الرئيسية » هاني المصري »   14 تموز 2007

| | |
مبادرات... مبادرات... ولا تقدم!
هاني المصري

 

تكاثرت المبادرات الرامية لاستعادة اللُّحمَة بين جناحي الوطن، بين سلطة "حماس" في غزة والسلطة الشرعية في الضفة.. فقد قام البرلمان العربي بمبادرة بدأت مرحلتها الأولى في جولة استكشافية للتعرف على مواقف الأطراف المختلفة، وتوقفت لتقييم هذه المواقف، التي ظهر أن الهوّة بينها شاسعة جداً، بين الاعتذار المنفرد والاعتذار المشترك، الى ضرورة الاعتراف بحكومة إنفاذ الطوارئ، أو المطالبة بحلّها.

وتم طرح مبادرة من رجال الأعمال، ومبادرة أخرى من الجبهة الشعبية و"المبادرة"، وثالثة من الجبهة الديمقراطية، ورابعة من حزب الشعب.

كافة المبادرات الفلسطينية تلتقي في إدانة الحسم العسكري (الذي يسميه بعضها انقلاباً ولا تفعل ذلك المبادرات الأخرى) وفي ضرورة التراجع عن نتائجه.

 

ولكن المبادرات تختلف حول الاعتراف بقانونية حكومة انفاذ الطوارئ، حيث لا تعترف مبادرة الشعبية و"المبادرة" بهذه الحكومة، بينما تتجنب المبادرات الأخرى هذه النقطة.. فمبادرة الجبهة الديمقراطية تدعو الى تشكيل حكومة انتقالية تترأسها شخصية محل إجماع، ومكوّنة من شخصيات وطنية مستقلة.. أما مبادرة حزب الشعب، فتدعو الى تشكيل حكومة مؤقتة من الكفاءات الوطنية المستقلة.. والمبادرتان تتفقان على أن مهمة الحكومة الجديدة التحضير لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال فترة زمنية محددة، وعلى أساس التمثيل النسبي الكامل.

أما مبادرة الجبهة الشعبية و"المبادرة"، فتدعو الى العودة الى وثيقة الوفاق الوطني، والى تشكيل قيادة وطنية، دون توضيح مرجعيتها وقانونيتها ومهماتها، وما علاقتها بالمنظمة والسلطة، وما هو مصير السلطة والمجلس التشريعي بعد تشكيلها.. فهذه المبادرة تقفز عن حقيقة أساسية هي، أنه يوجد خلاف جوهري، أيضاً، على مرجعية المنظمة، وبالتالي مَن يشكل هذه القيادة.. وإذا تم تشكيلها بالتوافق بعيداً عن المنظمة، فهذا يدق مسماراً جديداً في نعش م.ت.ف، التي لا تزال رغم شللها، القيادة والمرجعية والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.. والحفاظ على الشرعية ووحدانية تمثيل المنظمة أمر ضروري لاستعادة اللحمة، حتى لا نعود الى نقطة الصفر.

إن كافة المبادرات تتجاهل الجذر الأساسي للصراع والخلاف، وهو تراجع المشروع الوطني الى آخر سلّم الأولويات عن الفصائل والأحزاب، بحيث طغى الصراع على السلطة والمناصب والوزارات والسفارات والأجهزة الأمنية على كل شيء آخر.

كما تتجاهل كافة المبادرات، ان الشرعية الفلسطينية ليست أساساً تعتمد على شرعية صناديق الاقتراع.. وإنما الشرعية الفلسطينية تستمد وجودها وقوتها من البرنامج السياسي القادر على إنهاء الاحتلال، والذي يضع مقاومة الاحتلال في الصدارة.. فالمقاومة توحّد، والسلطة تفرّق.. قبل الانتخابات التشريعية الأولى وبعد الانتخابات التشريعية الثانية، كانت هناك شرعية أقوى من شرعية صندوق الاقتراع، وهي الشرعية التي قامت على أساسها المنظمة، وهي شرعية المقاومة، وتبنّي مصالح وأهداف وحقوق الشعب، والحصول على تأييد شعبي عارم على أساس خوض النضال ضد الاحتلال.. فأكذوبة الشرعية التي تعتمد أساساً أو فقط، على صناديق الاقتراع، تظهر من خلال أن الانتخابات الفلسطينية لا يمكن أن تعقد دون ضوء أخضر أميركي وموافقة إسرائيلية.. وان الاحتلال يمارس كل أشكال التدخل للتأثير على الانتخابات.. من تشديد الحصار على الشعب ومنع المرشحين من حرية الحركة الضرورية للدعاية للانتخابات، الى اعتقال مرشحين أو أشخاص لمنع ترشحهم.. الى اعتقال حوالي ثلث أعضاء المجلس التشريعي، الأمر الذي يعتبر العامل الأول والأكبر الذي عطّل المجلس التشريعي.. إن اعتقال 45 نائباً (40 منهم من كتلة التغيير والإصلاح)، يخلّ بالتوازنات داخل المجلس.. والاستفادة من هذا الاعتقال لتمرير قوانين لا ترضى عنها "حماس" يعتبر عملاً لا وطنياً ولا أخلاقياً..

