
(أعدّ هذه الورقة كل من: حسين الديك، عبد الله عطا الله، علاء حمودة، ناصر خضور، ضمن إنتاجات المشاركين/ات في البرنامج التدريبي "إعداد السياسات العامة والتفكير الإستراتيجي").
****************************
مقدمة
تعتبر قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال من الملفات الراهنة المهمة للنخبة السياسية وصاحب القرار على حد سواء، لما لها من أبعاد وطنية وأخلاقية تؤثر على القضية الفلسطينية برمتها. فهي تشكل محورًا للنضال لما يتعرض له الأسير من معاناة يومية من خلال الممارسات الإسرائيلية التعسفية بحقه وبحق ذويه. وكذلك، تمثل قضية الأسرى حالة رمزية وطنية في الوعي الجمعي لمختلف أطياف الشعب وقواه الفاعلة.
بلغ عدد الأسرى وفق إحصائيات آب 2016 حوالي 7 آلاف أسير من مختلف شرائح الشعب الفلسطيني وفصائله، منهم: 340 طفلًا، و56 أسيرة، و458 أسيرًا محكومًا مدى الحياة، و30 أسيرًا قضوا أكثر من 30 سنة من حكمهم.[1] وتبلغ نسبة الأسرى المحكومين بأحكام عالية تزيد عن 20 سنة 7% من إجمالي عدد الأسرى، بينما يبلغ عدد الأسرى المعتقلين "إدرايًا" (دون تهمة) 750.
لقراءة الورقة أو تحميلها بصيغة PDF اضغط/ي هنا
تعاملت القيادة السياسية والفصائل الفلسطينية مع قضية إطلاق سراح الأسرى وفق منهجين:
النهج الأول: عبر صفقات التبادل
أجرت دول عربية وفصائل مقاومة فلسطينية وعربية صفقات عديدة للإفراج عن أسرى فلسطينيين وعرب مقابل الإفراج عن جنود إسرائيليين أسرى لديها، أو تبادل جثث، فتمكنت عبر تاريخ النضال الفلسطيني من إجراء 38 صفقة نتج عنها إطلاق سراح آلاف الأسرى الفلسطينيين والعرب خلال الفترة (1948-2011)[2]. وتعتبر هذه الصفقات في معظمها ذات بعد فصائلي أو بين دول، لأن الفصائل أو الدول قامت بالتفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي بشكل منفرد وغير مباشر غالبًا حسب الفصيل الذي يحتفظ بمختطفين وأسرى إسرائيليين، أحياءً أو أمواتًا.
وكان آخر هذه الصفقات في تشرين الأول 2011، إذ تمكنت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وبوساطة مصرية من تنفيذ أول صفقة تبادل أسرى على أرض فلسطينية وفي وجود السلطة الفلسطينية، حيث أفرج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط مقابل 1027 أسيرًا وأسيرة فلسطيني، من بينهم 450 من أصحاب الأحكام العالية[3]. وبالرغم من ذلك، اعتبرت الصفقة إنجازًا فرديًا لحركة حماس باعتبارها لم تحمل روح الشراكة الوطنية في صنع واتخاذ القرار، خاصة وأنها تمت في ظل حالة الانقسام الداخلي.
النهج الثاني: عبر مفاوضات سياسية ومبادرات حسن نوايا واتفاقيات سلام بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل
أثمرت هذه العملية منذ انطلاق مفاوضات أوسلو في العام 1993 عن إطلاق سراح ما يقرب من 13352 أسيرًا وأسيرة[4]، إلا أن الخلاف الداخلي حول هذه الآلية كان أساسه ما قدمته القيادة الفلسطينية من ثمن سياسي مقابل الإفراج عن الأسرى، وفي عدم إطلاق سراح ممن تطلق عليهم إسرائيل "الملطخة أيديهم بالدماء"، إضافة إلى تراجع إمكانية الاستمرار في هذا النهج بسبب توقف عملية السلام وجمود المفاوضات بين الجانب الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية.
مع انسداد الأفق السياسي مع الجانب الإسرائيلي، وفي ظل حالة الانقسام، بات من الضرورة إيجاد آليات توافق داخلي لحل قضية الأسرى، بحيث تجتمع القيادة الفلسطينية بكافة أطيافها تحت مظلة الأسرى، على رؤية موحدة تمكن من الاستفادة من إنجازات الأسرى الفردية، المتمثلة بالإضرابات وحالات التمرد في السجون، التي شكلت تحديًا حقيقيًا يمكن المراكمة عليه، إلى جانب العمل على إيجاد إستراتيجية لضمان نجاح الإضرابات الفردية التي يقوم بها المعتقلون الإداريون. فقد وصل عدد الذين خاضوا ما يعرف بمعركة "الأمعاء الخاوية" منذ العام 2012 إلى ما يقارب 30 أسيرًا، وكان بدأها الأسير المحرر خضر عدنان، وهي تجربة تستحق الرعاية والاهتمام بعد أن أثبتت نجاعتها، ولا تزال تتواصل هذه المعارك التي يخوضها الأسرى الإداريون.
كما لا بد من الاستفادة من ورقة الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى فصائل المقاومة في غزة بعد العدوان الأخير 2014 في تفعيل قضية الأسرى، وفق رؤية وطنية موحدة تتلافى أخطاء وعيوب الصفقات السابقة، وتضمن الضغط على الاحتلال من أجل إطلاق سراح الأسرى.
تحديد المشكلة وتوصيف الحالة الراهنة
إن المشكلة الرئيسية التي تعيق أي تطور في قضية الأسرى داخليًا هو غياب سياسة وطنية تشاركية تستثمر كافة الجهود الممكنة في سبيل دعم الأسرى وإطلاق سراحهم. وهذا يعود بشكل رئيسي إلى ما أفرزته حالة الانقسام السياسي والجغرافي بين قطبي صنع القرار الفلسطيني، خصوصًا بعد سيطرة "حماس" على قطاع غزة وتعزيز نفوذها السياسي والعسكري فيه. وفي المقابل، تتحكم السلطة و"فتح" بمناطق الضفة الغربية، وتنفردان بالقرار الوطني وتهملان ملف الأسرى، إضافة إلى اختلاف وجهات النظر بين هذين القطبين في التعامل مع قضية تحرير الأسرى من زاوية اختلاف الرؤى السياسية للتعامل مع القضية الفلسطينية برمتها.
فترى "حماس" أن المقاومة هي الطريق الرئيس لإطلاق سراح الأسرى، وتسعى للتعامل مع هذا الملف بأدواتها الخاصة، مستفيدة من حروبها السابقة، ومن امتلاكها لأسرى إسرائيليين، ومع ذلك، وفي ظل المتغيرات الإقليمية في المنطقة تحتاج "حماس" إلى جهد وطني متكامل من أجل مساندتها في تحقيق أقصى فائدة يمكن الحصول عليها في أي صفقة تبادل قادمة، بحيث تتلافى أخطاء صفقة شاليط السابقة.
من خلال تتبع مجريات صفقة شاليط، يمكن ملاحظة الإخفاقات التي كان سببها الرئيس أنها لم تخرج من عباءة البعد الفصائلي. وفيما يلي أبرز الأخطاء التي شابت الصفقة من خلال مقابلات مع المهتمين بهذا الشأن ومع أسرى محررين: [5]
إن عدم نشر تفاصيل الصفقة والوثيقة المذكورة أعلاه يجعل الباحثين في هذا المجال لا يستطيعون تقييم الخلل الحاصل في بنودها، كما يعيق مقدرة محامي الدفاع عن الأسرى الذين أعيد اعتقالهم، حيث أورد مركز أسرى فلسطين لدراسات الأسرى[7] أن 52% من محرري صفقة "وفاء الأحرار" أعيد اعتقالهم من قبل الاحتلال في الضفة الغربية ومدينة القدس، فقد أعيد اعتقال 7 أسرى[8] ومحاكمتهم وإعادة المؤبد بأثر رجعي، وهذا يؤكد حسب ادعاءات المحكمة العسكرية أنهم خرقوا بنود الصفقة.
ويقول بعض الأسرى المحررين إنه أرغم على التوقيع نتيجة وضعه أما خيارات صعبة، إما الإبعاد أو المؤبد، وتحدث البعض الآخر عن أن الوسيط أبلغهم بأن هناك بنودًا تحدثت عن الإبعاد، فإذا وقعت أو لم توقع فإنه سيتم الإبعاد، وهذا جعل الأسرى الذين شملتهم الصفقة يوقعون على الإبعاد.
الأهداف
ترمي هذه الورقة إلى تحقيق الأهداف الآتية:
المعايير
البدائل
يقوم هذا البديل على التوافق لتوحيد كافة الجهود الوطنية تجاه قضية الأسرى كونها ركيزة من ركائز التحرر الوطني. ويتطلب أي حراك باتجاه تفعيل قضية الأسرى وطنيًا أمرين رئيسين: أولهما، حصول تفاهم وطني يضمن إخراج ملف الأسرى من تجاذبات وتأثيرات حالة الانقسام، ليأخذ الملف بعدًا وطنيًا بعيدًا عن التناقضات السياسية حتى في ظل الانقسام وعدم حدوث توافق على باقي القضايا. وثانيهما، وضع قضية الأسرى على سلم أولويات السياسة الفلسطينية ببعديها الداخلي والخارجي، سواء على مستوى قيادة السلطة أو الفصائل، باعتبارها مصلحة وطنية للجميع.
يحقق هذا البديل، على رمزيته، مكاسب عدة، منها:
أما فيما يتعلق بالمنفعة العملية للأسرى من هذه الخطوة، فإنه يجب التأكيد على أنها تبقى من دون جدوى ما لم ترافقها تحركات عملية أخرى كما هو موضح في البديلين الثاني والثالث.
ثانيًا: انتفاضة (هبة) الأسرى
من أجل إحداث ضغط على الجانب الإسرائيلي لتلبية مطالب الأسرى وإطلاق سراحهم، والترويج دوليًا لعدالة قضيتهم؛ لا بد من شراكة وطنية وتنسيق الجهود نحو هبة للأسرى على مختلف الأصعدة، الإعلامية والشعبية، وعلى مستوى كافة المناطق والمدن الفلسطينية. وتكون هذه الهبة موجهة فقط لقضية الأسرى. وفي هذا السياق يمكن القيام بما يأتي:
من مميزات هذا البديل قدرته على إحداث حراك شامل في ملف الأسرى، والاستفادة من كافة مكونات وطاقات الشعب الفلسطيني، ومناصريه الإقليميين والدوليين، ومن الممكن أن يحقق منفعة حقيقية للأسرى وتلبية حقوقهم، والضغط على الجانب الإسرائيلي في ذلك، عدا عن كونه خيارًا مقبولًا وطنيًا وجماهيريًا.
لكن في المقابل، إن تحقيق هذه السياسة والعمل في إطارها يتطلب إحداث حراك حقيقي في ملف المصالحة الوطنية وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين، خصوصًا أن هذا البديل، بكافة مكوناته، قد يتعارض مع رؤية السلطة السياسة، وتخوفها من تحول أي حراك فلسطيني جماهيري ضد الاحتلال إلى حالة انتفاضة شاملة، بسبب إمكانية إقدام الاحتلال على ممارسات قمعية ضد المعتقلين والجماهير الفلسطينية. ومن هنا يمكن الاستفادة من هذا البديل بشكل جزئي وتدريجي مدروس.
ثالثًا: ميثاق شرف بين الفصائل في تنفيذ صفقات تبادل للأسرى مع الجانب الإسرائيلي
يجب استثمار وجود أسرى إسرائيليين لدى "حماس" منذ حرب 2014 بشكل وطني وناجح بما يخدم قضية الأسرى. وهنا يجدر من العمل على تشكيل لجنة وطنية يكون هدفها الأساسي التحضير والتنسيق والتخطيط لصفقة تبادل قادمة تتضمن آليات عمل ومعايير من شأنها تحقيق أقصى استفادة للأسرى، من خلال تضافر الجهود المشتركة بين كافة القوى وتلافي أي أخطاء حدثت في الصفقات السابقة. وتتضمن آليات العمل ما يأتي:
أما بالنسبة لحركة حماس، فإن قبولها بشراكة وطنية في هذا الملف سيعزز من مصداقيتها شعبيًا، وسيمنح الصفقة التفافًا شعبيًا، وهي لن تكون مضطرة لتقديم تنازلات سياسية سواء للسلطة، أو للجانب الإسرائيلي.
كما أن وجود تشاركية في قرار الصفقة القادمة سيزيد من الضغط على الجانب الإسرائيلي، وسيعزز موقف السلطة الفلسطينية وطنيًا ودوليًا، وحتى أمام الجانب الإسرائيلي الذي بات يرى أنها غير ممثلة للشعب الفلسطيني جغرافيًا، إضافة إلى إمكانية استغلال الجمهور الإسرائيلي من أجل الضغط على قيادته لإطلاق سراح جنودهم الأسرى.
المفاضلة بين البدائل
وتخلص الورقة بعد المفاضلة بين البدائل ومدى التزامها بالمعايير إلى ما يأتي:
[1] مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان. تاريخ الوصول 24/09/2016 http://www.addameer.org/ar/statistics
[2] عمليات تبادل الأسرى، مركز المعلومات الوطني، وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا". تاريخ الوصول 11/06/2016. http://www.wafainfo.ps/atemplate.aspx?id=4004
[3] الموقع الرسمي لكتائب القسام. تاريخ الوصول 24/09/2016 http://www.alqassam.ps/arabic
[4] عبد الناصر فراونة، حرية الأسرى ما بين صفقات التبادل والعملية السلمية، غزة، 2010، ص 24-25
[5] مقابلة، الأسير المحرر المبعد في صفقة شاليط مصطفى مسلماني، عضو لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية، غزة، 20/9/2016.
[6] مقابلة، عبد الناصر فروانة، رئيس وحدة الدراسات والتوثيق لهيئة شؤون الأسرى والمحررين، غزة، 20/8/2016.
[7] مركز أسرى فلسطين لدراسات الأسرى: 52% من محرري صفقة وفاء الأحرار أعيد اعتقالهم من قبل الاحتلال في الضفة الغربية ومدينة القدس، وكالة الرأي الفلسطينية للإعلام، 20/6/2016. تاريخ الوصول 20/9/2016
[8] المحكمة الإسرائيلية ترفض استئناف أسرى صفقة "شاليط"، وكالة معا الإخبارية، 17/1/2015. تاريخ الوصول 24/9/2016 http://m.maannews.net/Content.aspx?id=753780