الرئيسية » هاني المصري »   25 تشرين الأول 2008

| | |
ماذا وراء العودة الإسرائيلية المفاجئة لمبادرة السلام العربية؟
هاني المصري

فجأة وبدون مقدمات دعا شمعون بيريس رئيس إسرائيل إلى اعتماد مبادرة السلام العربية، والبحث عن التوصل إلى سلام إقليمي مع العرب لان السلام الفلسطيني-الإسرائيلي، أو السوري-الإسرائيلي، لا يفيد أو يفيد إسرائيل قليلاً ويجعلها تدفع ثمناً باهظاً، بينما السلام العربي-الإسرائيلي فمن شأنه أن يحقق مكاسب كبيرة لإسرائيل. وفي الوقت نفسه، دعا ايهود باراك وزير الجيش الإسرائيلي إلى التعامل مع مبادرة السلام العربية، وعزا ذلك إلى التباطؤ في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، والإسرائيلية-السورية. وقال باراك أنه بحث هذه المسألة مع تسيبي ليفني بدون أن يوضح رأيها في هذا الشأن. وذكرت الأنباء أن الموضوع الرئيسي الذي بحثه شمعون بيريس مع الرئيس المصري حسني مبارك في لقائهما الأخير في شرم الشيخ يتعلق بالسلام الإقليمي. فماذا عدا عما بدا، حتى تتذكر إسرائيل مبادرة السلام العربية وهي التي تجاهلتها تماماً وكلياً، خلال الست سنوات الماضية.

 

فقد تبنت القمة العربية التي عقدت في بيروت في آذار عام 2002 مبادرة السلام العربية، التي طرحت على إسرائيل سلاما كاملاً مع العرب مجتمعين مقابل انسحاب كامل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، والتوسل إلى حل عادل متفق عليه لقضية اللاجئين وفقا لقرار 194، ولكن إسرائيل ردت فورا على مبادرة السلام العربية بشن عدوان شامل على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقامت القوات الإسرائيلية بإعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية ومحاصرة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وقامت الحكومة الإسرائيلية بالترحيب بالاستعداد الجماعي العربي للاعتراف بإسرائيل وإنهاء الصراع معها وإقامة علاقات طبيعية، ولم تعلن موافقتها على الجزء الثاني من المبادرة وهو الاستعداد للانسحاب الكامل والتوصل لحل عادل متفق عليه لقضية اللاجئين.

ورغم تأكيد العرب في القمم العربية المتلاحقة على قمة بيروت بما فيها القمة الأخيرة التي عقدت في دمشق على مبادرة السلام العربية إلا أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تغير الموقف الإسرائيلي الذي تعامل مع المبادرة العربية على شاكلة "إذن من طين والأذن الأخرى من عجين".

أن مفتاح تفسير التغير في الموقف الإسرائيلي يكمن في رؤية التطورات والعوامل التالية:

اولاً: أن إسرائيل تستعد لمرحلة خسارة المحافظين الجدد لسدة الحكم في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تشير التوقعات والاستطلاعات إلى ارجحية خسارة مرشح الحزب الجمهوري ماكين للانتخابات على خلفية الهزائم المتلاحقة التي لحقت بالسياسة والمصالح الأميركية على امتداد العالم كله، والتي وصلت أخيرا إلى حد اندلاع الأزمة الاقتصادية الأميركية والعالمية التي توضح أن عصر السيطرة الكلية الأميركية الأحادية على العالم قد ولى، وأن عهداً من تعددية القطبية قد بدأ يشد الرحال للسيطرة على العالم.

وإذا عرفنا أن إدارة بوش كانت أكثر الإدارات الأميركية التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ قيام إسرائيل دعما لها، لدرجة أن بوش في عهد سيطرة المحافظين الجدد نافس اليمين الإسرائيلي في مواقعه الداعمة للسياسة المتطرفة الإسرائيلية التوسعية والعنصرية والاستيطانية.

ثانياً: أن إسرائيل تريد أن تستعد للمرحلة الجديدة، والتي ليس من المرجح فيها خصوصاً إذا فاز باراك اوباما بالانتخابات الرئاسية الأميركية، مواجهة تصاعد الدور الإيراني في المنطقة، واقتراب إيران من الحصول على القنبلة النووية، لمواجهة الملف الإيراني من خلال بلورة تحالف عربي-إسرائيلي في مواجهة إيران. ولعل دعوة وزير الخارجية البحريني الأخيرة لإقامة محور إقليمي عربي-إسرائيلي تصب في هذا الإطار. وإسرائيل تعرف أنها لا تستطيع أن تقيم مثل هذا الحلف بدون أن تدفع ثمنا يشكل الغطاء للعرب الرسميين لتبرير تحالفهم مع إسرائيل ضد إيران.

ثالثاً: أن المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية عالقة، ووصلت إلى طريق مسدود رغم مكابرة الطرفين، وادعائهما بان تقدما كبيراً قد تحقق، ولقد أدركت إسرائيل بان الفلسطينيين لا يمكن في مرحلة قيادة الرئيس أبو مازن (وأضيف في أي مرحلة لاحقة) أن يوافقوا على العرض الإسرائيلي "للسلام" الذي يسقط قضية اللاجئين كليا، وعلى قضية القدس عن طريق اقتسامها، وتحتفظ إسرائيل من خلاله بسيطرة مباشرة (ضم لأجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلة تشمل المستوطنات وحدود جدار الفصل العنصري والمناطق الأمنية والعسكرية والحيوية لإسرائيل) وبسيطرة غير مباشرة عن طريق استئجار ارض لمدة طويلة جدا (مثل الأفكار المطروحة لغور الأردن الذي تطرح إسرائيل استئجار مساحات واسعة منه لمدة 99 عاماً، ينص على أن في نهايتها لا يستطيع الفلسطينيون وحدهم إنهاء عقد الاستئجار، وإنما هم بحاجة إلى موافقة إسرائيل على ذلك.

تأسيساً على ما تقدم، فإن إسرائيل من خلال إحيائها مبادرة السلام العربية، بدون تبنيها تحاول أن تضرب عدة عصافير بحجر واحد. تحاول التحالف مع العرب ضد إيران، كما تحاول امتصاص الآثار السلبية لتراجع دور الولايات المتحدة الأميركية الحليف الاستراتيجي لإسرائيل في المنطقة والعالم، وقطع الطريق على تطورات حدثت وأخرى متوقعة الحدوث في المنطقة والعالم، بصورة لا تناسب إسرائيل ومخططاتها لعب الدور المركزي في المنطقة. كما تحاول إسرائيل استخدام العرب للضغط على الفلسطينيين وإقناعهم بقبول ما يرفضونه من عروض إسرائيلية على أمل أن العرب يمكن أن يوفروا الحماية والدعم والغطاء للفلسطينيين، وإذا لم يوافق الفلسطينيون رغم ذلك على العروض الإسرائيلية، تفتح محاولات إسرائيل للتوصل إلى سلام إقليمي الأبواب أمام عودة الأدوار والبدائل العربية على حساب الدور (والخيار) الفلسطيني. أن إسرائيل تخطئ مرة أخرى إذ تتصور أن العرب (الرسميين) رغم خوفهم على كراسيهم ومصالحهم إزاء تصاعد الدور الإسرائيلي، سيكونون قادرين على الضغط على الفلسطينيين لقبول حل لا يحرر الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس، ولا يحل مشكلة اللاجئين حلا عادلا. فالعرب تخلوا إلى حد كبير عن القضية الفلسطينية عندما وضعوا مسألة حلها بيد أصحابها الفلسطينيين على أساس أن أهل مكة أدرى بشعابها"، وان العرب يقبلون بما يقبله الفلسطينيون.

وبالتالي، لا يستطيع العرب أن يرغموا أشقاءهم الفلسطينيين على قبول ما يرفضونه، في مرحلة جديدة، وفي عالم يتغير، فما استطاع الفلسطينيون أن يرفضوه في عالم تسيطر عليه الولايات المتحدة الأميركية سيطرة انفرادية مطلقة، يستطيع أن يرفضه الفلسطينيون والعرب في مرحلة جديدة، وفي عالم تسيطر عليه عدة أقطاب ويتزايد فيه دور الأطراف المحلية والإقليمية على حساب ادوار القوى العظمى.

فهل تدرك إسرائيل هذه الحقيقة و تقبل مبادرة السلام العربية بشقيها الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة ووقف سياسة الغطرسة والعدوان؟!

 

مشاركة: