
اليوم هو «يوم الأسير»، يوم تذكير العالم بأنه منذ نفذ جريمة «وعد بلفور» ب«إقامة وطن قومي لليهود» في فلسطين، والسجن يصاحب الفلسطينيين كظلهم، بل، وصارت في عداد المسائل العادية جرائم الكيان الصهيوني، المتعلقة بحبس أطفال فلسطين، واعتقال مناضليها إدارياً لسنوات، وقتل أسراها تحت التعذيب، أو إعدامهم ميدانياً فور اعتقالهم، أو قتلهم ببطء عبر حبسهم لعقود. وبالمناسبة، ليس صحيحاً أن «قدامى الأسرى» هم، فقط، «المعتقلون قبل أوسلو»، فقد انضم إليهم المعتقلون في الفترة بين 1993 و2000، بينما مضى بين 12 و16 عاماً على المعتقلين في سنوات «الانتفاضة الثانية»، (2000- 2004).
وعلى ذكر هؤلاء الأسرى المعرضين للموت البطيء، تجدر الإشارة إلى أنه لا فضل لي فيما أكتب، الآن، إلّا بمقدار تمكُّني من نقل خلاصة حواري مع عدد من هؤلاء «الشهداء مع وقف التنفيذ»، عندما التقيتهم، كمعتقل إداري تم عزله في سجن بئر السبع. حوار تعمدت فيه، عدا الإصغاء لآرائهم، الإنصات لرنين مشاعرهم وأحاسيسهم، عساني أستطيع تحويلها، (كما طلبوا)، إلى إضاءة تضيء عتمة زنازينهم، أصوغها اليوم بقلمي وزيتها مشاعرُهم، وعنوانها ومضمونها ما أرادوا تعميمه:
(نحن) السجين و(هم) السجان.. كان لهم «مسألتهم»، بلغت ذروتها في «كارثتهِم». فتَظلموا، بصرف النظر عن أن «مسألتهم» لم تكن رغماً عن، بل بفضل، تاريخ طويل من خرافة تفوُّقِ عرقهِم. لقد أزاحوا اضطهاد «أغيارهم» بخطف حُر طليقنا، نحن الأبرياء، من «مسألتهم» و«كارثتهم»، واقتلعوا مسألتهم من التاريخ بزراعة نكبتنا فيه. ولا ندري، وليس مهماً أن ندري، إنْ كانت «كارثتهم» أكثر أو أقل قسوة وبشاعة من نكبتنا. فمبدأ «كارثتهم»، ونكبتنا واحِدُ السببِ والنتيجة. إنه الاضطهاد لمجرد اختلاف الهوية، ورجحان ميزان القوة الفيزيائية المملوكة.
عقود من بطولتنا لم تظفر بعد بحريتنا من سجونهم، وعقود من معاناتنا لم تفلح بعد، بوقف استباحتهم الشاملة لنا، وطناً وأرضاً وشعباً ومقدرات وكرامة وطنية وإنسانية. عقود، وهم يرددون: «السيد والعبد اثنان، الأول نحن والثاني أنتم». وعقود ونحن نردد «بل السيد والعبد واحد في الإنسان»، لأن «زائد سجنكم هو ناقص حريتنا»، و«ناقص سجنكم هو زائد حريتنا». ففي الطبيعة لا أول بلا ثانٍ، ولا ثانٍ بلا أول، أمّا في المجتمع، «فلا سيد من دون عبد، ولا عبد من دون سيد». منطقنا غريب عليهم، ومنطقهم غريب علينا، فنحن وهُمْ، زمنان في زمن. نحن زمن انعتاق الحرية مِن السجن، وهم زمن زج الحرية في السجن. هم زمن خرافة تفوق «عرقِهم»، ونحن زمن الإنسان جذر كل الأعراق. نحن السجين نحمل السجن على جسدنا، وهم السجان يحملونه في وعيهم. غُراباً نرى السجن، وحمامة يرونه. بالعتمة نصفه، وبالنور ينعتونه. جهنم نراه، وجنة يرونه. بإبر الحرية نخلع السجن، وبفأس العبودية يزرعونه. نلفظه، فيبتلعونه. نحاربه فيصادقونه. نُطلِّقه فيتزوجونه. ننهره فينادونه. نشتمه فيمدحونه. نهدمه فيبنونه. نمقته فيحبونه. نلعنه فيباركونه. نجابهه فيحمونه. نمزقه فيرتقونه. لقد نفوا (بسجنهم) حر طليقنا، فنهضنا ببطولة معاناتنا لاستعادة حريتنا، فغدونا «جمل المحامل» لنفي ثقافة سجنهم. وما معاناتنا نحن «قدامى الأسرى» إلّا غيض من فيضِ نكبتنا، ومجرد يسير مِن «بطولة ومعاناة» مئات آلاف الأسرى الفلسطينيين.
هذا يعني أن السجن، (عدا القتل والجرح والطرد والتدمير)، لم يردع شعب فلسطين، ولم يدفع أجياله المتعاقبة، نحو الاستسلام، بل نحو المقاومة، واستمرارها، وتنويع أشكالها، وابتكار المزيد من وسائلها، وما «انتفاضة السكاكين» المستمرة سوى دليل آخر، ولن يكون خاتمة المطاف، في هذا السياق. فقد دخل سجون الكيان، منذ «النكبة» حتى الآن، قرابة 800 ألف فلسطيني وفلسطينية، فيما يقبع فيها الآن أكثر من 6 آلاف أسير وأسيرة، لكنهم، رغم هول المعاناة، وقسوة التنكيل، ومجافاة الظروف، ما انفكوا على «الجمر يقبضون»، في الخنادق المتقدمة يقاتلون.
لكن هذا يعني، أيضاً، أن صناع هذه البطولة ينتقدون، (والتوصيف لمن حاورت)، «حالة التسليع السياسي التي سادت ثقافة التحرر الفلسطينية في مرحلة ما بعد أوسلو، بكل ما أنتجه هذا التسليع من سلوك قيادي استخدامي بائس، يفصل بين جهود النضال الوطني لنيل الحرية من الاحتلال الصهيوني، وبين تطلعات باذليها، داخل السجن وخارجه، لبناء سلطة سياسية فلسطينية ديمقراطية ترتكز إلى مبادئ العدالة والإنصاف والمساواة، بحسبانها المرجعية الثقافية لكل حركة تحررية تناضل لإزاحة سيطرة خارجية». هنا، ثمة نقد تشفع لقسوته شدة بؤس ثقافة «السلطة الفلسطينية» مقابل هول معاناة، وجسامة تضحيات شعبها، وما توجبه من سلوك قيادي مقاوم ديمقراطي، يحارب الاستخدام، ويبني سياسة اجتماعية مقاومة، تعزز الصمود.
ففي إبراز هذا البعد الإنساني الكامن في البطولة الوطنية للأسرى، ما يهبها الحفظ والصون والتخليد، وما يمنح صناعها تفوقاً أخلاقياً على الصهاينة الذين أذاقوهم بالقوة، ولا يزالون، معاناة الزنازين. صمَّموها ضيقة مثل «غيتواتهم»، وفيها حشروا رحابة حرية هؤلاء المناضلين الوطنيين الإنسانيين، ووصموهم، زوراً وبهتاناً، ب«التخريب والإرهاب»، وكأن كيانهم الغاصب العنصري الفاشي الإقصائي الإحلالي، ليس مفرخة الإرهاب المنظم الأولى في العالم.
ali-jaradat@hotmail.com