
قبل أن تصل الوفود إلى القاهرة للمشاركة في الحوار الذي كان من المفترض أن يبدأ يوم السبت الماضي، أبلغت المصادر المصرية المعنية الوفود بتأجيل الحوار، من دون إبداء الأسباب، وبلا تحديد موعد جديد. ولإبقاء نافذة الأمل، طلبت مصر من حركتي فتح وحماس تقديم تصوّر مكتوب كإشارة بأن ما طرح منهما ليس مقبولًا.
اتُخذ القرار بالتأجيل بعد اجتماعات تمهيدية بين وفدين من "فتح" و"حماس" بيّنت أن الهوة بين الطرفين شاسعة جدًا ولا يمكن ردمها.
فـ"فتح"/الرئيس طرحت البدء بتشكيل حكومة وحدة وطنية أو وفاق وطني ملتزمة بالشرعية الدولية، لفتح الآفاق لاستئناف ما تسمى "مسيرة السلام"، ولتقوم بإعادة الإعمار في قطاع غزة، ومعالجة الملفات الأخرى من دون الالتزام بموعد لإجراء الانتخابات على أساس أن الانتخابات لا يمكن أن تجري من دون القدس، ما يتطلب موافقة الحكومة الإسرائيلية، وهي غير مضمونة، وعندما توافق يتم إجراء الانتخابات!!
كما أصرّت "فتح" على أن تتولى السلطة ملف إعادة الإعمار إلى حين الاتفاق، ورأت أن البدء بالمنظمة مستحيل، لأن هذا أمر معقد ويستغرق وقتًا، وإذا فُتِح ليكن معلومًا للجميع بأن "فتح" يجب أن تحظى بالأغلبية حتى لا تقاطع المنظمة دوليًا، وذلك من خلال دعوة المجلس المركزي للانعقاد وتوسيعه لا أكثر.
وفي خلفية موقف "فتح"/الرئيس مخاوف من تطوّر الانقسام إلى منافسة على التمثيل والقيادة وإحياء مشاريع إيجاد منظمة تحرير موازية تمهيدًا للاستيلاء على المنظمة، في ظل استمرار الانقسام وسيره نحو الانفصال، وإمكانية تدحرج الأمر نحو وصاية مصرية على قطاع غزة.
أما وفد "حماس" فقد طرح تشكيل لجنة وطنية للإعمار ولا مانع من أن تشارك فيها السلطة، ورؤية تتضمن ضرورة البدء بالمنظمة من خلال طرح تشكيل مجلس وطني انتقالي لمدة سنتين بالتوافق، من خلال تشكيل لجنة للقيام بهذه المهمة وإنجازها خلال ثلاثة أشهر، على أن يتولى المجلس الوطني الجديد والهيئات المنبثقة عنه "مسؤولية الاتفاق على شكل النظام السياسي الفلسطيني، وأدواته، وإستراتيجية العمل الوطني والبرنامج السياسي للمرحلة المقبلة".
وتضمنت الرؤية تشكيل قيادة وطنية مؤقتة تشرع فورًا في قيادة الحالة الوطنية من جميع الفصائل الفلسطينية من داخل المنظمة وخارجها وفصائل المقاومة الأخرى، في إشارة إلى حركة الأحرار والمجاهدين ولجان المقاومة الشعبية، التي دعتها مصر للحوار بطلب من "حماس" ورفضت "فتح" مشاركتها، فيما لم تشر الرؤية إلى تشكيل الحكومة، وبالتالي تأجيل إنهاء الانقسام، إضافة إلى رفض "حماس" بحق فكرة طرحت في المداولات على أن يكون الرئيس محمود عباس راعيًا للحوار، كونه طرفًا من وجهة نظرها.
ما تفسير هذا التغيير الدراماتيكي في موقفي "فتح" و"حماس"؟
بالنسبة إلى "فتح"/الرئيس، هناك إنكار للواقع وتعامل بأن شيئًا لم يتغير، ولا حاجة لتغيير المقاربات التي اعتمدت سابقًا، على أساس أن التغيير الذي حدث عزز موقف السلطة، خصوصًا بعد الاتصال الذي أجراه الرئيس الأميركي بالرئيس الفلسطيني وزيارة وزير خارجيته أنتوني بلينكن التي أكدت استئناف وتطوير العلاقات الفلسطينية الأميركية، ودعم شرعية الرئيس، والإصرار على اعتماد السلطة عن الجانب الفلسطيني بدعم إسرائيلي ودولي، ومنع تمكين "حماس" من الاستفادة من الأموال ومواد الإعمار في بناء الأنفاق وإنتاج وتطوير السلاح والصواريخ، وموافقة أميركية على تشكيل حكومة وحدة تلتزم بشروط اللجنة الرباعية الدولية.
وتتناسى السلطة أن الوضع تغيّر قبل وبعد معركة القدس لجهة تجاوز إسرائيل لاتفاق أوسلو وقرار المجلسين المركزي والوطني بإعادة النظر في الاتفاقيات المعقودة مع الاحتلال، وتجاوز أوسلو شعبيًا من خلال الملحمة الشعبية الفلسطينية التي وحّدت القضية والشعب والأرض، ولا تدرك السلطة أيضًا بأنّ لا بديل خارجيًا عن الشرعية الفلسطينية التي فقدتها بعد إلغاء الانتخابات وفشل مشروعها السياسي وعدم إنجاز الوحدة، ولا حتى على شكل وفاق وطني، فضلًا عن عدم انتهاج المقاومة المسلحة أو الشعبية التي تعدّ مصدرًا للشرعية.
أما بالنسبة إلى "حماس"، فهي تنطلق بأن ما بعد معركة سيف القدس يختلف كليًا عما قبله، وأن النتائج والحقائق الجديدة يجب أن تنعكس على النظام السياسي، وأن إمكانية العمل على أساس الحوارات والاتفاقات السابقة أو من داخل المؤسسة الفلسطينية مستحيلة نظرًا للرفض من الرئيس، وأن الفرصة باتت سانحة بعد ما جرى لتشكيل مركز قيادي تمثيلي جديد، وما يعزز هذا الاستنتاج بأن "حماس" تعرف أن ما تطرحه من المستحيل أن توافق عليه "فتح"/الرئيس/السلطة.
ويعزز موقف "حماس" تأجيل الانتخابات من طرف واحد ومن دون تشاور، رغم مرونة الحركة البالغة التي وصلت إلى حد الموافقة على قائمة وطنية موحدة تحظى فيها حركة "فتح" بأغلبية، ودعم الرئيس محمود عباس في الانتخابات الرئاسية من خلال الالتزام بعدم دعم منافس له، وتجاهل اتفاق أوسلو حتى بعد الإعلان عن تراجع السلطة عن قرار التحلل من الاتفاقيات، بحجة أن أوسلو مات، وهو صحيح مات إسرائيليًا، أما السقف الذي تعمل تحته السلطة منذ سنوات فهو أسوأ من أوسلو.
كما أن عدم تغطية معركة القدس من قيادة السلطة والمنظمة ولا المشاركة في قيادتها؛ عزز من الاستنتاج الذي وصلت إليه "حماس" بأن الطرق السابقة لإنجاز الوحدة لم تعد تجدي، ولا بد من طرح مقاربة جديدة.
من دون شك، هناك تغيرات مهمة أحدثتها معركة القدس والموجة الانتفاضية للشعب الفلسطيني في القدس والضفة والداخل وفي جميع أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، وهذه التغيرات عززت من دور "حماس" كلاعب رئيسي لا يمكن تجاوزه، ولكنها لم تغير الواقع، بل فتحت الآفاق لتغييره، وهناك ثورة مضادة بدأت تستند إلى واقع الاحتلال ووضع إقليمي ودولي، وبدأت سعيها لتفريغ الانتصارات من محتواها، وآمل ألا تبالغ "حماس" بالتغيير والانتصار الذي حدث، كما ألا تبالغ ببعض الإشارات الإيجابية من أميركا وأوروبا عن الاتصال غير المباشر تمهيدًا للاتصال المباشر معها، لأن هذا إن تحقق - وليس مؤكدًا حدوثه - لا يعني تغيرًا جوهريًا في الموقف الأميركي الأوروبي الدولي، فليس الأمر الأهم هو الاتصال بـ"حماس"، وإنما الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، والكف عن الانحياز للاحتلال، ولا يجب تجاهل الثمن المطلوب مقابل الاتصال بـ"حماس"، والثمن الأكبر مقابل الاعتراف بها.
إن ما تطرحه رؤية "حماس" - الذي آمل ألا يكون رسميًا ونهائيًا - يشكل نوعًا من المغامرة غير المحسوبة أو حتى الانقلاب على أسس الشراكة الوطنية، بدليل:
هذا الأمر خاطئ كليًا فلا يمكن تجاوز الاحتكام إلى الشعب عبر صناديق الاقتراع بعد إنهاء الانقسام حيثما أمكن، حتى لو أن هذا الأمر بات أصعب، ولكنه متطلب ضروري، وإلا فسيشكل أي ترتيب انتقالي بالتوافق لا يلتزم بموعد قريب لإجراء الانتخابات مصادرةً لإرادة الشعب، وسيصبح هذا الأمر دائمًا، لأن من شكّله استجابة لمصالحه لن يعرض نفسه لخسارته بخوض الانتخابات. ولا ينفع أو يكفي لتبرير ذلك أن الانتخابات طرحت ورفضت، وأنه لن تتم الموافقة عليها بسهولة لا من السلطة ولا من الاحتلال بعد الزيادة الملحوظة في شعبية "حماس"، بل لا بد من التمسك بها إلى أن تصبح جزءًا من الكفاح ضد الاحتلال.
المخرج المتاح وليس المثالي هو حل الرزمة الشاملة الذي يتضمن :
تتمثل نقطة البدء - ما دام هناك اتفاق على وثيقة الوفاق كأساس، وعلى تطويرها، وعلى الهدف الوطني في هذه المرحلة – في الاعتراف بالواقع بعد التغييرات التاريخية كما هو من دون زيادة ولا نقصان، ونبذ التفرد بالقرار والهيمنة والإقصاء والتخوين والتكفير، وعدم التسرع بالنزول عن الجبل قبل اكتمال النصر، والشروع في حوار وطني شامل لا يقتصر المشاركون فيه على المدعوين السابقين، بل يتم دعوة ممثلين عن مكونات الخارطة الجديدة، خصوصًا المرأة والشباب، وتكون النقطة الأولى على جدول أعماله هي الإستراتيجية السياسية والبرنامج السياسي، وإذا اتُفق عليها تكون المفتاح القادر على فتح بقية الأقفال، بحيث يتم تطبيق ما يتم الاتفاق عليه بشكل متزامن ومتوازٍ، إذ لا يتم إعادة بناء المنظمة مع استمرار الانقسام، وفي الوقت ذاته عدم تجاهل المنظمة وإدارة الانقسام بحكومة وفاق أو وحدة وطنية شكلية، وإذا لم يتم الاتفاق فلا داعي لاستمرار الحوار.
إن هذه الصيغة إذا اعتمدت تُحققُ التغيير الممكن والشراكة في المرحلة الانتقالية، التي يجب ألا تزيد على عام إلى حين تشكيل المجلس الوطني الجديد عبر الانتخابات حيث ما أمكن، وتَقطعُ الطريق على السيناريو الأسوأ، وهو تعميق الانقسام وتحوّله إلى انفصال، وعلى تأجيج الصراع على القيادة والتمثيل والقرار وما يمكن أن يؤدي إليه من فوضى واقتتال وتعميق الانقسام، وإحياء مشروع دويلة غزة كتحصيل حاصل وليس كهدف لطرف مقابل هدنة طويلة الأمد، والتضحية بالضفة في ظل حكومة بينيت - لابيد التي نصّ برنامجها على توسيع الاستيطان والتهويد في القدس والمناطق المصنفة (ج)، وإضاعة الفرصة التاريخية التي وفرتها معركة القدس، وعدم البناء عليها بإعادة بناء المشروع الوطني والمؤسسة الجامعة، على أساس الشراكة الكاملة ووحدة القضية والأرض والشعب، وبما يأخذ الظروف الخاصة بكل تجمع بالحسبان.
وأخيرًا، الحل المطروح بحاجة إلى نضال لتغيير موازين القوى، ولن يجد استجابة من القيادة، ما يفرض ضرورة تشكيل أوسع جبهة وطنية (جبهة إنقاذ) تضم كل من يوافق على الأسس الوطنية والديمقراطية التوافقية والقواسم المشتركة والجامعة، لتقوم بضغط يكبر ويتعاظم حتى تُفرض إرادة الشعب الفلسطيني على الجميع.