
الدعوة إلى دراسة تحولات أنماط التفكير الفلسطيني كمدخل لإعادة بناء العمل الجمعي والرؤى الموحدة
البيرة – خاص: أكدت شخصيات سياسية واقتصادية وأكاديمية وإعلامية على أهمية دراسة التحولات في أنماط التفكير الفلسطيني في سياق الصراع التحرري مع المشروع الاستعماري الاستيطاني، منوهين إلى أنه لا يمكن الفصل بين السياسي، والإعلامي، والثقافي، والتعليمي، والاقتصادي، لفهم العقل الفلسطيني، وتحولاته، لاسيما إن معرفة كيف تطور وتحوّل هذا العقل مهم لغرض عملي هو إمكانية المضي نحو تعزيز التفكير النقدي.
ونوهت هذه الشخصيات إلى أن دراسات تحولات العقل الفلسطيني وكيفية تغير أنماط التفكير، ومدى اقترابها من المنهج النقدي، ينبغي أن تفضي إلى وضع خطة شاملة تتضمن تصورات معمقة للإصلاح السياسي، والاقتصادي، والتعليمي، مع إنشاء إعلام ومنتج ثقافي متناغم مع متطلبات التفكير النقدي والواعي.
جاء ذلك خلال ورشة عمل نظمها المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات) لعرض ومناقشة كتاب "سياقات التفكير الفلسطيني في السياسة والثقافة والإعلام والاقتصاد والتعليم"، وقدم فيها محرر الكتاب د. أحمد جميل عزم نبذة عن الكتاب ومنهجيته مع عرض خاص لفصل الإعلام الذي أعده عزم تحت عنوان "من فلسطيننا إلى مجموعات الواتساب".
وأدار الورشة مدير البرامج في مركز مسارات، خليل شاهين، الذي قال إن هذا الكتاب صدر ضمن برنامج دراسة أنماط التفكير الفلسطيني الذي ينفذه المركز، ويتألف من مقدمة وخمسة فصول وخاتمة، وأنجز بمشاركة فريق بحثي بإشراف عزم، كما أصدر المركز كتابا آخر بعنوان "العقل المحاصر.. أنماط التفكير المعيقة لنهضة المجتمع العربي" للبروفيسور مروان دويري، إلى جانب تنظيم مؤتمر "فلسطين تفكّر.. قراءات في أنماط التفكير ومقوّمات التغيير" في آب أغسطس 2024، معربا عن الشكر للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي لدعمه لهذا البرنامج، إلى جانب دعمه البرنامج التدريبي الذي ينفذه المركز حول التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات.
بدوره، قال عزم إن هذا الكتاب يقوم على أطروحة أساسية، وهي أنه إذا كان التفكير النقدي مهارة تفكير عليا تتطلب درجة عالية من الاستقرار، فإن حالة النكبة المستمرة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، على شكل موجات من العدوان الإسرائيلي وحملات المقاومة المضادة، لا تلغي الجهد المبذول، والممكن بذله في مواجهة الصدمات. فقد تمكن الفلسطينيون من تجاوز حالة الصدمة التي عاشوها بفعل النكبة، وقدموا في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين، بنية فكرية جمعية عن هويتهم، وبنيتهم الاجتماعية، وبناهم السياسية، ودعموا ذلك بمؤسسات ومنتجات ثقافية وتعليمية فاعلة.
واستدرك قائلا: لكن في مواجهة استمرار الصدمات، افتقر الفلسطينيون في كثير من المحطات إلى القدرة على التفكير النقدي والموضوعي، وما فاقم هذا فضلًا عن الهجوم الخارجي، الانقسام السياسي الداخلي، وتراجع وجود الرؤية السياسية المتناغمة مع التغيرات، إضافة إلى الأثر الكبير لتحولات التكنولوجيا، وظواهر انتشار القوة، والبيانات الكبرى، أو بكلمات أخرى العولمة.
وتطرق إلى فصول الكتاب، حيث أعد الباحث أحمد عز الفصل الأول بعنوان "التأطيرات السياسية – الرسمية وغير الرسمية: قراءة في أنماط التفكير السياسي الفلسطيني". وأعدت الباحثة ريما شبيطة الفصل الثاني بعنوان "تأثير أنماط التفكير على الثقافة الوطنية الفلسطينية". وأعد المشرف على الكتاب أحمد عزم الفصل الثالث بعنوان "الفلسطيني بين إعلام الحركة الوطنية" و"الدولاتية في سياق عومحلي".. من فلسطيننا إلى مجموعات الواتساب". كما أعد الباحث إبراهيم ربايعة الفصل الرابع بعنوان "الاقتصاد السياسي الفلسطيني: قراءة في الفكر وتحولاته"، فيما أعدت الباحثة نور علي الفصل الخامس بعنوان "السلطة التعليمية والتجويف المعرفي في المؤسسات التعليمية".
وتوقف عزم بمزيد من التفصيل أمام الفصل الخاص بالإعلام، ما بين ظهور مجلة "فلسطيننا"، نهاية خمسينيات القرن العشرين، ثم ظهور المجلات والصحف الفصائلية، وإعلام منظمة التحرير الفلسطينية، في السبعينيات وحتى التسعينيات، وصولاً إلى نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، وسيادة وسائل التواصل الاجتماعي على مشهد الإعلام والتواصل الفلسطيني، من تطبيقات مختلفة، بما فيها تطبيقات الإعلام الفردي من فيسبوك، وانستغرام، وغيرها، أو تطبيقات الاتصال والرسائل مثل "واتساب"، جنباً إلى جنب مع فضائيات تتبع دول عربية ويستقبلها الفلسطينيون.
وقال: إن الأطروحات الأساسية في هذا الفصل، هي أن الإعلام نُظر له في البدايات كنوع من آليات صيانة وتأكيد الروابط بين الجماعة السياسية، وأن هذا الإعلام مهمته ديمومة اتصال الفلسطينيين ببعضهم، وتأكيد تمسكهم بوحدتهم كجماعة سياسية وشعب، رغم الشتات الجغرافي. وثانيا، أن المؤسسات الإعلامية الفلسطينية، كان ينظر لها على أنها جزء من أدوات وأجهزة الصراع التحرري، وبالتالي لم يكن الفصل بين السياسي والتنظيمي المقاتل والمناضل من جهة والجهاز الإعلامي من جهة ثانية قائما، وكانت المؤسسات الإعلامية أحيانا واجهة للعمل السياسي، وهذا استمر ما بين السبعينيات والتسعينيات.
واعتبر أن الإعلام واحد من أهم أدوات صياغة العقل الجمعي، ورسم مسارات تحولاته، لا سيما فيما يتعلق بتكوين وصيانة وتطور الهوية الجمعية. وعند قراءة كيف تطور الإعلام الفلسطيني، وتحولات المؤسسات الإعلامية، وطريقة إدارتها، وتمويلها، وملكيتها، وجمهورها المستهدف... إلخ، يمكن اكتشاف الكثير بشأن تحولات هذا الإعلام، وبالتالي أثره في تشكيل التفكير.
وأضاف عزم: إن الإعلام والمنتج الثقافي يمكن أن يكونا نقطة انطلاق في مناقشة باقي السياقات، خصوصا الحالة والبنى السياسية. ولكن وليكون هناك خلاصة عملية من تشخيص القطاعات الفلسطينية المختلفة، وعلاقتها بأنماط التفكير، فإن التشخيص الذي تضمنه هذا الكتاب، يحتاج أولا لنقاش وإثارة حوار حوله، ليتم استكماله وتطويره، ومن ثم يجب الانتقال لوضع أوراق سياسات حول كل قطاع من القطاعات، ليتجاوز حالة الانقسام والتجزئة، والتعثر، والخلافات الداخلية، والتعامل وفق منطق إدارة الأزمة ومواجهة الصدمات بأقل الخسائر، وصولا إلى منطق الحركة الوطنية الواحدة ذات البرامج المقبولة في مستويات الجمهور المختلفة، بدءا من صناع القرار، ومنفذي السياسات، والمستفيدين منها، وصولا إلى الجمهور العام.
وخلص إلى التأكيد على أحد أبرز استنتاجات الكتاب وهو أن أزمة التفكير الفلسطيني تفاقمت، وتراجعت محاولات التفكير الجمعي النقدي والمدروس، جراء غياب العمل الجمعي والرؤى الوطنية الموحدة أو الواضحة، وتعثر المؤسسات التعليمية بين مطالب الأجندات الدولية والحركات النقابية الحقوقية، وفي ظل تراجع الموارد، والانقسام السياسي، والهجمة الاحتلالية المستمرة، فضلا عن تعطيل مؤسسات الشعب من منظمة تحرير، ومجلس تشريعي منتخب، وتراجع الأيديولوجيا، وسط شعور بحالة أزمة مزمنة في مختلف القطاعات، عكست قدرا من اليأس والعجز في مواجهة الصدمات المختلفة.