الرئيسية » هاني المصري »   31 آب 2010

| | |
ماذا سنخسر من الـمشاركة بالـمفاوضات إن فشلت أو "نجحت"؟
هاني المصري

 

قال الرئيس محمود عباس إن الفلسطينيين لن يخسروا شيئاً إذا فشلت الـمفاوضات، وأضاف ياسر عبد ربه: إنهم سيربحون من ذلك؛ لأن إسرائيل ستتحمّل الـمسؤولية عن الفشل وستتعرض لانتقادات دولية، فالعالـم كله حينها سيكون معنا.

 

إذا كنا لن نخسر شيئاً إذا فشلت الـمفاوضات، فلـماذا رفضنا دخولها طوال عشرين شهراً؟ ولـماذا طالبنا بضرورة وقف الاستيطان والاتفاق على الـمرجعية؟ ولـماذا قمنا بجولات عربية ودولية؟ ولـماذا عرضنا أنفسنا لضغوط شديدة وصفها الرئيس بأنها غير مسبوقة؟ ولـماذا حرمنا أنفسنا من فرصة تحميل إسرائيل الـمسؤولية عن فشل الـمفاوضات، ومن أن يكون العالـم كله معنا وضد إسرائيل؟.

إننا سنخسر كثيراً من الـمفاوضات دون مرجعية ولا ضمانات.

أول ما سنخسره هو ضربة قوية لـمصداقية القيادة الفلسطينية، فهي من رفضت منذ نهاية العام 2008 وحتى شهر آب الجاري الدخول في الـمفاوضات الـمباشرة وأصرت على ضرورة تجميد الاستيطان وتحديد مرجعية للـمفاوضات، ووافقت الآن على الـمشاركة دون تحقيق أي من مطالبها، لدرجة أن ياسر عبد ربه قال في حديث إذاعي صباح يوم الأحد الـماضي: "سيبونا من حكاية الـمرجعية التي وجعتوا راسنا فيها".

ثاني ما نخسره هو أننا بررنا قرار الـمشاركة بالـمفاوضات على أساس بيان اللجنة الرباعية، وهذا هبوط عن الـمرجعية الدولية، وذلك على الرغم من أن إسرائيل لـم توافق عليه، ورسالة الدعوة الأميركية لـم تشر إليه، كما أنه لـم يوجه الدعوة للـمفاوضات وإنما حث على إجراء الـمفاوضات، وهناك فرق جوهري بين توجيه الدعوة للـمفاوضات وبين الحث على إجرائها، والبيان ليس بياناً وإنما تصريح؛ لأن البيان لا يصدر وفقاً للوائح الـمتعامل بها في اللجنة الرباعية، إلا إذا حضر وزراء الخارجية، في حين حضر الاجتماع الأخير للرباعية مندوبو الدول وليس الوزراء. وأخيراً فإن بيان الرباعية يمثل تراجعاً عن الـمرجعية الدولية (القانون الدولي وقرارات الأمم الـمتحدة) لأنه تحدث بدلاً عنها عن الامتناع عن الخطوات الاستفزازية من الطرفين وليس عن وقف الاستيطان، ولـم يحدد حدود الدولة، وإنما أشار إلى إنهاء الاحتلال الذي بدأ العام 1967 وليس عن جميع الأراضي الـمحتلة، وهناك فرق جوهري بين الأمرين، ولـم يشر إلى القدس واللاجئين، وترك كل شيء للتفاوض، وهذا كله ينفي عنه أن يكون مرجعية بآي حال من الأحوال.

ثالث ما نخسره من الـمشاركة بالـمفاوضات أننا نساهم عن قصد أو دونه، بإنقاذ إسرائيل من الوضع الدولي الذي تعيش فيه. فمكانتها الدولية، باعتراف رئيسها بيريس ووزير حربها (باراك) ومندوبتها في الأمم الـمتحدة، وصلت الى أدنى مستوى منذ تأسيس إسرائيل ما يهدد بنزع الشرعية عنها وفرض الـمقاطعة والعقوبات عليها.

