعتداءات والجرائم والخطف، ومن يوفر الغطاء لهم، وبدون نزع الشرعية عن المسلحين والمليشيات الفصائلية والعائلية التي تقيم كل منها سلطة خاصة بها، وبدون تخلي الرئيس ورئيس الحكومة ووزير الداخلية وقادة الأجهزة الأمنية عن التحليل للأحداث ولعب دور الترضية والوساطة وتلبية مطالب المجرمين والخاطفين، لا يمكن تحسين الوضع الأمني بصورة ملموسة، وبدون أن يشعر المواطن بالأمن والأمان، وبسط سيادة القانون والنظام العام لا يمكن أن تنجح الحكومة، ولا السلطة في تحقيق أبسط الواجبات الملتزمة بها على كافة الأصعدة.

الإرادة السياسية اللازمة لا بد أن تعبر عن نفسها باتخاذ قرار جريء بحل المليشيات المسلحة على اختلاف أنواعها، يسبقه أو يرافقه قرار أهم يتعلق بإعادة بناء هيكلة وإصلاح وتطهير الأجهزة الأمنية الشرعية وتزويدها بما يلزم من إمكانيات، بحيث تكون قادرة على القيام بدور فاعل حاسم، وتصبح أجهزة للوطن لا للفصائل والعائلات ومراكز القوى.

وهذا كله يتطلب دمج القوة التنفيذية بالأجهزة الأمنية في سياق عملية إصلاحها، بحيث لا يعود هناك أي جهاز تابع لـ "فتح" أو "حماس" أو للعائلات ولمراكز القوى. بدون هذا الإجراء لا يمكن توفير الأمن، وأقصى ما يمكن تحقيقه من الخطط الأمنية والاجتماعات التي لا تنتهي ترقيع الوضع الأمني عبر خطوات انتقائية جزئية تمس الزعران والمجرمين الصغار أما الكبار فلا أحد يجرؤ على الاقتراب منهم.

قد يقول قائل، وماذا عن المقاومة وسلاحها؟ وخصوصاً ان المليشيات المسلحة تتولى عبء المقاومة وتقوم بالدفاع عن الشعب في وجه الاعتداءات والاغتيالات والاجتياحات الإسرائيلية وتنفذ عمليات مقاومة متفرقة ولكن بصورة مستمرة، ومع إدراك عدم واقعية أن تجمع السلطة بين دورها المدني وبين المقاومة، لأن هذا ينذر بتدميرها فوراً، إلا أن الدفاع عن سلاح المقاومة ودورها يستخدم من قبل الكثيرين كحق يراد به باطل. وبدون أن يكون لمعظم من يتذرعون به علاقة لا بالمقاومة ولا بسلاحها ولا بالمقاومين.

إن سلاح المقاومة مقدس ومطلوب ولكن يجب تنظيمه وإخضاعه لمرجعية وطنية واحدة، ويجب ألا يرتبط بأي شكل من الأشكال بسلاح الزعرنة والجريمة والفوضى ونشر شريعة الغاب التي تقدم خدمة مجانية للاحتلال لا تقدر بثمن، بينما المقاومة تستهدف دحر الاحتلال، وهي يجب أن تنأى بنفسها عن كل ما يساعد الاحتلال ويقويه.

المقاوم لا يحتاج إلى استعراض سلاحه، وإطلاق الرصاص لمناسبة ودون مناسبة، خصوصاً في المهرجانات والجنازات والأفراح، ولا يستخدم سلاحه إلا في مكانه الصحيح. فالمقاومة بريئة من كل من يريد أن يلوث سلاحها بالصراعات المصلحية والعائلية والعشائرية وبالخاوات والاعتداءات على المؤسسات العامة والخاصة بما فيها الاعتداءات على مقاهي الانترنت. وإذا ارتكب أي مقاوم جريمة من هذه المخالفات يجب أن يحاسب فالمقاومة لا تعطي الحصانة لأحد، ولا تضعه فوق القانون والمحاسبة. فالمقاومة بريئة من كل من يحاول أن يشوه سلاحها الطاهر.

وفي هذا الوقت، الذي أجمعت فيه كافة الفصائل على التهدئة، وأقرت الحكومة في برنامجها بنداً يلتزم بتثبيت وتوسيع التهدئة، لا بد من للجميع من الالتزام بهذا الموقف ما دام يحقق المصلحة الوطنية. وإذا لم تلتزم إسرائيل بوقف عدوانها، وواصلت مخططاتها الرامية لتعميق الاحتلال، فلا بد من تدارس مسألة التهدئة لجهة استمرارها أو التخلي عنها بصورة وطنية جماعية. إن حجم التحديات والتعقيدات التي تواجه القضية الفلسطينية تفرض الشروع في حوار وطني عميق لا يستهدف هذه المرة تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب، ولا تفعيل م. ت. ف، أو إنهاء الاقتتال، وإنما يهدف لبلورة استراتيجية فلسطينية تأخذ المستجدات في المنطقة والعالم بالحسبان، وتستند إلى مراجعة الماضي والتجارب المختلفة لاستخلاص العبر والدروس، بحيث يتم تحديد الأهداف والمراحل والتحالفات وأدوات العمل وأشكال النضال والخطط الكفيلة بتحقيق الحرية والعودة والاستقلال. فلا يمكن الاستمرار بسياسة الدعوة للمفاوضات دون مفاوضات، وسياسة الدعوة للمقاومة دون مقاومة، بل يجب الإجابة على سؤال: كيف يمكن تحقيق الأهداف الوطنية بأسرع وقت وأقل التضحيات.

المواطن يستطيع أن يفهم عجز السلطة والفصائل عن انهاء الاحتلال وازالة الاستيطان والجدار فوراً أو خلال وقت سريع، لكنه لا يستطيع أن يفهم أو يبرر ولن يرحم للسلطة عجزها عن توظيف إرادتها وأجهزة الأمن التي لديها وكل امكانياتها لمحاربة حالة الفوضى والفلتان الأمني، ومعاقبة الزعران والمجرمين وكل من يدعمهم أو يوفر الغطاء لهم

 

مشاركة: