9
    

 

ملخص تنفيذي 

يتناول المقال التحولات البنيوية التي أصابت المجال العام الفلسطيني، ويرى أن الإبادة الجماعية التي يشهدها الشعب الفلسطيني منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم تكشف فقط طبيعة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، وحدود النظام الدولي ومنظومات العدالة العالمية، بل كشفت أيضا أزمة كامنة داخل المجال العام الفلسطيني نفسه، ظهرت بوضوح تحت وطأة الكارثة.

ويجادل بأن المجال العام الفلسطيني لا يمكن فهمه وفق نماذج المجتمعات المستقرة ذات السيادة، إذ نشأ في سياق استعمار استيطاني عمل على تفكيك وحدة الشعب الفلسطيني جغرافيا وسياسيا وقانونيا. ولذلك لم تقتصر وظيفته تاريخيا على تداول الآراء، بل تمثلت في إنتاج المعنى الوطني المشترك، وبناء المرجعية الجامعة، وتحويل التعدد السياسي إلى قدرة جماعية داخل مشروع التحرر.

ويربط أزمة المجال العام الفلسطيني بالتحولات التي أعادت تشكيل الحقل السياسي خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ولا سيما بعد اتفاقيات أوسلو، وما رافقها من تراجع دور منظمة التحرير بوصفها الإطار الجامع للشعب الفلسطيني، وضعف المؤسسات الوسيطة من أحزاب ونقابات ومراكز بحث ومنابر فكرية وثقافية وإعلامية، الأمر الذي أدى إلى فراغ مرجعي انتقلت آثاره إلى الفضاء الرقمي.

كما يناقش دور المنصات الرقمية واقتصاد الانتباه في تعميق الاستقطاب، وتحويل النقاش السياسي من مساءلة الأفكار والاستراتيجيات إلى صراعات حول الهوية والانتماء والشرعية، بما أضعف قدرة المجتمع الفلسطيني على إنتاج معرفة سياسية مشتركة في لحظة تاريخية تتطلب أعلى درجات التفكير الجماعي.

ويخلص المقال إلى أن إعادة بناء المجال العام الفلسطيني ليست قضية إعلامية أو تنظيمية فقط، بل شرط من شروط الصمود والتحرر. فحماية حق السؤال، وصيانة التعدد، وإعادة بناء المرجعية الوطنية والمؤسسات الوسيطة، تمثل جزءا من معركة التحرر ذاتها؛ لأن المجتمع القادر على التفكير والنقد وإدارة اختلافاته داخل إطار وطني جامع هو الأقدر على إنتاج المعنى وصناعة مستقبله.

المقال الكامل: من يحاكم من؟ حين يتحول المجال العام الفلسطيني من فضاء لإنتاج الرأي إلى فضاء لإنتاج الاتهام

 مقدمة

لم تكشف الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر السمة الإبادية للمشروع الصهيوني فحسب، ولا جوهر نظام الحداثة الغربية المادية والعنصرية المهيمنة التي تصنّف البشر تراتبيا لإدارة الحياة والموت، ولا حدود النظام الدولي وعجز منظومات القانون والعدالة العالمية وانكشاف التناقضات العميقة في الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان. 

بل أظهرت، في الوقت ذاته، أعطابا كامنة داخل البنية الفلسطينية نفسها، كانت موجودة قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ، لكنها ظهرت بوضوح تحت وطأة الإبادة. 

فالإبادة لا تبرز فقط حجم العنف الذي يمارسه المعتدي، بل تكشف كذلك قدرة المجتمعات على إنتاج المعنى في مواجهة هذا العنف، ويقصد بـ” إنتاج المعنى” هنا العملية السياسية والثقافية التي يتحول عبرها الحدث أو التجربة الجماعية من مجرد واقعة تحدث إلى تفسير مشترك لها، ومن تفسير إلى رؤية تحدد كيفية فهم الواقع والمصلحة والخيارات الممكنة، ومن رؤية إلى قدرة جماعية على الفعل. 

فالمجال العام ليس مجرد مجموع الآراء المنتشرة أو مساحة للتعبير، بل هو البنية التي تتحول داخلها التجارب الفردية إلى نقاش جماعي، والأفكار إلى رؤى سياسية، والخلافات إلى خيارات قابلة للمقارنة. 

ويقوم بوظيفة أعمق تتمثل في مساعدة المجتمع على الإجابة عن أسئلة المعنى الكبرى: ماذا يحدث؟ ولماذا يحدث؟ وما الذي ينبغي فعله؟ ومن دون هذه العملية، تتحول الأحداث الكبرى إلى تجارب متفرقة، وتتحول المعاناة إلى غضب غير قادر على إنتاج اتجاه سياسي. 

وفي الحالة الفلسطينية، تتكشفت في هذه اللحظة التاريخية أزمة أعمق في المجال العام الفلسطيني: ذلك الفضاء الذي يفترض أن تتحول داخله الأفكار والخيارات والخلافات إلى معرفة سياسية، وإلى قدرة جماعية على الفعل، وإدارة الخلافات، وحماية التعدد، وبناء السردية الوطنية في لحظة اختبار وجودي، وإلى إرادة وطنية قادرة على مواجهة الاختبار التاريخي.

غير أن ما ظهر خلال هذه المرحلة هو أن هذا المجال لم يعد يؤدي وظيفته كما يفترض، بل أصيب بتحول بنيوي.

أولًا:   خصوصية المجال العام الفلسطيني تحت الاستعمار الاستيطاني

لا يمكن فهم أزمة المجال العام الفلسطيني بالاستناد إلى النماذج النظرية التي نشأت في المجتمعات المستقرة ذات السيادة، لأن المجال العام الفلسطيني لم يتشكل داخل دولة وطنية مكتملة، ولا بين مواطنين تجمعهم منظومة قانونية وسياسية واحدة، بل تشكل تحت شروط استعمار استيطاني إحلالي، عمل، منذ نشأته، على تفكيك وحدة الشعب الفلسطيني جغرافيا وقانونيا وسياسيا، وتوزيعه بين الاحتلال واللجوء والشتات، وبين أنظمة قانونية متعددة، بهدف الحيلولة دون تشكل إرادة وطنية جامعة قادرة على مقاومته.

ولهذا اكتسب المجال العام الفلسطيني وظيفة تختلف عن وظيفته في التجارب الديمقراطية التقليدية. فلم يكن مجرد فضاء لتبادل الآراء أو المنافسة بين البرامج السياسية، بل كان، قبل كل شيء، فضاء لإنتاج المعنى الوطني المشترك، وإعادة بناء وحدة الشعب الفلسطيني رغم تشتته، وربط الخبرات المتباينة للفلسطينيين داخل الوطن والشتات في سردية وطنية واحدة تحفظ الذاكرة الجماعية، وتحدد أهداف المشروع التحرري، وتدير الاختلافات داخله دون أن تنقض وحدته.

ومن هنا، فإن قوة المجال العام الفلسطيني لم تكن تُقاس فقط باتساع حرية التعبير، بل أيضا بقدرته على أداء ثلاث وظائف متلازمة: 

* إنتاج المرجعية الوطنية المشتركة، 

* وتحويل التعدد السياسي والفكري إلى نقاش منظم داخل المشروع الوطني، 

* وصيانة الحدود الفاصلة بين الاختلاف المشروع والانقسام الذي يهدد وحدة حركة التحرر.  

وبقدر ما نجحت المؤسسات الوطنية والثقافية والنقابية والإعلامية في أداء هذه الوظائف، استطاعت القضية الفلسطينية أن تحافظ على قدر من التماسك السياسي والرمزي، رغم تباعد الجغرافيا واختلاف السياقات.

غير أن تآكل هذه المؤسسات، وتراجع المرجعية الوطنية الجامعة، وانتقال جزء كبير من النقاش إلى الفضاء الرقمي، لم يؤدِّ فقط إلى إضعاف آليات الحوار، بل إلى إضعاف القدرة على إنتاج المعنى الوطني نفسه. وهنا لم تعد أزمة المجال العام الفلسطيني أزمة تواصل أو نقاش فحسب، بل أصبحت أزمة في إنتاج المرجعية التي تمنح الخلاف إطارا جامعا، وتحول التعدد إلى مصدر قوة لا إلى ميدان للمحاكمات المتبادلة. 

ثانيا :    أزمة المجال العام الفلسطيني 

لم تبدأ أزمة المجال العام الفلسطيني مع الجولة الجديدة من الإبادة الجماعية في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية بعد السابع من تشرين الأول، ولا مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، بل تمتد جذورها إلى التحولات الكبرى التي أعادت تعريف الحقوق الوطنية والتاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني تحت وطأة اختلال موازين القوة، وأعادت رسم حدود السياسة الفلسطينية وما اعتُبر ممكنًا في إطار ما سُمّي بالواقعية السياسية.

وكانت اتفاقيات أوسلو نقطة مفصلية في هذا التحول؛ إذ لم تكن مجرد اتفاق سياسي حول ترتيبات انتقالية، بل أحدثت انقساما عميقا حول معنى المشروع الوطني ذاته، وطبيعة الصراع مع المشروع الاستعماري الصهيوني الاستيطاني الإحلالي. فمنذ ذلك الوقت لم يعد الخلاف الفلسطيني يدور فقط حول البرامج والخيارات السياسية داخل إطار متفق عليه، بل انتقل إلى سؤال أكثر جوهرية: ما طبيعة الطريق إلى التحرر، وما موقع المقاومة فيه؟

وهل يمكن بناء مشروع وطني على أساس التفاوض وإدارة الصراع السياسي، أم أن التحرر يبقى مرتبطا باستمرار أشكال المقاومة ومواجهة منظومة الاستعمار الإقصائي الإحلالي؟

وهكذا لم يعد الخلاف حول المقاومة خلافا تكتيكيا عابرا حول أشكال وأدوات النضال، بل تحول إلى خلاف أعمق يتعلق بتعريف الشرعية الوطنية ذاتها.

* فهناك من رأى أن الاعتراف السياسي بالعدو والتفاوض معه، ضمن مقايضة تاريخية تقوم على تقاسم الوطن وفقا للأقدمية الزمنية لاحتلاله، يمثل واقعية سياسية وانتقالا ضروريا نحو بناء الدولة.

* وهناك من رأى أن ذلك أدى إلى تهميش جوهر الصراع باعتباره صراع تحرر من كيان صهيوني استعماري استيطاني إحلالي، يحتكم إلى الأساطير بتأويل وعد إلهي غير مشروط بحق حصري لجماعة دينية عابرة للأجناس والقوميات، اصطفاها الخالق دون سائر خلقه؛ وعليه لا قبل للبشر بمناقشته، أو التفاوض حول أسس تنظيم الحياة - مع شعب الله المختار - الذي بات يشاركهم الحياة في وطنهم.

هذه التحولات في التفكير السياسي الفلسطيني لم تبقَ في مستوى النخب السياسية، بل انعكست على المجال العام الفلسطيني، فأصبح السؤال عن المقاومة والشرعية جزءا من سؤال أوسع: من يملك حق تعريف الوطنية، ومن يملك حق تحديد الوسائل المشروعة لتحقيقها؟

ومن هنا، فإن ما كشفته الإبادة بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر لم يكن ظهور هذا الانقسام، بل وصوله إلى لحظة قصوى؛ إذ تحولت الأسئلة المؤجلة حول المقاومة والتمثيل والشرعية إلى صراعات مفتوحة حول معنى القضية نفسها.

ثالثا :   من يحاكم من؟ لماذا لم يعد موضوع النقاش الفكرة، بل صاحبها؟

في المجتمعات السياسية الحية، لا تكون قيمة الفكرة مرتبطة بهوية من يطرحها، بل بقدرتها على تفسير الواقع، وبحجتها، وبقدرتها على الإقناع. 

فالفكرة تُناقش لأنها فكرة، وتُرفض لأنها لا تقنع، وتُراجع لأنها تحتاج إلى تطوير.

أما حين ينتقل النقاش من مضمون الفكرة إلى هوية صاحبها، فإننا نكون أمام تحول خطير في طبيعة المجال العام: من فضاء لاختبار الأفكار إلى فضاء لاختبار الانتماءات.

وهذا التحول لا يعني أن الأشخاص محصنون من النقد، أو أن التاريخ النضالي يمنح أحدا حصانة من المساءلة. فكل مشروع سياسي يحتاج إلى النقد، وكل قيادة تحتاج إلى مساءلة، وكل اجتهاد يجب أن يكون قابلا للمراجعة والنقاش.

لكن الفارق الجوهري يبقى بين مساءلة الفكرة ومساءلة شرعية صاحبها في التعبير عنها.

حين يصبح السؤال الأول: “من قال ذلك؟” بدل “ما الذي قيل؟”، فإن معيار الحكم يتغير؛ إذ لا تعود الحجة هي مركز النقاش، بل يصبح موقع الشخص وتاريخه وانتماؤه وموقفه السياسي موضوعا للمحاكمة. وهنا تنتقل السياسة من مجال التنافس بين الرؤى إلى مجال تصنيف الأشخاص داخل معسكرات أخلاقية: وطني أو غير وطني، مقاوم أو متخاذل، مع القضية أو ضدها.

ولعل أبرز تجليات هذا التحول في فضاء ما بعد السابع من تشرين الأول هو ظهور ما يمكن تسميته بـ "محاكم الاصطفاف الرقمي" حيث يُقاد النقاش الفلسطيني والعربي الداخلي عبر حملات هجومية مضادة، لا تستهدف تفكيك الأطروحة السياسية للمخالف، بل " اغتياله معنويا" لنزع الشرعية عنه.

في هذا المناخ، تحولت أسئلة من قبيل: "ما موقفك من جدوى المقاومة وعواقبها؟" أو "هل تنحاز لدماء الضحايا أم لحسابات السياسة؟" أو "ما هو بديلك الواقعي الآن؟'" من أسئلة سياسية واستراتيجية تبحث عن إجابات، 

إلى أدوات فحص مسبقة وبوابات للتخوين أو التجهيل المتبادل. 

وبناء على الاصطفاف اللحظي، يُصنف الفرد سريعا إما في خانة " المتخاذل والمفرّط" أو خانة "المغامر والمنفصل عن الواقع" أو "المتنكر لدماء الضحايا والحريص عليها "مما يغلق الباب تماما أمام أي قراءة نقدية جادة ومسؤولة.

هذا النمط من التفكير لا ينتج نقاشا سياسيا أكثر وضوحا، بل ينتج بيئة يخاف فيها الأفراد من الاجتهاد، لأن كلفة الخطأ لا تصبح مراجعة الفكرة، بل التشكيك في الانتماء؛ وعندما تصبح الهوية والموقف السياسي موضوع الاختبار، يتراجع العقل النقدي لحساب منطق الاصطفاف.

لقد عرف الفلسطينيون تاريخيا خلافات عميقة حول الاستراتيجيات والبرامج والقيادات. لكن هذه الخلافات، رغم حدتها، كانت تجري داخل مجال سياسي امتلك أطرا ومؤسسات ومنابر قادرة على استيعاب التناقضات.  

أما في المرحلة الراهنة، ومع تراجع هذه الأطر، فقد أصبح جزء كبير من الخلاف ينتقل مباشرة إلى فضاء مفتوح لا يملك آليات للتمييز بين النقد والمحاسبة، وبين الاختلاف والتخوين.

وهنا تبرز ظاهرة أكثر خطورة: إذ لا يعود الصراع حول السؤال السياسي: “أي طريق أفضل؟”، بل يتحول إلى سؤال هوياتي: “من يحق له أن يتحدث باسم القضية؟”. وعندما يصبح احتكار تعريف الوطنية والمقاومة هدفا للصراع، يصبح المختلف مهددا ليس لأنه قدم فكرة خاطئة فقط، بل لأنه ينازع الآخرين حقهم في تحديد معنى الوطنية.  

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يحاكم من؟ بل: من منح المجال العام سلطة المحاكمة، وبأي معايير؟ وهل نحن أمام نقاش سياسي حقيقي، أم أمام انتقال تدريجي من السياسة بوصفها صراعا بين أفكار، إلى السياسة بوصفها توزيعا لصكوك البراءة والإدانة؟

رابعا :   ما الذي حدث للمجال العام الفلسطيني؟  وكيف تحول من فضاء لإنتاج الرأي إلى فضاء لإنتاج الاتهام؟

لا يمكن فهم التحول في طبيعة النقاش الفلسطيني من دون العودة إلى السؤال الأوسع: ما الذي حدث للمجال العام الفلسطيني نفسه؟

فلم تكن الثورة الفلسطينية مجرد بنية عسكرية أو تنظيمية، بل كانت أيضا فضاء واسعاً للنقاش السياسي والثقافي: صحف، مجلات، اتحادات شعبية، نقابات، جامعات، مراكز أبحاث، ومنابر فكرية. ولم تكن هذه المؤسسات تلغي الخلاف، لكنها كانت تمنحه إطارا يجعله خلافا سياسيا قابلا للإدارة.

ولم تكن المشكلة يوما في وجود اختلافات فلسطينية؛ فالاختلاف كان حاضرا منذ بدايات الحركة الوطنية حول الأهداف والوسائل والعلاقات العربية والإقليمية والدولية وطبيعة المرحلة التاريخية. لكن الخلاف كان يجري، في الغالب، داخل تصور مشترك بأن القضية الوطنية هي الإطار الجامع، وأن التعدد داخلها ليس تهديدا لها، بل أحد مصادر قوتها.

غير أن التحولات السياسية الكبرى، وخاصة بعد اتفاقيات أوسلو، أعادت تشكيل هذا المجال. فقد انتقل الخلاف من كونه اختلافا حول البرامج والأولويات داخل مشروع تحرر وطني واحد، إلى خلاف أعمق حول الرؤى، وحول طبيعة المشروع الوطني نفسه: هل نحن أمام استمرار مشروع تحرر يتطلب الحفاظ على أشكال المقاومة المختلفة؟  أم أمام مسار لبناء دولة عبر التفاوض؟ 

ومنذ ذلك الوقت، لم يعد السؤال فقط: ما السياسة الأكثر فاعلية؟ 

بل أصبح: ما تعريف الوطنية؟ وما موقع المقاومة فيها؟ ومن يملك حق تمثيل المشروع الوطني؟

وقد كان لهذه الانعطافة التاريخية أثر عميق في المجال العام؛ إذ حولت بعض الخلافات السياسية إلى صراعات حول الهوية والشرعية. فعندما يصبح الاختلاف متعلقا بتعريف الوطنية ذاتها، يصبح المختلف أكثر عرضة لأن يُنظر إليه لا بوصفه صاحب رأي آخر، بل بوصفه منافسا على تحديد معنى الشرعية.

ثم اكتملت هذه التحولات مع تراجع دور المؤسسات الوسيطة، وضعف الأحزاب والتنظيمات في إنتاج النقاش الداخلي، وانحسار المنابر الفكرية، وصولا إلى انتقال الجزء الأكبر من النقاش العام إلى المنصات الرقمية. وهنا لم يتغير مكان الحوار فقط، بل تغيرت قواعده.

فالمنصات الرقمية لا تعمل بمنطق المؤسسات السياسية والثقافية؛ إنها تكافئ السرعة والانتشار والانفعال والقدرة على إثارة ردود الفعل.

ولذلك أصبحت الجملة المختصرة أكثر تأثيرا من التحليل الطويل، والموقف الحاد أكثر حضورا من القراءة المركبة، والاتهام أكثر قابلية للانتشار من النقاش المتزن. وهكذا حدث التحول الأخطر: لم يعد المجال العام ينتج الرأي من خلال التفاعل بين الأفكار، بل أصبح في كثير من الأحيان ينتج المواقف من خلال الاصطفاف حول الأشخاص.

لم يعد السؤال: ما الحجة الأقوى؟ بل: من هو الفريق الذي تنتمي إليه؟

ومن هنا يمكن فهم انتقال المجال العام الفلسطيني من فضاء لإنتاج الرأي إلى فضاء لإنتاج الاتهام. فالفراغ الذي تركته المؤسسات لم يختفِ، بل ملأته فضاءات جديدة لا تمتلك بالضرورة أدوات إدارة الاختلاف، فتحول النقاش من بناء المعنى إلى صراع على الشرعية.

ولعل الخطر الأكبر في هذا التحول أنه لا يؤدي فقط إلى إسكات أصوات معينة، بل إلى إضعاف قدرة المجتمع كله على التفكير الجماعي. 

فالمجال العام الذي يخاف فيه الناس من طرح الأسئلة لا ينتج معرفة سياسية، والمجتمع الذي يعاقب الاجتهاد قبل مناقشته يفقد إحدى أهم أدوات بقائه في مواجهة أزماته التاريخية.

خامسا :    لماذا انهارت مؤسسات إنتاج الرأي؟ من المرجعية الوطنية إلى فراغ المرجعية

لا يمكن أن يتحول المجال العام من فضاء لإنتاج الرأي إلى فضاء لإنتاج الاتهام من دون ضعف المؤسسات التي كانت تقوم بوظيفة إنتاج المعنى وتنظيم الاختلاف. فالمجتمعات لا تدير خلافاتها بالحسنات الأخلاقية وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات تمنح النقاش إطارا، وتحول التعدد من مصدر فوضى إلى مصدر قوة.

لقد شكلت المؤسسات الوطنية الفلسطينية البنية الوسيطة للمجال العام؛ فلم تمنع الخلاف، لكنها حالت دون تحوله بسهولة إلى قطيعة، لأنها وفرت مساحات للنقاش، وآليات للمراجعة، وأطرا لتحويل الصراع بين الأفكار إلى عملية سياسية. لكن هذه البنية بدأت تتعرض لتآكل تدريجي نتيجة تحولات سياسية وتنظيمية عميقة. 

فبعد اتفاقيات أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية في الجزء المحتل عام 1967، ضمن ترتيبات انتقالية ذات وظائف محددة، لم يتغير فقط شكل العلاقة مع الاحتلال، بل تغير أيضا شكل الحقل السياسي الفلسطيني نفسه.

إذ انتقل جزء كبير من مركز القرار السياسي إلى السلطة الناشئة، بينما تراجعت مكانة منظمة التحرير بوصفها الإطار الجامع للشعب الفلسطيني داخل الوطن والشتات، في الوقت الذي بقيت فيه قضايا التحرر والسيادة واللاجئين والقدس دون حل.

هذا التداخل بين منطق السلطة ومنطق التحرر أنتج حالة مركبة من الالتباس السياسي، وأضعف القدرة على إنتاج مرجعية وطنية جامعة.

وفي الوقت نفسه، تراجعت قدرة الفصائل والأحزاب على القيام بوظيفتها التقليدية كمدارس سياسية تنتج النقاش والمعرفة والتجديد. فبدل أن تكون ساحات لصناعة الأفكار والمراجعة، أصبحت في كثير من الأحيان أسيرة أزماتها التنظيمية، وضعف قدرتها على التجدد، وانفصالها النسبي عن قطاعات واسعة من المجتمع.

ومع غياب المؤسسات القادرة على تنظيم الاختلاف، لم يختفِ الخلاف؛ بل انتقل إلى فضاءات أخرى. وعندما يغيب الإطار المؤسسي الذي يضبط النقاش، يصبح كل فرد أو مجموعة مضطرا إلى الدفاع عن شرعيته بصورة مباشرة، فيتحول المجال العام إلى ساحة صراع. وهنا تظهر أزمة المرجعية.

فالمرجعية الوطنية ليست مجرد قيادة مركزية أو مؤسسة رسمية، بل هي إطار جامع يقوم على:

*  اتفاق اجتماعي وسياسي حول وحدة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده داخل الوطن والشتات.

*  مرجعية وطنية مشتركة تستند إلى الثوابت المتصلة بحقه في الحياة والحرية والعودة وتقرير المصير.

*  قواعد لإدارة الاختلاف، ومساحة مشتركة يتحرك داخلها المختلفون.

    وعندما تضعف هذه المرجعية، يميل كل طرف إلى بناء مرجعيته الخاصة، ويصبح الحكم على الآخرين جزءا من معركة تثبيت الذات.

ومن أخطر نتائج هذا الفراغ أن مفهوم الوطنية نفسه يصبح محل صراع دائم. فبدل أن تكون الوطنية إطارا يتسع للتعدد، تتحول إلى أداة يستخدمها كل طرف لإقصاء الطرف الآخر. وبدل أن يكون السؤال: كيف نختلف داخل القضية؟ يصبح السؤال: من يملك الحق في تعريف القضية؟

وهنا تتقاطع أزمة المجال العام مع أزمة التمثيل السياسي. فحين يشعر جزء من المجتمع بأن المؤسسات القائمة لا تعبر عنه، وحين تفقد هذه المؤسسات قدرتها على استيعاب الأسئلة الجديدة، ينتقل البحث عن الاعتراف إلى مساحات عامة بديلة. لكن هذه المساحات لا تملك بالضرورة قواعد سياسية أو أخلاقية قادرة على إدارة الاختلاف.

وهكذا ينشأ الفراغ الذي ستدخل إليه لاحقا المنصات الرقمية: ليس لأنها أنتجت الأزمة، بل لأنها أصبحت المسرح الذي ظهرت فيه تناقضاتها.

إن انهيار مؤسسات إنتاج الرأي لا يعني فقدان المجتمع لقدرته على التفكير، لكنه يعني فقدان القنوات التي تحول التفكير الفردي إلى نقاش جماعي، والخلاف إلى معرفة، والتعدد إلى قوة سياسية. 

وعندما تفقد المجتمعات هذه القنوات، تصبح أكثر عرضة لأن تتحول أسئلتها الكبرى إلى معارك حول الأشخاص بدل أن تبقى نقاشات حول الخيارات.

سادسا:   حين يصبح الانتباه سلعة: كيف تحولت المنصات الرقمية إلى ساحات للصراع على الشرعية والتمثيل والمعنى

لم تُنتج المنصات الرقمية أزمة المجال العام الفلسطيني، لكنها كشفتها بأكثر صورها وضوحا؛ إذ انتقل جزء كبير من النقاش السياسي إلى فضاء جديد يحكمه منطق مختلف عن المجال العام التقليدي. فهو فضاء واسع للمشاركة والتعبير، لكنه لا يستند بالضرورة إلى آليات التحرير والمراجعة والمساءلة التي كانت توفرها المؤسسات الوسيطة.

في هذا الفضاء الجديد، أصبح لكل فرد قدرة غير مسبوقة على التعبير والوصول والتأثير، وهي إمكانات ديمقراطية مهمة لا يمكن إنكارها. فقد فتحت المنصات الرقمية مساحات واسعة لأصوات كانت مهمشة أو بعيدة عن مراكز القرار، وأتاحت تداول المعلومات بسرعة كبيرة. لكنها في الوقت نفسه أعادت تشكيل قواعد النقاش السياسي، وخلقت بيئة مختلفة جذريا عن بيئة النقاش الوطني.

فالمنصة الرقمية لا تكافئ بالضرورة الفكرة الأكثر عمقا، أو التحليل الأكثر دقة، بل تكافئ المحتوى الأكثر قدرة على جذب الانتباه. 

وفي اقتصاد الانتباه، تصبح الإثارة قيمة بحد ذاتها، ويصبح الغضب أكثر قابلية للانتشار من التأمل، والاختزال أكثر جاذبية من التعقيد، والمقطع القصير أكثر تأثيرا من السياق الكامل.

وهنا يحدث تحول مهم في طبيعة النقاش. فالفكرة السياسية تحتاج إلى سياق، وإلى قراءة، وإلى مقارنة بين البدائل. أما المنصة الرقمية فتميل إلى تفكيك السياق، وتحويل الموقف المركب إلى صيغة مختصرة قابلة للتداول. ولذلك تصبح الكلمات المقتطعة أكثر حضورا من الأفكار الكاملة، وتصبح الصورة الجزئية أكثر تأثيرا من الرواية المتكاملة.

وقد تجسد هذا بوضوح بعد السابع من تشرين الأول في صعود 'المؤثر الرقمي العابر للحدود، كفاعل مؤثر في إعادة تشكيل المجال العام على حساب المفكر، والمحلل الاستراتيجي، والمؤسسة الحزبية. هذا المؤثر - الذي يعتاش على خوارزميات المنصات - أصبح يمتلك القدرة على توجيه الجماهير وإصدار الأحكام السياسية الكبرى من خلال مقطع فيديو مدته دقيقة واحدة، أو تغريدة مجتزأة. والخطورة هنا لا تكمن في حق التعبير، بل في كون هذا النمط يفرض لغة"التبسيط المخل" حيث تُختزل أعقد قضايا التحرر الوطني والجيوسياسي في ثنائيات شعبوية صارمة (مع/ضد)، ليصبح الوعي العام رهينة لـ "الترند" اليومي والانفعال اللحظي، بدلا من التحليل البنيوي الرصين.

لكن الخطر الأكبر لا يكمن في سرعة الانتشار وحدها، بل في تغير معيار الحكم. ففي المجال العام التقليدي كانت الفكرة تُختبر عبر النقاش، أما في المجال الرقمي فكثيرا ما تُختبر عبر حجم التفاعل حولها. وهنا يصبح الانتشار بديلا عن البرهان، ويصبح عدد المؤيدين أو الغاضبين مؤشرا على الصواب أو الخطأ. 

هذا المناخ ينتج ما يمكن تسميته بـ” السياسة الانفعالية”، حيث لا يعود الهدف الأول هو فهم الموقف أو مناقشته، بل تصنيف صاحبه. فالمستخدم لا يواجه فكرة مجردة، بل يواجه شخصا أو رمزا أو معسكرا. وهكذا يتحول النقاش من سؤال: “ما أفضل تفسير للواقع؟” إلى سؤال: “من معنا ومن ضدنا؟".

وفي ظل غياب المرجعية، أفرز واقع ما بعد السابع من تشرين الأول "صراعا حول جغرافية الحق في النقد"، تمثل في فرز النقاش على أساس "الداخل والخارج" أو"من تحت الردم ومن خلف الشاشات".

لقد تحولت المعاناة الإنسانية الهائلة - في بعض جوانب الحوار الرقمي - من دافع للتضامن والمسؤولية الجماعية، إلى أداة لمنح حق الكلام أو سحبه. 

فبات يُنظر إلى نقد الاستراتيجيات السياسية والعسكرية الصادر من خارج رقعة الإبادة المباشرة بوصفه" ترفا فكريا أو خيانة لدماء الشهداء" وبالمقابل، يُنظر إلى صرخات الألم أو المراجعات الصادرة من الداخل بوصفها "انكسارا أو ضعفا في الحاضنة الشعبية". 

هذا الانقسام العمودي عطّل قدرة العقل الجمعي الفلسطيني والعربي على إنتاج قراءة موحدة تدمج الصمود الميداني بالمسؤولية السياسية.

وبذلك لم يعد المجال العام يوزع شرعية الأفكار وفق قوة حجتها، بل أخذ يوزع شرعية الكلام وفق موقع المتكلم وعلاقته المباشرة بالعنف. 

وهكذا انتقل النقاش من مساءلة الحجج إلى مساءلة أهلية المتحدث، وهو ما عمّق أزمة المجال العام، وحوّل جزءا من الصراع من اختبار الأفكار إلى اختبار من يملك حق التعبير عنها.

وتزداد خطورة هذا التحول في المجتمعات التي تعيش صراعا وجوديا. ففي لحظات الحرب والإبادة، ترتفع الحاجة إلى التضامن والوحدة، لكنها ترتفع معها أيضا الحساسية تجاه الاختلاف. وحين يدخل الفضاء الرقمي في ظل غياب إطار مؤسسي يستوعب التباين، يمكن أن يتحول القلق المشروع على القضية إلى رغبة في إسكات أي صوت يُفهم على أنه تهديد للرواية السائدة. من هنا لا تصبح المنصات الرقمية مجرد وسيلة لنقل الخلاف، بل تصبح أحيانا أداة لتكثيفه وتعميقه؛ فهي لا تسأل: ما مدى تعقيد القضية؟ بل تسأل: ما مدى قدرة هذا المحتوى على إثارة التفاعل؟

ولذلك قد تجد موقفا مبسطا أو قراءة ناقصة تنتشر أكثر من تحليل مركب، 

وقد يتحول سوء الفهم إلى حملة، وقد يصبح الدفاع عن فكرة أو نقدها اختبارا للولاء ونزع الشرعية.

لكن من الخطأ اعتبار هذا التحول قدرا محتوما. فالمنصات نفسها يمكن أن تكون فضاء لإنتاج المعرفة والحوار إذا وُجدت ثقافة سياسية قادرة على استخدامها، ومؤسسات تستعيد دورها في تنظيم النقاش، وقواعد أخلاقية تميز بين النقد والتشهير.

المشكلة إذن ليست في التكنولوجيا وحدها، بل في اجتماع التكنولوجيا مع فراغ مؤسسي، وأزمة مرجعية. فعندما تدخل أدوات الاتصال الجديدة إلى مجتمع يمتلك مؤسسات قوية، يمكن أن توسع المجال العام، أما عندما تدخل إلى مجال عام يعاني من الضعف والانقسام، فقد تتحول إلى أداة لتكريس الأزمة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نوقف المنصات الرقمية؟ بل: كيف نبني مجالا عاما قادرا على استخدامها، دون أن يسمح لها بتحويل السياسة إلى محاكمات؟

سابعا: لماذا أصبح الصراع على تعريف المقاومة؟ وكيف تحول إلى صراع على تعريف الوطنية؟

لم تكن المقاومة في التاريخ الفلسطيني مجرد أداة من أدوات النضال، بل كانت جزءا من تعريف المشروع الوطني نفسه. فمنذ نشوء الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ارتبط معنى التحرر بمواجهة واقع الاحتلال والاقتلاع والسعي إلى استعادة الحقوق الوطنية.

لذلك لم يكن السؤال حول المقاومة يوما سؤالا تقنيا حول الوسائل فقط، بل كان سؤالا سياسيا وأخلاقيا يتعلق بطبيعة المرحلة التاريخية، وبصورة المستقبل الوطني، وبالطرق المؤدية إليه.

لكن التحولات الكبرى التي مرت بها القضية الفلسطينية، وخاصة بعد اتفاقيات أوسلو، أعادت طرح هذا السؤال بصورة أكثر حدة.  فلم يعد الخلاف يدور فقط حول شكل المقاومة وتوقيتها وأدواتها، بل انتقل إلى سؤال أعمق: ما طبيعة المرحلة التي يعيشها الفلسطينيون؟

هل هي مرحلة بناء كيان سياسي عبر التفاوض وإدارة الصراع، أم أنها ما تزال مرحلة تحرر وطني تستوجب استمرار أشكال المقاومة المختلفة؟

ومنذ ذلك الحين، لم تعد المقاومة مجرد وسيلة سياسية يمكن تقييمها من خلال نتائجها وتكاليفها، بل أصبحت جزءا من معركة تعريف المشروع الوطني.

هذا الاختلاف، في ذاته، ليس دليل أزمة؛ فكل حركات التحرر عبر التاريخ شهدت نقاشات حادة حول الاستراتيجيات والوسائل.

تبدأ الأزمة عندما ينتقل الخلاف من سؤال: “ما الطريق الأكثر فاعلية؟” إلى سؤال: “من يملك حق تعريف الوطنية؟”

عندها تتحول المقاومة من موضوع للنقاش إلى معيار للانتماء. فلا يعود المختلف شخصا يطرح قراءة أخرى للمشهد، بل يصبح معرضا لأن يُتهم بأنه خارج التصور السائد للوطنية، أو منفصل عن جوهر القضية.

وفي المقابل، قد يُتهم من يرفع شعار المقاومة بأنه يرفض السياسة، أو لا يدرك تعقيدات الواقع. ويوفر ذريعة للإبادة.  وهكذا يتحول الخلاف السياسي إلى محاكمة متبادلة للنيات والهويات.

إن المشكلة لا تكمن في وجود رؤى مختلفة حول المقاومة؛ فالتجارب الوطنية الحية لا تتقدم إلا من خلال هذا النوع من النقاش. بل تكمن في تحويل المقاومة من مفهوم سياسي يحتاج إلى التفكير والتقييم والمراجعة إلى مفهوم مغلق يُستخدم لمنح الشرعية أو سحبها.

لقد كشفت الإبادة بعد السابع من أكتوبر هذه الأزمة بأوضح صورها. ففي لحظة تاريخية ارتفعت فيها أسئلة كبرى حول معنى القوة، وحدود القانون الدولي، وفاعلية أدوات النضال، كان المجتمع الفلسطيني بحاجة إلى نقاش عميق حول التجربة وأهدافها ودروسها.

إن الدفاع عن المقاومة لا يعني تحويلها إلى فكرة فوق النقد، كما أن نقد بعض أشكالها أو مناقشة استراتيجياتها لا يعني بالضرورة نفي حق الشعب في مقاومة الاحتلال.

وبين هذين الحدين يوجد المجال السياسي الذي تحتاجه كل حركة تحرر: مجال يسمح بمراجعة الخيارات والاختلاف حولها، دون أن يتحول المختلف إلى عدو.

ثامنا :   لماذا يشكل انهيار المجال العام خطرا على مشروع التحرر الوطني؟

ليست قوة أي حركة تحرر في قدرتها على إنتاج الإجماع فقط، بل في قدرتها على إنتاج الأسئلة. فالمجتمعات التي تواجه صراعات تاريخية كبرى لا تحتاج إلى الصمت بقدر حاجتها إلى التفكير، ولا تحتاج إلى تطابق الآراء بقدر حاجتها إلى تحويل الاختلاف إلى معرفة سياسية.

لقد أظهرت تجارب حركات التحرر عبر التاريخ أن الجمود الفكري لا يقل خطرا عن الهزيمة العسكرية. فالحركة الوطنية التي تفقد قدرتها على مراجعة أدواتها، وتقييم خياراتها، والاستماع إلى نقدها الداخلي، تصبح أكثر عرضة لتكرار أخطائها؛ لأنها تفقد إحدى أهم أدوات البقاء: القدرة على التعلم.

وهذه المعضلة ليست خاصة بالحالة الفلسطينية؛ فقد واجهت حركات تحرر عديدة عبر التاريخ أسئلة مشابهة حول العلاقة بين المقاومة والتفاوض والمراجعة الداخلية. غير أن خصوصية الحالة الفلسطينية تكمن في استمرار الاستعمار الاستيطاني بالتوازي مع تآكل المرجعية الوطنية وانتقال جزء كبير من النقاش إلى فضاء رقمي شديد الاستقطاب

والتجارب التاريخية تُظهر أن الحركات التي تستبدل النقاش بالتعبئة الدائمة، أو تعتبر كل مراجعة تراجعا، وكل اختلاف انقساما، وكل نقد خيانة، تفقد تدريجيًا قدرتها على التعلم والتجدد.

لقد كانت الحركة الوطنية الفلسطينية، في مراحل عديدة من تاريخها، قوية ليس لأنها امتلكت رأيا واحدا، بل لأنها احتوت تيارات واجتهادات متعددة. ولم يكن وجود الاختلافات داخلها دليل ضعف، بل كان أحد مصادر حيويتها؛ لأنه أتاح إنتاج بدائل وقراءات متعددة للواقع.

أما حين يتحول المجال العام إلى ساحة لمحاكمات متبادلة، فإن الخاسر ليس تيارا بعينه، ولا شخصية بعينها، بل القدرة الجماعية على إنتاج رؤية للمستقبل.

فالمجتمع الذي ينشغل بتحديد من يحق له الكلام أكثر مما ينشغل بمناقشة ما يُقال، يستهلك طاقته في صراعات الشرعية بدل توجيهها نحو أسئلة التحرر الكبرى.

وفي لحظة الإبادة، تصبح هذه المسألة أكثر إلحاحا. فالكارثة التاريخية لا تحتاج فقط إلى الصمود الميداني، بل تحتاج أيضًا إلى قدرة فكرية على قراءة اللحظة، واستخلاص الدروس، وبناء استراتيجية للمستقبل. وهذه المهمة لا يمكن أن تنجزها جماعة تفقد الثقة بالحوار، أو مجتمع يخشى من طرح الأسئلة.

إن الحفاظ على المجال العام ليس ترفا ديمقراطيا مؤجلا إلى ما بعد التحرر؛ بل هو أحد شروط التحرر نفسه. فالشعب الذي يريد أن يتحرر من السيطرة الخارجية، يحتاج أيضا إلى الحفاظ على حريته الداخلية في التفكير والنقاش والاجتهاد. لأن التحرر الذي لا يحمي تعدد الأفكار معرض لأن يفقد المعنى الذي يناضل من أجله.

ولهذا فإن المعركة على المجال العام الفلسطيني ليست معركة حول أسلوب الحوار فقط، بل حول نوع المجتمع الذي نريد بناءه أثناء النضال وبعده: مجتمعا يرى في التعدد ثراءً، وفي الاختلاف مصدر قوة، أم مجتمعا يعتبر الاختلاف تهديدا يجب إسكاته.

تاسعا :    كيف نعيد بناء المجال العام الفلسطيني؟ من محاكمات الشرعية إلى سياسة إنتاج المعنى

إذا كانت أزمة المجال العام الفلسطيني تتمثل في انتقاله من إنتاج الرأي إلى إنتاج الاتهام، فإن تجاوزها لا يكون بإلغاء الخلاف أو محاولة فرض وحدة مصطنعة، بل بإعادة بناء الفضاء الذي تُدار داخله الاختلافات. فالمجتمعات لا تصبح أكثر وحدة عندما تختفي التباينات، بل عندما تمتلك القدرة على تنظيمها، وتحويلها إلى طاقة سياسية ومعرفية قادرة على إنتاج الخيارات.

إن إعادة بناء المجال العام الفلسطيني لا تعني العودة إلى نموذج سابق بحذافيره، بل تتطلب استعادة المبادئ التي تجعل الاختلاف منتجا، وتحول التعدد من مصدر انقسام إلى مصدر قوة. ويمكن تحديد أهم مرتكزات هذا البناء في أربعة مستويات مترابطة:

1. استعادة الفرق بين النقد والإدانة

يبدأ بناء مجال عام صحي بإعادة الاعتبار للفارق بين نقد الأفكار ومحاكمة أصحابها. فالنقد ينطلق من التعامل مع الفكرة بوصفها قابلة للنقاش والتطوير والمراجعة، بينما تنقل الإدانة مركز الاهتمام من مضمون الفكرة إلى الحكم على صاحبها قبل مناقشة حجته.

النقد يسأل: هل هذا الرأي صحيح؟ وهل يفسر الواقع بصورة أفضل؟

أما الإدانة فتسأل: هل يحق لهذا الشخص أن يتحدث؟

والفارق بين السؤالين هو الفارق بين مجتمع سياسي حي يختبر أفكاره، ومجتمع تتحول فيه السياسة إلى محاكمات رمزية تُوزع فيها صكوك البراءة والإدانة.

2. إعادة بناء المؤسسات الوسيطة التي تنتج المعنى السياسي

لا يمكن لأي مجال عام أن يستمر بالاعتماد على التعبير الفردي وحده. فحرية الكلام، رغم أهميتها، لا تكفي لإنتاج نقاش سياسي قادر على تحويل التعدد إلى قرار ومعرفة. ولذلك تحتاج إعادة بناء المجال العام إلى استعادة دور المؤسسات الوسيطة: الأحزاب، والنقابات، والجامعات، والمراكز البحثية، والمنابر الثقافية، والإعلامية.

وظيفة هذه المؤسسات ليست إلغاء الخلاف، بل تنظيمه؛ فهي توفر المساحات التي تتحول فيها التجارب الفردية إلى نقاش جماعي، والآراء المتفرقة إلى رؤى قابلة للتطوير، والتعدد إلى قدرة سياسية.

فالمشكلة ليست في وجود اختلافات داخل المجتمع، بل في غياب القنوات التي تجعل هذه الاختلافات منتجة بدل أن تتحول إلى صراعات على الشرعية.

3. إعادة بناء مفهوم الوطنية بوصفه إطارا جامعًا لا أداة إقصاء

يحتاج حل الأزمة الفلسطينية أيضا إلى مراجعة الطريقة التي يُفهم بها مفهوم الوطنية. فالوطنية ليست موقفا واحدا، أو قراءة واحدة، أو وسيلة واحدة من وسائل النضال، بل هي إطار جامع يتيح تعدد الاجتهادات حول الوسائل والاستراتيجيات مع الحفاظ على وحدة الهدف الوطني.

وعندما تتحول الوطنية إلى ملكية خاصة يحتكرها طرف واحد، فإنها تفقد وظيفتها الجامعة وتتحول من مساحة للالتقاء إلى أداة لإقصاء المختلف.

وينطبق الأمر ذاته على مفهوم المقاومة. فالمقاومة، لكي تبقى مشروعا سياسيا قادرا على الاستمرار، تحتاج إلى عقل نقدي يراجع أهدافها وأدواتها ونتائجها. فالحركات التي لا تراجع تجاربها لا تحافظ على قوتها، بل تخاطر بتحويل الخبرة التاريخية إلى تكرار للأخطاء السابقة.

4. تطوير أخلاقيات جديدة للفضاء الرقمي

لا تكمن المشكلة في وجود المنصات الرقمية، ولا في انتقال جزء كبير من النقاش العام إليها، بل في غياب القواعد السياسية والأخلاقية القادرة على تنظيم هذا الفضاء الجديد.

لذلك لا يتمثل الحل في رفض التكنولوجيا أو محاولة العودة إلى زمن ما قبلها، بل في تطوير ثقافة نقاش رقمية تقوم على احترام السياق، ومقاومة الاجتزاء، والتمييز بين المعلومة والرأي، وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى أداة للتخوين ولنزع الشرعية عن الآخرين.

لكن كل هذه الشروط تبقى ناقصة ما لم يُستعد المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه السياسة: أن المختلف ليس عدوا بالضرورة. ففي المجتمعات التي تخوض صراعات وجودية، يكون إغراء تحويل الاختلاف إلى خيانة كبيرا، لكن كلفة ذلك تكون باهظة؛ لأن المجتمع الذي يفقد القدرة على استيعاب تعدده يفقد جزءا من قدرته على الصمود والتجدد.

فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى صوت واحد بقدر حاجتها إلى مجتمع قادر على إنتاج أصوات متعددة تلتقي حول هدف التحرر، وتختلف حول السبل المؤدية إليه. فالتعدد ليس نقيض الوحدة، بل أحد شروط استمرارها عندما يُدار داخل إطار وطني جامع.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي يواجه الفلسطينيين اليوم ليس فقط: كيف نواجه الإبادة والاحتلال؟ بل أيضا: كيف نحافظ على قدرتنا على التفكير ونحن نواجههما؟

عاشرًا: الدفاع عن السؤال بوصفه فعلا من أفعال التحرر

ليست المعركة على المجال العام الفلسطيني معركة حول آداب الحوار فقط، ولا حول اختلافات سياسية يمكن تجاوزها، بل هي معركة حول قدرة الشعب على أن يبقى فاعلا في صناعة تاريخه. فالشعوب التي تخوض صراعات وجودية لا تُهزم فقط عندما تُنتزع منها الأرض أو تُحاصر إرادتها السياسية، بل تُهزم أيضا عندما تفقد قدرتها على إنتاج الأسئلة التي تعيد تعريف واقعها وتفتح احتمالات مستقبلها.

ولهذا فإن الدفاع عن حق السؤال ليس ترفا فكريا، ولا علامة ضعف في لحظات المواجهة، بل هو أحد أشكال المقاومة ذاتها.

إن التحرر لا يعني فقط التخلص من السيطرة الخارجية، بل يعني أيضا الحفاظ على الإنسان القادر على التفكير بحرية في شروط تحرره، وعلى مساءلة خياراته، وعلى تخيل المستقبل الذي يريد بناءه. فالقضية التي تمنع أسئلتها عن نفسها قد تحافظ على سرديتها، لكنها تخاطر بفقدان قدرتها على صناعة التاريخ.

ومن هنا فإن استعادة المجال العام الفلسطيني ليست مسألة تنظيمية أو إعلامية فقط، بل هي جزء من معركة التحرر نفسها. فالشعب الذي يملك حق السؤال يملك القدرة على إنتاج المعنى، والشعب الذي ينتج المعنى يملك القدرة على الفعل.

لذلك فإن التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين اليوم ليس فقط كيف يواجهون مشروعا يسعى إلى نفي وجودهم، بل كيف يحافظون، في قلب هذه المواجهة، على الشرط الذي يجعل وجودهم التاريخي ممكنا: أن يبقوا مجتمعا قادرا على التفكير، والاختلاف، وإنتاج رؤية مشتركة للمستقبل.

فالتحرر لا يبدأ فقط عندما نستعيد الأرض، بل عندما نستعيد الإنسان القادر على التفكير فيها، وعلى مساءلة الطريق إليها، وعلى تخيل ما بعدها.

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.