رابع ما نخسره أننا ندخل إلى الـمفاوضات عراة ونضع أنفسنا تحت رحمة إسرائيل؛ لأن الـمفاوضات ثنائية مباشرة، ستتم وفقاً للشروط الإسرائيلية، وإسرائيل ترفض الانطلاق من النقطة التي انتهت إليها الـمفاوضات السابقة، أي ستبدأ من نقطة الصفر بالنسبة لإسرائيل، ولكنها تنطلق من السقف الـمنخفض جداً الذي وصل إليه الـمفاوض الفلسطيني بعد سلسلة التنازلات التي قدمها منذ اتفاق أوسلو بعد موافقته على الاعتراف بإسرائيل ووقف الـمقاومة ونبذها والتخلي عن وحدة الشعب والـمصير، وعلى أن حل قضية اللاجئين يجب أن يتفق عليه بين الطرفين، كما جاء في مبادرة السلام العربية، وعلى مبدأ تبادل الأراضي، وضم الكتل الاستيطانية لإسرائيل، ومبدأ ضم الأحياء العربية في القدس للدولة الفلسطينية العتيدة، وضم الأحياء اليهودية لإسرائيل، هذا الـمبدأ الذي يسمح بضم إسرائيل لـمناطق واسعة من القدس أقامت عليها الـمستوطنات هناك.

خامس ما نخسره أن شروط الـمشاركة ستكون هي شروط الحد الأقصى، سنبدأ بعدها بالهبوط. فلا نستطيع الآن أن نبلع قول صائب عريقات وغيره من القيادات الفلسطينية إنه إذا استمر الاستيطان فسينسحب الوفد الفلسطيني من الـمفاوضات، لأن الـموافقة الفلسطينية على الـمشاركة بالـمفاوضات جاءت دون التزام إسرائيل بوقف الاستيطان ولا بأية مرجعية.

إذا تمسك الفلسطينيون بموقفهم الـمطالب بوقف الاستيطان حقاً ستنهار الـمفاوضات قبل أن تبدأ أو يوم 26/9 الـمقبل، وهذا أمر حسن للغاية. ولكن من وافق رغم معرفته باستمرار الاستيطان وزيادته بنسبة كبيرة أثناء فترة التجميد الـمزعومة صعب عليه أن ينسحب بعد أن يصل إلى واشنطن، لأنه هو سيتحمل حينها الـمسؤولية عن الفشل.

سادس ما نخسره من الـمشاركة بالـمفاوضات أن ملف الـمصالحة سيتراجع كثيراً الى الوراء، بسبب أن الـمفاوضات ستنثر بذوراً جديدة للخلاف والانقسام ليس بين الـمنظمة وحماس فقط، وإنما داخل الـمنظمة نفسها أيضاً.

سابع ما نخسره من الـمشاركة بالـمفاوضات الـمباشرة أنها تحيّد العامل العربي والدولي الذي دونه لا يمكن أن نحقق أهدافنا وحقوقنا، فالعرب والعالـم لا يمكن أن يكونوا ملكيين أكثر من الـملك، ولا أكثر حرصاً على القضية من أصحابها. فهم سيقبلون ما قبله الفلسطينيون، وأهل مكة أدرى بشعابها!.

ثامن ما نخسره ازدياد خطر ممارسة الـمزيد من القمع وتحول السلطة إلى نظام بوليسي، وانهيار ما تبقى من الـمنظمة وشرعيتها.

تاسع ما نخسره أن الـمفاوضات ستغطي على الـمخططات العدوانية الإسرائيلية ضد غزة ولبنان وسورية وإيران، وستمكن إسرائيل من إعادة فتح أبواب التطبيع مع البلدان العربية والإسلامية والأجنبية في وقت تتزايد فيه حملات الـمقاطعة والـمطالبة بمعاقبة إسرائيل.

عاشر ما نخسره أن هذه الـمفاوضات تقطع الطريق على الجهود والـمبادرات والخيارات والبدائل الأخرى وتجعلنا تحت رحمة خيار واحد جربناه وفشل وخسرنا منه كثيراً وسنخسر أكثر الآن، لأن الـمفاوضات تبدأ في ظل رغبة أميركية ودولية للتوصل الى حل، والحل الذي ستتم محاولة فرضه سيكون على حساب الفلسطينيين، فهم الطرف الذي سيتعرض للضغط مرة أخرى لأنهم الطرف الضعيف والـمهاود، والضغط هذه الـمرة سيطال الحقوق والقضايا.

إن الـمفاوضات القادمة تواجه عدة احتمالات محددة، فهي يمكن أن تكون مفاوضات من اجل الـمفاوضات أو تفشل أو تنجح؟.

أي أن الـمفاوضات يمكن أن تدور بحلقة مفرغة حتى إشعار آخر، وهذا سيعطي إسرائيل الوقت اللازم والغطاء لاستكمال تطبيق مشاريعها العدوانية والتوسعية والعنصرية والاستيطانية.

أو تفشل، وعندها سيتحمل فشلها ليس بالضرورة إسرائيل، وأكبر دليل على ذلك أن أكثر من 5 سنوات من الـمرونة الزائدة والتنازلات الـمجانية وتطبيق الالتزامات الفلسطينية من جانب واحد والتنسيق الأمني وتآكل الـمرجعية من مؤتمر مدريد حتى أوسلو الى خارطة الطريق ومؤتمر أنابوليس ورسالة الدعوة الأميركية وبيان اللجنة الرباعية، أدت إلى أن الضغط تعرض له الجانب الفلسطيني. وهو من سيتعرض للضغط مرة أخرى، وإذا لـم يتجاوب سيتحمل الـمسؤولية.

أو"ستنجح" الـمفاوضات، وهذا لن يكون إلا بتحقق حل تصفوي للقضية الفلسطينية لأن إسرائيل بوضعها الحالي (وليس الحكومة الراهنة فقط) غير ناضجة بل معادية لأي حل عادل أو متوازن، والإدارة الأميركية ليست بوارد الضغط الجدي عليها، والـمجتمع الدولي لا يجد الـمبررات والضغوط التي تدفعه وتضطره للضغط على إسرائيل، فما دام الفلسطينيون والعرب راضين فلـماذا يتدخل الـمجتمع الدولي.

تأسيساً على ما تقدم، فإن الخسارة مؤكدة للفلسطينيين في كل الأحوال سواء إذا دارت الـمفاوضات بحلقة مفرغة، أو فشلت وانهارت كسابقاتها، أو "نجحت". ويجب أن ندعو الله لكي لا تنجح لأن في نجاحها الخسارة الأكبر والأعظم للفلسطينيين.

السؤال هو: ماذا سيحدث إذا لـم نذهب إلى الـمفاوضات ولـم نكتف بوقف الـمفاوضات انتظاراً لتحسين شروطها، وإذا اعتمدنا خياراً آخر يقوم على استعادة الوحدة وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني والشراكة الحقيقية والأسس الديمقراطية، والبعد العربي والدولي، واعتماد الـمقاومة الـمثمرة بكل أشكالها، وملاحقة إسرائيل دولياً على كل الـمستويات والأصعدة، وتفعيل الدور الدولي والـمؤسسات الدولية، والإصرار على إجراء الـمفاوضات ضمن أسس ومرجعيات وفي إطار دولي كامل الصلاحيات وفاعل يستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم الـمتحدة.

أن النتائج في هذه الحالة محسومة وهي أن العرب سيكونون معنا، والعالـم سيكون معنا، وتتزايد الضغوط على إسرائيل وعلى من يدعم إسرائيل، ما يفتح الطريق لنشوء حالة ستخسر إسرائيل فيها من احتلالها أكثر ما تربح، وستخسر أميركا من دعمها الـمطلق لإسرائيل أكثر مما تربح، عندها سيكون هناك أمل بالتوصل الى حل عادل أو متوازن يحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية!!.

مشاركة: