
نابلس – خاص: أكد شخصيات فلسطينية أن التغيير المطلوب لكي تتجاوز الحالة الفلسطينية المأزق الراهن لا ينبغي أن يقتصر على تبديل الأسماء أو تشكيل كيانات جديدة، بل يتطلب تغييرًا في الفكر السياسي ذاته، وإعادة تعريف العلاقة مع الاحتلال بصفته مشروعًا استعمارياً استيطانيًا، والتوافق على الخيارات الإستراتيجية الأكثر جدوى في إعادة بناء حركة التحرر الوطني الفلسطينية كنقيض للمشروع الاستعماري، والانخراط في حراك عالمي متصاعد ضد هذا المشروع، واستثمار التضامن الدولي غير المسبوق في استنهاض الحالة الوطنية والشعبية الفلسطينية.
جاء ذلك خلال ورشة حوارية نظمها المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية (مسارات) في جمعية بذور للتنمية والثقافة بمدينة نابلس، بحضور عشرات الشخصيات السياسية والأكاديمية والشبابية، لعرض ومناقشة مسودة دراسة "معضلات التغيير في النظام السياسي الفلسطيني وآفاق تبلور تيارات جديدة"، التي أعدها فريق بحثي ضمن مشروع "استعادة الفاعلية الفلسطينية من خلال المجتمع المدني والمشاركة السياسية والتماسك الاجتماعي – روافد".
وأدار الورشة الأكاديمي د. رائد الدبعي، الذي رحب بالحضور، وأكد أهمية هذه الورشات كمنصة للاستماع لآراء القطاعات والفئات المختلفة، والتفكير الجماعي في طبيعة التحولات السياسية الجارية وتقديم رؤى نقدية وسياساتية تتماشى مع حجم التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية، وتجاوز خطابات التوصيف إلى آليات البناء والعمل.
وفي كلمته الافتتاحية، أوضح مدير عام مركز مسارات، هاني المصري، أن الدراسة جاءت استجابة لحالة المأزق الشامل التي تمر بها الحركة الوطنية الفلسطينية، مؤكدًا أن ما يواجهه الفلسطينيون لا يقتصر على أزمة سياسية عابرة، وإنما هو حصيلة تراكمات طالت الفكر السياسي، والنظام السياسي، والمؤسسات الوطنية، وأشكال العمل المختلفة. وشدد على أن تجاوز هذا الواقع يتطلب جهدًا وطنيًا جماعيًا وحوارًا واسعًا يشارك فيه مختلف الفاعلين. وأضاف أن الدراسة لا تنطلق من الدعوة إلى إنشاء "تيار ثالث" بالضرورة، وإنما تبحث في الظروف التي قد تفضي إلى تبلور تيارات سياسية جديدة، وأشكال العمل القادرة على تجديد الحياة السياسية الفلسطينية وتعزيز المشاركة الشعبية واستعادة الفاعلية الوطنية.
ونوه المصري إلى أن الدراسة ما تزال في مرحلة المسودة، وأن الهدف من تنظيم هذه الورشة وسلسلة الورشات اللاحقة هو إخضاعها للنقاش والإثراء، بما يضمن تطويرها استنادًا إلى الملاحظات والأفكار التي يقدمها المشاركون، وصولا إلى تنظيم مؤتمر موسع لمناقشة الدراسة في الثامن والعشرين من الشهر القادم، بمشاركة واسعة من مختلف التجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات.
من جانبه، قدم د. حسن أيوب، الباحث الرئيسي للدراسة، عرضاً لأبرز المحاور والاستنتاجات في فصول الدراسة التي شارك في إعدادها فريق بحثي من 12 باحثاً وباحثة، غالبيتهم من الشباب، موضحًا أنها لم تأتِ كمنتج أكاديمي منغلق، بل هي ثمرة حوارات معمقة شملت قطاع غزة والضفة الغربية وأراضي 48 والشتات. وأكد أن الدراسة تمثل جهدًا بحثياً لتحليل الإشكاليات، وليست تعبيرًا عن موقف سياسي لمركز مسارات، الذي يظل منفتحًا على كافة الآراء.
وعكست مداخلات المشاركين والمشاركات تنوعًا في الرؤى وتشخيصًا عميقاً للأزمة. ففي سياق الحديث عن الحاجة إلى مسار سياسي جديد، تساءل بعض المشاركين حول ما إذا كان "التيار الثالث" مطلبًا وطنيًا ملحًا أم مجرد إعادة إنتاج لتجارب سابقة، مشددين على أن أي مشروع تغييري يجب أن يستند إلى برنامج سياسي واضح، واستراتيجية نضالية متفق عليها، بعيدًا عن تداخل المصالح الفردية والفئوية. وركزت مداخلات أخرى على أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في غياب التيارات أو الأحزاب، بل في انسداد الأفق السياسي وغياب البرامج القابلة للحياة، وفي انفصال السياسي عن الوطني والاجتماعي.
وتناول النقاش علاقة أي تيار سياسي جديد بالقوى والمؤسسات الوطنية القائمة، حيث طُرحت تساؤلات حول ما إذا كان هذا التيار سيأتي على أنقاض حركة التحرر الوطني الفلسطيني، أم إصلاحًا لبنيتها وبرامجها، أم أنه يمكن أن يشكل عامل ضغط لتجديد المنظمة والقوى الحالية. وفي هذا الإطار، ناقش المشاركون إشكالية التمثيل السياسي في ظل غياب الانتخابات وتآكل الشرعيات، معتبرين أن الانتخابات وحدها ليست حلًا سحريًا في ظل الاحتلال، بل يجب أن تسبقها توافقات وطنية حول "العقد الاجتماعي" والأسس التي يقوم عليها المشروع الوطني.
كما سلط الحضور الضوء على البعد الاقتصادي والاجتماعي كعنصر أساسي في أي مشروع تغييري، مشيرين إلى أن هموم الناس اليومية، من معيشة وبطالة وأمن، لم تعد منفصلة عن السياسة، بل أصبحت هي السياسة نفسها. وطالب مشاركون بإشراك الشباب فعليًا في صنع القرار، والاستفادة من دروس وتجارب الماضي التي تعثرت بسبب غياب الجذور المجتمعية وارتهانها للتمويل الخارجي أو للنخبوية الضيقة.