ولهذا السبب، أعطت كافة الكتل، في البداية، شبكة أمان لـ"حماس" وحكومتها.. ويجب أن يتم تذكر هذا الموقف والعمل على أساسه، بحيث لا تعقد جلسة للمجلس التشريعي دون توافق على ما سيطرح فيها.. قد يقول قائل إن هذا يضرب بالديمقراطية ويمسّ بدور المجلس التشريعي.. وهذا صحيح، ولكنه يتناسب مع الخصوصية الفلسطينية التي تبنى فيها الديمقراطية تحت الاحتلال.. ولا ديمقراطية حقيقية تحت الاحتلال.

خصوصية الشرعية الفلسطينية

الشرعية لها عدة مصادر، والشرعية الفلسطينية لها مصادر إضافية... فإضافة إلى الشرعية النابعة من رضى وقبول الشعب، هناك الدستورية والقانونية (الشرعية الانتخابية)، وهناك شرعية دينية وشرعية المقاومة، وشرعية الواقعية وهي أقوى الشرعيات جميعاً.

الشرعية الانتخابية أضعف الشرعيات، لأن الانتخابات التشريعية الثانية عقدت بسبب وجود قناعة بأنها كانت ضرورة لتدعيم القيادة الفلسطينية بعد ياسر عرفات، والتي أريد لها أن تكون جديدة ومختلفة عن سابقتها، بحيث ترضى بما رفضه عرفات، وعندما لم يتحقق ذلك اعتبرت قيادة أبو مازن ضعيفة وليست شريكة في صنع السلام!!

والانتخابات التشريعية الثانية عُقدت، رغم تردد فتحاوي كبير، ورغم تردد من الرئيس، تحت ضغط أميركي، لأن إدارة بوش تصورت أن دخول "حماس" في النظام الفلسطيني سيساعد كثيراً على ترويضها واحتوائها.

وبالفعل، خطت "حماس" خطوات كبيرة على طريق الترويض، بدليل كل المواقف الجديدة التي عبّرت عنها، وأبرزها وثيقة أحمد يوسف، ولكن المطلوب منها أكثر بكثير مما أعطت.. مطلوب منها أن "تشلح" كل ملابسها، وتلقي بكل أوراقها وأسلحتها، وأن تعترف بإسرائيل وبحقها في الوجود، ونبذ العنف وبالاتفاقات السابقة، بصيغة واضحة لا تقبل اللبس.

إنّ المخرج يكمن بإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، وجعله الناظم والمحرّك لكل مكوّنات النظام السياسي الفلسطيني. فالمسألة ليست إعادة مقرات، ولا إعادة الوضع الى ما كان.. فالوضع السابق هو الذي أوصلنا الى ما نحن فيه.. وإذا لم يتم ذلك، سيتعمق الانقسام وستتدهور القضية الفلسطينية أكثر وأكثر، وتتراجع عشرات السنوات الى الوراء.. وإذا حدثت المصالحة على أساس إعادة انتاج الحوارات والاتفاقات السابقة فقط، وهذا مستبعد الآن على الأقل، فستكون مجرد صلح عشائري جديد، وهدنة جديدة.. نحن بحاجة الى رؤية استراتيجية جديدة تحدد الأهداف والمراحل والتحالفات وأشكال النضال وأسس النظام الديمقراطي وموقع السلطة في النظام السياسي، وكيفية تفعيل المنظمة.. دون ذلك، لن تنفع الانتخابات، ولن ينفع خيار غزة أولاً، ولا الضفة أولاً، ولن يكون بالإمكان الحسم العسكري ولا السياسي من جانب واحد، ولا الاستقواء بالخارج، ولا بالاحتلال طبعاً..

فلنشرع بحوار استراتيجي عميق وجريء، يهدف الى تجاوز التجارب والاتفاقات السابقة. فالوطنية وحدها لم تنجح، مثلما لم تنجح القومية وحدها، قبلها. و"الاسلام السياسي" وحده لن ينجح.. نحن بحاجة الى الوطنية والقومية و"الاسلام" والعالمية، حتى نُحدِث التغيير والتوازن الكفيل بحل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً أو متوازناً.. والى أن تتحقق هذه المعادلة نحن نسير الى المجهول المعلوم!!

 

مشاركة: