الرئيسية » هاني المصري »   19 آب 2008

| | |
ماذا وراء إنهاء القطيعة بين "حماس" والأردن؟
هاني المصري

 

عقد مدير المخابرات الأردنية خلال الشهر الماضي لقاءين مع وفد من حركة حماس، ورغم عدم التوصل الى اتفاق نهائي إلا أن المؤشرات الأولية تدل على أن القطيعة التي ميزت علاقات الأردن مع حركة حماس في طريقها الى الانحسار.

فماذا عدا عما بدا، حتى يغير الأردن سياسته إزاء "حماس"؟

هناك من يقول أن الأردن يستعد للمرحلة القادمة، مرحلة ما بعد ذهاب أولمرت وبوش، واحتمال سحب "حماس" اعترافها بالرئيس أبو مازن بعد التاسع من كانون الثاني، مرحلة استئناف المفاوضات الإسرائيلية - السورية بصورة غير مباشرة، مع تزايد احتمال تحولها الى مفاوضات مباشرة سيكون لديها فرصة للنجاح أكبر من المحاولات السابقة التي انتهت الى الفشل.

 

وهناك من يقول أن المسألة لا تعدو أن تكون لعباً في الوقت الضائع، من هنا حتى تولي الرئيس الأميركي الجديد مهماته الدستورية. وهناك من يقول أن الأردن يستعد لاحتمال عودته للعب دور فلسطيني في ظل وصول المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية الى طريق مسدود، ولأن من أهم أسباب وصولنا الى هذا المصير أن اسرائيل لا تثق بأن السلطة الفلسطينية قادرة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية التي يمكن أن يتضمنها أي اتفاق سلام نهائي، وأن البديل عن السلطة الحالية وهو "حماس" غير مقبولة من اسرائيل وبحاجة الى وقت حتى تكون مقبولة ويتم عقد صفقة بينهما.

وهناك من يمضي أكثر من ذلك، الى حد الزعم أن الأردن باستئناف علاقاته مع "حماس"، التي تمت بمبادرة منه، وبوساطة الإخوان المسلمين في الأردن، يراهن على نقطة أن الإخوان المسلمين و"حماس" لم يوافقوا حتى الآن على قرار فك الارتباط، وهذا يضع جسراً للتلاقي بينهما وبين الأردن إذا ما قرر إحياء الدور الفلسطيني القديم للأردن.

فإذا كانت السلطة الفلسطينية ضعيفة وعاجزة بسبب اسرائيل أولاً وأساساً والانقسام الفلسطيني ثانياً، و"حماس" هي القوة الصاعدة فلسطينياً فلماذا لا يتم إقامة علاقات معها للتأثير عليها بعد أن فشلت سياسة عزلها ومقاطعتها وإسقاطها. ولكنها نجحت في شيء واحد هو جعل "حماس" برغماتية، وبالتالي يمكن العمل لتحويلها أكثر براغمتية عن طريق العلاقة معها وتقديم الإغراءات لها بحيث تكون الجزرة الى جانب العصا وليس العصا لوحدها. ويشجع الأردن على ذلك أنه استطاع أن يحجم الإخوان المسلمين في الأردن وبدء صفحة جديدة معهم تبشر بإمكانية عودة العلاقات القديمة الحميمة التي ميزت علاقات الراحل الملك حسين مع الإخوان المسلمين طوال مرحلة الخمسينات والستينات والسبعينات.

يضاف الى ما سبق، أن هناك أوساطا أردنية سياسية وإعلامية من داخل النظام وأنصاره إضافة الى الإخوان المسلمين، انتقدت منذ البداية القطيعة التي ميزت علاقات الأردن مع "حماس" خلال العقد الماضي، وحرمته من إمكانية التأثير في الوضع الفلسطيني لأن الانحياز الكامل لطرف ومنافسته في الموقف المتطرف من "حماس" حرم الأردن من إمكانية لعب دور الوسيط في العلاقات الفلسطينية - الفلسطينية، وفي علاقات "حماس" مع اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.

وفي هذا السياق، تقدم مصر كنموذج قابل للاحتذاء فهي احتفظت بعلاقات مع "حماس" والسلطة، وإن لم تكن على نفس المسافة بينهما. وهذا مكنها من الاستمرار بلعب دور الوسيط في أكثر من ملف، مثل ملفات الحصار والحدود والمعابر، وصفقة تبادل الأسرى، والتهدئة.

فالأردن بإنهاء القطيعة مع "حماس" يستعد للمرحلة القادمة التي ستبدأ عاجلا أو آجلا، وسيتم البحث فيها بالتسوية الفلسطينية - الإسرائيلية ويجب أن يكون الأردن حاضرا فيها بعلاقات حسنة مع كل الأطراف. فلا يعقل أن يستمر الأردن بقطيعة مع "حماس" حتى بعد أن اعترفت فيها اسرائيل بدور "حماس" في غزة من خلال عقد تهدئة معها بوساطة مصرية.

وهل نحن على عتبة إحياء الدور الأردني القديم؟

وتخطئ "حماس" كثيراً إن بالغت في استنتاج دلالات إنهاء القطيعة مع الأردن، فالأردن لم يغير موقفه وموقعه في العلاقات الإقليمية والدولية، وملتزم بمعاهدة سلام مع اسرائيل، ويرتبط مع السلطة بعلاقات استراتيجية لأنهما في معسكر واحد (معسكر الاعتدال) ولكنه اختار أن يحاول ترويض "حماس" من خلال العلاقة معها، بعد أن فرضت نفسها كلاعب فلسطيني لا يمكن تجاوزه.

أما أن يعود الأردن للعب دوره السابق، فهذا مستبعد تماما إذا لم يكن مستحيلا، وذلك للأسباب التالية:

أولا: لأن الأردن يرى في إقامة دولة فلسطينية مصلحة أردنية ، لأنها ستكون حائلا بين الأطماع والمخططات الإسرائيلية خصوصا التي ترى الأردن وطنا للفلسطينيين وحلاً مناسباً لقضيتهم ومكاناً لإقامة دولتهم.

ثانياً: لأن الأردن لا يريد إثارة حساسية العلاقات الفلسطينية - الأردنية التي أدت الى عداء وحروب في السابق، ولها تداعياتها داخل الأردن أيضا بين الأردنيين من أصل فلسطيني وبين الأردنيين.

وثالثا: أن الأردن اتخذ قرار فك الارتباط، لأسباب كثيرة أهمها، إدراكه أن اسرائيل لا تريد أن تعطي الأردن، ولا غيره، الضفة وإنما ستعطيه في أحسن الأحوال دورا في سياق المخطط الإسرائيلي ضمن تقاسم وظيفي أو ما شابه من خطط تبقى اليد الإسرائيلية هي العليا وتمنع أي تداخل عربي حقيقي مع القضية الفلسطينية أو مع الفلسطينيين، وهذا يعني أن المطروح عليه في هذه الحالة المشاركة في تصفية القضية الفلسطينية. وهو مش ملهوف على تحمل مثل هذه المسؤولية التاريخية.

هناك من يقول أن الأردن لا يريد حقاً، ولكنه يمكن أن يتعرض لضغط أمريكي - اسرائيلي لكي يلعب دورا فلسطينيا خصوصا في حالة عدم قدرة السلطة على الوفاء بالمطلوب منها. هذا صحيح، ولكن على أساس أن ما سبق مجرد سيناريو من ضمن عدة سيناريوهات وليس هو المفضل من بينها. فالسيناريو المفضل لأمريكا وإسرائيل أن يقوم الفلسطينيون، أصحاب القضية، بالاتفاق على حلها (بتصفيتها) لأن هذا يمكن أن ينهي الصراع، أما أن يقوم مصر أو الأردن أو كليهما بالنيابة عن الفلسطينيين فهذا لا ينهي شيئاً بل يمكن أن يفجر كل شيء مجدداً. فإسرائيل أصبحت تريد الفصل مع الفلسطينيين حتى تحافظ على نفسها كدولة يهودية، وأصبحت توافق - بعد أن أقر العالم كله حق الفلسطينيين بإقامة دولة- من حيث المبدأ على قيام دولة فلسطينية، ولكنها تريد لهذه الدولة أن تقوم على جزء من الضفة، على الكانتونات المنعزلة عن بعضها البعض، وأن تكون بلا مقومات حقيقية، خصوصا بلا سيادة، أي أن تكون دولة بالاسم فقط. لذا المطلوب من الأردن المساعدة في إنجاح المخطط الإسرائيلي الذي يريد الحفاظ على الخيار الفلسطيني ولكن بشروط تؤمن مصالح وأهداف وأولويات اسرائيل.

هذا ويذكر أن العاهل الأردني طمأن الرئيس أبو مازن في لقائهما الأخير، بأن الأردن ليس بوارد العودة للعب دوره الفلسطيني السابق، وانه يريد إقامة دولة فلسطينية لأن إقامتها مصلحة أردنية، كما يريد نسج علاقات كونفدرالية معها بعد 10 سنوات على قيامها وليس فوراً حتى يطمئن الفلسطينيون على عدم وجود أطماع أردنية.

صحيح أن هناك أوساطاً أردنية وفلسطينية تسعى وتحلم بعودة الأردن الى الضفة، لكي تقطع الطريق على سيطرة "حماس" عليها وبعد أن فشلت السلطة بتحريرها، ولكن هذه أضغاث أحلام سياسة الأردن بعيدة عنها تماما!! كما أن المطروح فعلا هو، استعداد اسرائيل في أحسن الأحوال للتخلي عن البقايا، ويفضل أن يأخذها الفلسطينيون حتى تدعي اسرائيل أن القضية الفلسطينية وجدت حلا بموافقة أصحابها. وإذا لم يحدث ذلك واستمر الفلسطينيون برفض المطروح عليهم، عندها سيتم التفكير جديا بالسيناريوهات الأخرى، بما فيها إدامة الأمر الواقع الحالي، وإحياء الدور الأردني والمصري، والعودة للخطوات الإسرائيلية أحادية الجانب، وتشجيع دور دولي مستجيب لإسرائيل، والتهجير السياسة الإسرائيلية القديمة الجديدة، والمفضلة دوما. فهناك سيناريوهات كثيرة في جعبة اسرائيل، وكلها أسوأ من بعضها!!

 

 

مشاركة: