
حين كتبت مقالتي عن اختتام مهرجان سينما مسرح القصبة بعنوان: (زيارة السجان أم الإقرار بصحة موقف السجين)، لم أتوقع رد الفعل الذي أثاره، ولم أتوقع التأييد الذي مُحضه. كنت أظن أن روح المقاومة في الحقل الثقافي قد أُعطبت، وأن الناس فيه وصلت إلى مرحلة الشعور بعدم الجدوى.
لكنني كنت مخطئا جدا.
فما أثارني في بيان مهرجان القصبة أثار الغالبية في هذا الحقل.
وما أثار هذه الغالبية واستفزها هو أن (كاسري المقاطعة) تجرأوا حد الوصول إلى نعت المثقفين العرب المطالبين بالمقاطعة الثقافية بأنهم يحاصرون الشعب الفلسطيني، بل وحد وصف التطبيع الموارب وغير الموارب، بأنه مقاومة. وزادوا على ذلك بأن نطقوا في بيانهم باسم المثقفين الفلسطينيين عامة، أي باسمنا جميعا.
من اجل هذا كانت ردة الفعل مدوية.
وقد توج ردة الفعل هذه البيان الاعتذاري، القصير، المؤثر، والصادق للدكتور خليل نخلة.
أنا أعتبر أن هذا البيان يفتتح مرحلة جديدة في الصراع الثقافي مع العدو. فاعتذار الدكتور نخلة فيه هو اعتذارنا، أو اعتذار غالبيتنا، عن لحظة السكوت الطويلة التي سمحنا فيها لكاسري المقاطعة بأن يتصرفوا على هواهم، بدءا من كاسري المقاطعة الجامعية في لندن قبل سنوات، وحتى بيان مهرجان القصبة.
بيان الدكتور نخلة ختام مرحلة. وهو إعلان مباشر عن بدء المواجهة الشاملة مع (كاسري المقاطعة)، وإشارة لهم بأن يرتدعوا، وأن لا يبالغوا في تصرفاتهم.
ولعلني أن أضيف أن الحركة التي أثارها بيان مهرجان القصبة، يجب أن تحسب على أنها فرع من الحركة التي أطلقها سحب تقرير غولدستون، والتي انتهت إلى انتفاضة سماها الدكتور هيثم مناع باسم (انتفاضة حقوق الأنسان). لكن يبدو لنا أنها اوسع من أن تتعلق بحقوق الإنسان. إنها انتفاضة العودة إلى الأصول والثوابت، انتفاضة استعادة روح المقاومة داخل القطاع الثقافي.
وهي انتفاضة أصيلة، لأنها تتم من دون دعم السلطة، بل وفي مواجهة سياساتها. فالاتجاه الذي يحظى بالرعاية من السلطة، داعمة التطبيع وراعيته، هو الذي يدعو لكسر المقاطعة. في حين أن انتفاضة كسر إرادة (كاسري المقاطعة) تتم بطاقة المثقفين الخاصة وحدها.
ولا بد لي أن اعترف أن جهود الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيلPACBI هي التي مهدت الأرض لتغير المناخ في أوساط المثقفين الفلسطينيين. فعبر عملها الصبور الذي امتد لسنوات، تغير المناخ العام، مؤديا إلى ما نحن فيه الآن بشأن بيان مهرجان القصبة.
بيان مهرجان القصبة الاستفزازي أراد ان يعلن عن مرحلة جديدة، يُسمى فيها كسر المقاطعة مقاومة، ويصف موقف المثقفين العرب المشاركين في المعركة بالعداء للشعب الفلسطيني. أي مرحلة يراد لها أن تسود فيها إرادة (كاسري المقاطعة).
لكن بيان الدكتور خليل نخلة أعلن، بالفعل، عن مولد مرحلة جديدة أخرى، مرحلة الهجوم المضاد من أجل كسر إرادة (كاسري المقاطعة).