خلال ملتقى حواري نظمه مركز "مسارات" الدعوة إلى إنهاء الانقسام وبلورة إستراتيجية وطنية قادرة على مواجهة التحديات والمخاطر الوجودية
141
    

البيرة، غزة – خاص: حذرت عشرات الشخصيات الفلسطينية من أن استمرار الانقسام الفلسطيني في ظل مخططات الاحتلال لتصفية القضية الفلسطينية وإعادة رسم المعادلات الإقليمية والدولية بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، يشكل خطرًا وجوديًا على القضية الفلسطينية، مؤكدين أن استعادة الوحدة الوطنية تمثل المدخل الأساسي لحماية الحقوق الوطنية، ومواجهة التحديات التي تستهدف الشعب الفلسطيني.

وأكدت هذه الشخصيات أن المرحلة الراهنة تتطلب توحيد الجهود الفلسطينية، وإبداء مختلف الأطراف والفصائل الفلسطينية مرونة لصالح الحفاظ على كيانية وطنية جامعة ضمن نظام سياسي موحد، واستثمار المتغيرات الإقليمية والدولية بما يخدم القضية الفلسطينية، ويعزز حضورها على الأجندة الدولية في مواجهة التحديات المتصاعدة، وبخاصة مخططات الاستيطان والضم الفعلي في الضفة الغربية، واستمرار الإبادة بأشكال مختلف وتدمير مقومات الحياة في قطاع غزة بهدف تهجير سكانه، فضلا عن سياسات التضييق والملاحقة والتمييز ضد الفلسطينيين في أراضي 48 وكياناتهم السياسية.

جاء ذلك خلال أعمال الملتقى الحواري الذي نظمه المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية "مسارات" تحت عنوان "فلسطين أمام تحديات ما بعد الحرب على إيران: الوحدة ومستقبل قطاع غزة والتحولات الإقليمية والدولية"، بمشاركة أكثر من 100 شخصية سياسية وأكاديمية ومجتمعية، وحضور مميز للشباب، وذلك في قاعة جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بالبيرة، ومقر مركز مسارات في غزة، وعبر تقنية "زووم". وأدار أعمال الملتقى في كل من البيرة وغزة كل من خليل شاهين، مدير البرامج في مركز مسارات، ود. عماد أبو رحمة مستشار المركز في غزة.

وفي كلمته الافتتاحية، قال هاني المصري، مدير عام مركز مسارات، إن أهمية تنظيم الملتقى تكمن في أنه مكرس لمناقشة طبيعة المخاطر والتحديات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وتأثير التحولات الاقليمية والدولية على القضية الفلسطينية، وما يرافقها من تغيرات في ميزان القوى المؤثر في منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة بعد إقرار مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية التي تدل على عدم تحقيق الأهداف الأميركية-الإسرائيلية، ما يفتح الطريق أمام تشكل توازن إقليمي جديد في المنطقة، مشيرا إلى التداعيات المباشرة الناجمة عن كل ذلك على المستويين المتوسط والبعيد.

وأضاف المصري: على المدى المباشر ستحاول دولة الاحتلال وقائع وتحقق انجازات لم تحققها حتى الآن عبر محاولات تعويض خسارتها على الجبهة الإيرانية، وعلينا أن نصمد في مواجهة هذه المحاولات الإسرائيلية، منوها إلى محاولات استكمال احتلال قطاع غزة وتهجير أهله، وكذلك توسيع عملية الضم الفعلي وتغيير الواقع الديمغرافي وفرض ما يسمى السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية، والمضي في إشاعة الجريمة والعنف والسياسات العنصرية في أراضي 48.

مقاربة نسوية للوحدة

وفي محور النقاش الأول، عرضت الكاتبة والناشطة السياسية والنسوية ريما نزال ورقة بعنوان "متطلبات استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية- نحو مقاربة نسوية للمصالحة"، وقالت إن المقاربة النسوية تنطلق من قناعة بأن المصالحة لا ينبغي أن تبقى حكرا على الفصائل والقوى السياسية، بل يجب أن تتحول إلى عملية مجتمعية واسعة تشارك فيها النقابات المهنية والاتحادات الشعبية والجامعات ومراكز البحث.

وأضافت أن الانقسام الداخلي لم يكن مجرد خلاف سياسي بين حركتي فتح وحماس، أو صراعا على السلطة وإدارة المؤسسات، بل كشف عن أشكال أخرى من الخلاف الثقافي والاجتماعي، حيث امتد الخلاف إلى قضايا جوهرية تتعلق بمكانة المرأة في النظام السياسي، والقوانين والتشريعات، وكذلك مبدأ المساواة بين النساء والرجال، والموقف من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

وأكدت نزال أن المصالحة لا ينبغي أن تقتصر على تسوية الخلافات بين القوى السياسية أو إعادة توزيع السلطة والنفوذ، بل يجب أن تشكل مدخلا لإعادة صياغة العقد الاجتماعي الفلسطيني على أسس أكثر ديمقراطية وعدالة وشمولا. ومن منظور نسوي، فإن العقد الاجتماعي الجديد يجب أن يعترف بالنساء كشريكات كاملات في النضال الوطني، وفي بناء المؤسسات وصنع القرار، وأن يؤسس لعلاقة بين المواطن والدولة تقوم على الحقوق والمساءلة والمساواة وسيادة القانون.

وعقبت على الورقة وفاء عبد الرحمن، الناشطة السياسية والنسوية ومديرة مؤسسة "فلسطينيات"، مشيرة إلى أهمية إدماج البعد الاستعماري في أي مقاربة للمصالحة الفلسطينية، ما يعلي من وزن التوافق الوطني على الأسس السياسية للوحدة معبرا عنها في برنامج وطني شامل.

وأكدت عبد الرحمن على ضرورة التعامل مع إعادة بناء الوحدة باعتبارها عملية مجتمعية مستمرة لا تقتصر على الاتفاقات السياسية بل تتسع لتشمل إعادة بناء الثقة والعقد الاجتماعي، مع إبراز دور النساء في صياغة مقاربات جديدة تعزز التعددية والعدالة الاجتماعية. كما حذرت من التعامل مع الانتخابات في السياق الفلسطيني تحت الاحتلال باعتبارها وصفة لإنهاء الانقسام، دون أن تتوفر لها شروط تجعلها تتويجا للتوافق الوطني وأداة لتعزيز التعددية والديمقراطية بعيدا عن الاقصاء أو التهميش.

مستقبل قطاع غزة

وفي المحور الثاني، عرض الباحث أحمد الطناني، مدير مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي، ورقة بعنوان "مستقبل قطاع غزة في ضوء الخطة الأميركية: الاستعصاء وإعادة إنتاج الإبادة"، وقال إن الخطر ليس في بنود الخطة الأميركية لقطاع غزة فحسب، فالخطر الأكبر على مستقبل غزة يكمن في قدرة الأطراف الفاعلة على توظيفها لإنتاج حالة استعصاء ممتدة تُبقي الحربَ قائمة بأدوات مختلفة، وتسمح بإعادة تشكيل قطاع غزة تدريجيا على المستويات السياسية والأمنية والمؤسساتية.

وأشار إلى أن الخطة الأميركية تنطوي على خمسة مخاطر استراتيجية رئيسية: الأول، يتمثل بتدويل إدارة غزة وإضعاف المرجعية الوطنية الفلسطينية. والثاني، يتعلق بنزع سلاح المقاومة، الذي بات يشكل المحور المركزي للمرحلة الثانية. والثالث، يتعلق بقوة الاستقرار الدولية، والقدرة على تحييد خطر تحولها إلى قوة مواجهة مع السكان، بدلا من الفصل بين الاحتلال والشعب الفلسطيني. والرابع، يتعلق بإعادة الهندسة المكانية والديمغرافية عبر بوابة الإعمار. أما الخطر الخامس، فيكمن في تكريس السيطرة الأمنية الإسرائيلية غير المباشرة، مع إعلان نية التوسع إلى ما نسبته 70% من جغرافية القطاع، إلى جانب استمرار التحكم بالمعابر والمجالين البحري والجوي.

وحذر الطناني من أن خطر الخطة الأميركية يتجاوز غزة إلى إعادة تشكيل القضية الفلسطينية برمتها، فالمقاربات التي تُختبر في القطاع، سواء على مستوى الإدارة أو الأمن أو الإعمار أو العلاقة مع النظام السياسي الفلسطيني، تحمل قابلية واضحة للانتقال إلى مجمل الأراضي الفلسطينية. ولذلك، فإن تحييد غزة من المعادلة الوطنية، وتهجير كتلة القطاع الديمغرافية، والسيطرة على جغرافيته، جزء من مسار إسرائيلي أشمل يستهدف الوجود الفلسطيني بأسره، لتصبح استعادة المبادرة الفلسطينية استحقاقا عاجلا يبدأ من بناء توافق وطني جامع، يعيد جمع مختلف مكونات النظام السياسي الفلسطيني تحت مظلة واحدة، وينقل إدارة الملفات المصيرية من منطق الاستفراد إلى منطق الشراكة الوطنية الشاملة.

وعقب على الورقة الكاتب والناشط السياسي والحقوقي مصطفى إبراهيم، الذي استعرض تداعيات الحرب على قطاع غزة والتحديات السياسية والإنسانية التي تواجه سكانه النازحين قسرا في غالبتتهم الساحقة، منوها إلى مفاوضات القاهرة حول تنفيذ الخطة الأميركية، التي يأمل الفلسطينيون أن تفضي إلى اتفاق ينهي الحرب المستمرة على قطاع غزة، ويضع حدا لمعاناة السكان المتفاقمة، غير أن المؤشرات الميدانية في قطاع غزة يوحي بأن إسرائيل لا تنتظر نتائج المفاوضات، بل تمضي بخطوات متسارعة لفرض واقع جديد قد يرسم ملامح القطاع ومستقبله قبل التوصل إلى أي تسوية سياسية.

ودعا إبراهيم إلى بلورة رؤية فلسطينية موحدة للتعامل مع السيناريوهات المطروحة بعيدا عن الحلول المفروضة التي تستهدف إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني، بما يمكن من إحباط محاولات إسرائيل لتحويل الوقائع التي تفرضها اليوم إلى أساس للمرحلة المقبلة، وخاصة أن المعركة على مستقبل غزة لا تُحسم على طاولات التفاوض وحدها، بل في الوقائع التي تُفرض على الأرض.

مواجهة التحولات الإقليمية والدولية

وفي المحور الثالث، قدم د. خالد الحروب، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة نورث ويسترن بالدوحة، مداخلة بعنوان "سياسات فلسطينية للتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية"، قال فيها إن الأولوية الوطنية تتمثل في الحفاظ على كيان فلسطيني موحد باعتباره الضمانة الأساسية لمنع تفكيك الشعب الفلسطيني وقضيته، مؤكدا أن الخلافات حول شكل النظام السياسي يمكن معالجتها لاحقا، فيما يشكل غياب الكيان الجامع خطرا يسهّل مشاريع التفتيت التي تسعى إسرائيل إلى فرضها.

واعتبر أن التحولات الإقليمية والدولية تتيح فرصا مهمة، لكن استثمارها يتطلب وجود عنوان سياسي فلسطيني موحد قادر على تمثيل الفلسطينيين، مؤكدا أن أي مقاربة فلسطينية وطنية ونضالية راهنة ينبغي أن تنطلق من نقطة مواجهة الأهداف الإسرائيلية الكبرى والسعي إلى إحباطها وتحقيق عكسها، وتحديدا مقاومة التهجير وتبني رؤية للإعمار الوطني بعيدا عن أي سيطرة أمنية أو سياسية خارجية على القطاع، وإنهاء الانقسام الفلسطيني، المحافظة على تمثلات الكيانية الفلسطينية السياسية وتعميقها، وحماية النسيج المجتمعي الوطني في كل تجمعاته، عبر محاربة كل المحاولات الهادفة إلى تخليق هيئات مشبوهة وظيفية تخدم الاحتلال وسيطرته الاستعمارية.

وعقب على المداخلة عفيف صافية، السياسي والدبلوماسي الفلسطيني المخضرم، مستعرضا أبرز التحولات في البيئة الدولية، محذرا من الرهان على إمكانية حدوث تحولات في البيئة السياسية الإسرائيلية بعد انتخابات الكنيست تدفع باتجاه تحقيق السلام على أساس إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، لأن البدائل والخيارات التي قد تترتب على نتائج هذه الانتخابات لن تكون أفضل بكثير من السياسات الإسرائيلية الراهنة. وهو ما يدفع باتجاه إيلاء المزيد من الاهتمام والعمل لإقناع العالم بضرورة عدم السماح لإسرائيل بفرض أجندتها في المنطقة، وبخاصة إحداث تغيير في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

ودعا صافية إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني والحفاظ على وحدة الكيانية الوطنية وبلورة إستراتيجية وطنية تستفيد أيضا من التحولات الدولية لصالح الحقوق الفلسطينية، لاسيما في ضوء تنامي الانتقادات للسياسات الإسرائيلية داخل المجتمع اليهودي الأميركي وقواعد الحزب الديمقراطي، واتساع التأييد الشعبي للقضية الفلسطينية، والحراك الأكاديمي، وتزايد الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، واتساع حركة التضامن العالمية، معتبرا أن هذه المتغيرات تمثل فرصة سياسية تستوجب توحيد الخطاب الوطني وتفعيل دور الجاليات الفلسطينية والقوى الداعمة للقضية.

 

مواضيع ذات صلة

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.