الرئيسية » هاني المصري »   14 تشرين الأول 2006

| | |
ماذا لو قامت حكومة وحدة على أساس وثيقة الأسرى؟
هاني المصري

 

لو افترضنا جدلاً ان الرئيس وفتح والفصائل الأخرى وافقت على تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس الموافقة على ما تطرحه حماس وفي هذه الحالة سيكون برنامج الحكومة يستند على وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى) إضافة الى المحددات السياسية مع المستدركات التي أضافتها حماس. وإذا تم بالفعل تشكيل الحكومة برئاسة هنية وعلى أساس مشاركة الكتل الممثلة في المجلس التشريعي بقدر حجمها إضافة الى عدد من الكفاءات الوطنية المستقلة. فما الذي يمكن أن يحصل؟ أعتقد ان تشكيل هذه الحكومة سيكون محل ارتياح فلسطيني عارم ولكنه سيسبب غضباً اميركياً وإسرائيلياً شديداً. وهذا سيعطي حكومة اولمرت الضوء الأخضر لتنفيذ مخططاتها لاجتياح قطاع غزة من اجل انهاء ملف جلعاد شاليت الجندي الاسرائيلي الاسير إما بتحريره او بقتله، ولضرب البنية التحتية للمقاومة والقضاء على قدرتها خصوصاً بعد وصول كميات من الأسلحة لها، ولكسر ارادتها ومنعها من استنساخ او حتى الاستعانة بتجربة حزب الله في لبنان الذي لقن اسرائيل درساً في الحرب الأخيرة سبب لها صدمة لم تستيقظ منها حتى الآن. تأسيساً على ما سبق ستلقي الادارة الاميركية واسرائيل بكل ثقلهما رداً على تشكيل مثل هذه الحكومة من اجل استمرار وتشديد الحصار المالي والعزلة الدولية، وستفرض المقاطعة على الرئيس وحركة فتح الى حد اعتباره ليس ذا صلة لأنه احتضن تنظيماً ارهابياً، ولن تتخذ اوروبا وروسيا والصين واليابان موقفاً مغايراً جوهرياً للموقف الاميركي، بل سيتم تحميل الموقف الفلسطيني المسؤولية عما جرى ويجري للفلسطينيين. أما النظام العربي فهو سيحرج كثيراً، ولكنه في معظمه لن يرضى عن الخطط الفلسطينية وسيعتبرها مغامرة غير محسوبة.

 او في أحسن الاحوال سيقبل بها ويباركها علناً، على أساس ان اهل مكة أدرى بشعابها، ويحاربها ويحاول اجهاضها سراً. الجماهير العربية سترحب بالخطوة ولكنها ستكون مغلوبة على امرها، وتكتفي بالبيانات والمظاهرات وإرسال ما تيسر من دعم إذا استطاعت ايصاله للفلسطينيين. لا أعتقد أن غزة بعد حكومة الوحدة الوطنية ستتحول الى جنوب لبنان لأنها تفتقر للعمق البشري والجغرافي والاستراتيجي، بل ستتعرض لحصار أشد وتتحول الى سجن اسوأ مما هي عليه الآن، وسيزيد الفقر والجهل والاحباط والتفكير بالهجرة والهجرة نفسها ستزيد بمعدلات كبيرة. ولا اعتقد ان الضفة ستكون قادرة على الصمود والمقاومة لأن مقومات الصمود مفقودة فلا رواتب ولا عمل في اسرائيل والاعمال الحرة متوقفة او شبه متوقفة وكذلك التصدير والمصانع ستكون شبه مشلولة. بالتأكيد فإن حكومة الوحدة الوطنية تنهي الاضرابات والاحتقان الداخلي والتحريض المتبادل وستحد من حالة الفوضى والفلتان الامني ولكن لفترة مؤقتة وأن يكون الفلسطينيون موحدين وعلى حق لا يكفي بل يجب ان يتبعوا البرنامج القادر على كسب اكبر عدد ممكن من الاصدقاء، وتقليل الاعداء الى ادنى حد ممكن. برنامجاً قادراً على تلبية الحاجات والخدمات الاساسية للمواطنين من لقمة العيش الى العمل الى الصحة والتعليم، والامن والامان والحقوق الاساسية للمواطن. برنامجاً قادراً على حماية القضية وتقليل الاخطار التي تتعرض لها ووقف الاستيطان والجدار وعمليات مصادرة وابتلاع الارض والتنمية الاقتصادية والمساواة بين المواطنين بما فيها الدفاع عن حق المرأة بالعمل والتعبير عن نفسها والمشاركة جنباً الى جنب مع الرجل. وحماس محقة عندما تقول انها وافقت على وثيقة الاسرى، وعندما فعلت طرح في وجهها مطالب جديدة وهي اقرار برنامج مقبول دولياً بما في ذلك اقرار الشروط الدولية الثلاثة، دون تقديم شيء لها او للفلسطينيين بالمقابل سوى السماح لها في المشاركة في اطار حكومة وحدة وطنية. وهي تخشى اذا وافقت على المطالب الجديدة ان يطرح في وجهها مطالب جديدة حيث نعود للدوامة التي دخلت بها القيادة الفلسطينية، عند توقيع اتفاق اوسلو حيث اعترفت بإسرائيل مقابل الاعتراف بالمنظمة وقيام سلطة مقيدة ومحدودة الصلاحيات، ونبذت العنف ووقعت الاتفاقات دون ان تتقدم القضية الفلسطينية، بل وصلت الى ما نحن به، وهو يجعلنا نقف في نقطة ابعد ما تكون عن تحقيق الحقوق الفلسطينية وعلى رأسها قيام الدولة الفلسطينية وأبعد ما كنا نقف قبل توقيع اتفاق اوسلو. لكن حماس تنسى أن وثيقة الأسرى، تضمنت بنداً هو البند الرابع ينص على ضرورة بلورة خطة سياسية للتحرك السياسي تستند على ما تم الاتفاق عليه وطنياً، وتمكننا من التقدم على طريق تحقيق الاهداف الوطنية فلا يمكن الاكتفاء بتسجيل المواقف للتاريخ، بل لا بد من تعلم كيفية صناعة التاريخ. ومعرفة ان لوم اسرائيل على ما نحن فيه لا يغير شيئاً من الحقائق التي نعرفها جميعاً، فواجب القيادة من الرئيس الى الحكومة وضع الخطط الكفيلة بتحقيق الاهداف ومنع الاعداء من تحقيق اهدافهم. عندما تكتفي حماس في الموافقة على الشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية دون التسلح ببرنامج محدد وملموس قادر على الاستفادة مما تتيحه هذه الشرعيات من حقوق ومزايا للفلسطينيين تقدم الذرائع المناسبة لاسرائيل لتبرير سياستها امام الرأي العام الاسرائيلي وأمام العالم كله، وهذا يعطيها حرية وقوة اكبر لممارسة سياستها الرامية لفرض الحقائق على الارض التي تجعل الحل الاسرائيلي هو الحل الوحيد الواقعي، سواء إذا تم استئناف المفاوضات او عبر محاولات فرضه بالقوة وبالخطوات أحادية الجانب. من الظلم والاجحاف مطالبة حماس او مطالبة أية حكومة فلسطينية قادمة بإقرار الشروط الدولية الثلاثة كما هي، لأن هذه السياسة جربت وفشلت، والذي يجرب المجرب عقله مخرب. ولكن هناك طريقاً ثالثاً، لا يقبل الشروط الدولية الثلاثة ولا يرفضها تماماً، وإنما يتعامل معها بصيغة فلسطينية. فالاعتراف المجاني بحق اسرائيل بالوجود مرفوض ولكن لا يطرح في مواجهته لهزيمته الاستعداد لاقامة دولة فلسطينية مقابل هدنة لمدة 10 او 20 او 50 عاماً. فمثل هذا الطرح لا يأخذه احد على محمل الجد. فمن يريد ان يأخذ دولة بالمفاوضات والتحرك السياسي عليه ان يدفع الثمن. الذي يكتفي بعرض الهدنة مقابل الدولة، هو الطرف القوي المتفوق الذي يمر بمرحلة هجوم استراتيجي على اسرائيل، فما الذي سيقنع اسرائيل بقبول طرح حماس الذي يقول لها ضمناً، بل وصراحة نحن الآن نكتفي بهدنة، وعندما تتغير الظروف وسنصبح اقوياء فلن يكتفي لا بإزالتك عن الخارطة، مثل هذا الطرح يناسب الطرف القادر على تحقيقه بالقوة. اما الطرف المأزوم والمحاصر الذي يفتقد لهانوي عربية وبعمق عربي وإقليمي ودولي مناسب والذي يطالب النظام الرسمي العربي مساعدته على قيام دولة فلسطينية خلال اربع سنوات كما صرح مشعل مؤخراً، فيناسبه طرح يقوم على الاستعداد لاعتراف متبادل، بحيث يعترف الفلسطينيون باسرائيل بمن فيهم حماس عندما تستعد اسرائيل للاعتراف بدولة لهم على الاراضي المحتلة العام 1967 بما فيها القدس. يمكن ان يقول قائل، مثلما قال خالد مشعل، بأن مسألة الاعتراف المتبادل، او مبادرة السلام العربية غير مطروحة على الطاولة، ولا تقبل بها اسرائيل فلماذا تسبب مشكلة بين العرب يرد عليه ان الاعتراف المتبادل هو الخطة السياسية التي يلتقي فيها البرنامج الفلسطيني مع البرنامج العربي حتى يكون قادراً على توظيف العرب بشكل افضل لصالحه، وهذا الامر بدوره يجعل الفلسطينيين والعرب اقدر على جذب تأييد العالم كله لصالحهم، وهذا ممكن باستثناء اسرائىل والولايات المتحدة. وأفضل للفلسطينيين مليون مرة ان يقاوموا اسرائيل ومعهم العالم كله باستثناء اميركا، من ان يقاوموا وضدهم أو على الحياد العالم كله. لا قيمة لحكومة وحدة وطنية غير قادرة على العمل، على الاقلاع وعلى كسر الحصار المالي والعزلة الدولية او على الاقل احداث اختراق جوهري في جداره، وهذا لا يمكن الا من خلال برنامج يبدي الاستعداد للاعتراف باسرائيل مقابل اعترافها بالحقوق الفلسطينية بصورة واضحة ويستعد للتهدئة مقابل وقف العدوان العسكري واطلاق عملية سلام حقيقية قادرة على انهاء الاحتلال ومع الاحتفاظ بحق الفلسطينيين بالمقاومة وعدم الموافقة على الربط بين المقاومة المشروعة للاحتلال، وبين الارهاب. اما مسألة الاتفاقات الموقعة بين اسرائيل والمنظمة فالصيغة التي اتفق عليها بين فتح وحماس والرئيس ورئيس الحكومة ولم يتم التراجع عنها حتى الآن، والتي تتحدث عن احترام هذه الاتفاقات ملائمة وتحقق الغرض. وأخيراً اوجه رسالة الى حماس اعرف انك بحاجة الى وقت حتى تبلوري برنامجاً وطنياً واقعياً قادراً على الاقلاع خصوصا ان الحكم اوتي اليك بوقت لم تستعدي له، ولكن المعضلة التي نواجهها ان ليس لدى الفلسطينيين وقت. فكل يوم يمضي دون اتفاق وطني فلسطيني على حكومة بأي صيغة سواء كانت حكومة وحدة وطنية او حكومة انتقالية تضم كفاءات وطنية مستقلة يزيد التدهور في مكانة القضية الفلسطينية وفي كافة مجالات الحياة الفلسطينية الاقتصادية والصحية والتعليمية والامنية ويقربنا من الانزلاق في هاوية الحرب الاهلية. ان صيغة البرنامج الوطني يمكن ان تستند على وثيقة الاسرى اضافة الى المحددات السياسية دون المستدركات التي اضافتها حماس، وهي صيغة وطنية لا يستطيع ان يرفضها العالم . وأية صيغة غامضة لا تفتح الطريق لحكومة وحدة وطنية قادرة على الاقلاع، بل تعبد الطريق لقيام حكومة شلل وطني، وهذه آخر ما يحتاجه الفلسطينيون!

 

 

مشاركة: