تحليل سياسات - تعزيز فاعلية التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية: دروس مستفادة من تجربة مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا
433
    

هذه الورقة من إعداد ريناد المجدلاوي، ضمن إنتاج أعضاء "منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الإستراتيجي" الذي يشرف عليه مركز مسارات.**

مقدمة

يؤدي التضامن الدولي دورًا مهمًا في دعم حركات التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار، حيث يساعد على إبراز القضايا العادلة على الساحة الدولية وجمع الدعم السياسي والاقتصادي والحقوقي لها. وأظهرت التجارب التاريخية أن فاعلية هذا التضامن تتجاوز حجم الدعم المقدم، إذ تعتمد على قدرته في التأثير على مواقف الحكومات والمؤسسات الدولية، وتحفيزها على تبني سياسات وإجراءات ملموسة، ومن أمثلة ذلك، جهود المقاومة ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، حيث أدى التضامن الدولي إلى ضغط سياسي واقتصادي ساهم في إنهاء نظام التمييز العنصري.

على الرغم من أن القضية الفلسطينية تحظى منذ سنوات بدعم وتضامن دولي رسمي وشعبي بمستويات متفاوتة، فإن تأثير هذا التضامن على مجرى الصراع لا يزال محدودًا مقارنة بما حدث في حالة جنوب أفريقيا. ويثير هذا الواقع أسئلة مهمة عن العوامل التي تعزز أو تعوق فاعلية التضامن الدولي، ومدى الاستفادة من التجارب السابقة لتطوير إستراتيجيات أكثر فاعلية في دعم الحقوق الفلسطينية.

تنطلق الورقة من فرضية مفادها أن محدودية تأثير التضامن الدولي في القضية الفلسطينية لا تعود فقط إلى ضعف التعاطف العالمي، بل تتصل بمجموعة من العوامل السياسية والجيوسياسية والمؤسسية التي تحد من قدرته على أن يتحول إلى ضغط دولي فعّال.

المشكلة السياساتية

تتمثل المشكلة السياساتية في أن التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية، على الرغم من اتساعه الشعبي والرسمي، لم ينجح حتى الآن في التحول إلى ضغط دولي منظم ومستدام قادر على تغيير سلوك إسرائيل، أو دفع القوى الدولية المؤثرة لتبني إجراءات سياسية واقتصادية وقانونية ملزمة.

تظهر هذه المشكلة بوضوح عند مقارنة الحالة الفلسطينية بتجربة جنوب أفريقيا، حيث نجحت حركة مناهضة الفصل العنصري في تحويل التضامن الأخلاقي والشعبي إلى عزلة دبلوماسية وعقوبات اقتصادية وضغط دولي واسع. في المقابل، تواجه الحالة الفلسطينية عددًا من العوائق التي تحد من فاعلية التضامن، أبرزها تشتت القيادة السياسية الفلسطينية، وضعف توحيد الخطاب الدولي، وغياب آلية تنسيق مؤسسية بين العمل الرسمي والشعبي والحقوقي، إضافة إلى البيئة الجيوسياسية التي توفر لإسرائيل حماية من بعض القوى الدولية الكبرى.

ومن هنا، لا تتمثل المشكلة في ضعف التضامن بحد ذاته، بل في ضعف تحويل هذا التضامن إلى أدوات ضغط مؤثرة ومنظمة.

الهدف الرئيسي

وضع سياسات من شأنها تعزيز فاعلية التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية.

الأهداف الفرعية

  • تحليل عوامل نجاح التضامن الدولي في جنوب أفريقيا.
  • تحديد العوامل التي تضعف فاعلية التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية.
  • اقتراح سياسات لدعم تأثير حملات التضامن الدولية.
  • استخلاص الدروس المستفادة من تجربة جنوب أفريقيا.
  • تطوير خيارات سياساتية لتعزيز فاعلية التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية.

تحليل الواقع السياساتي

أولًا: السياق العام للتضامن الدولي في حركات مناهضة الاستعمار

أدى نظام الفصل العنصري والقمع المنظم، الذي أُسِّسَ عام 1948، إلى ظهور حركة مناهضة للفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ونمت جماعات المقاومة أو حركات التحرر، مثل المؤتمر الوطني الأفريقي، على الصعيدين الوطني والعالمي مع مرور الوقت. وقد حظي النضال باهتمام دولي واسع النطاق بحلول السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ما أدى إلى إطلاق حملات عالمية واسعة تدعو إلى المقاطعة الثقافية، وسحب الاستثمارات، وفرض عقوبات على حكومة الفصل العنصري[1]. من جهة أخرى، تتجذر المقاومة الفلسطينية في إطار أوسع من الاحتلال الطويل الأمد، والتهجير، والاستعمار الاستيطاني. وقد هيمن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية على السياسة العالمية منذ عام 1967. وعلى الرغم من وجود بعض التعاطف والدعم العالمي للقضية الفلسطينية، فإن هذا التضامن لم يُفضِ إلى القدر نفسه من الضغط الدولي المنسق الذي شهدناه في وضع جنوب أفريقيا[2]. وقد مرّ التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية، قبل حرب الإبادة على غزة، بمحطات مفصلية كان يُفترض أن تُنتج مسارًا شبيهًا بتجربة جنوب أفريقيا: تصريح مؤتمر ديربان لمناهضة العنصرية عام 2001 الذي وصف السياسات الإسرائيلية بـ"الفصل العنصري"، ونداء 2005 الذي وجّهته أكثر من 170 منظمة من منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، الذي دعا إلى حملة حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) على غرار الحملة التي استهدفت نظام الفصل العنصري. غير أن هذه المحطات، مع أهميتها الرمزية، لم تُترجم إلى ضغط دولي منسّق مماثل؛ إذ ظلت حملة المقاطعة مبادرة مجتمعية بالدرجة الأولى تفتقر إلى غطاء حكومي رسمي يحوّلها إلى عقوبات ملزمة خلافًا لجنوب أفريقيا، حيث تضافرت العقوبات الحكومية مع الضغط الشعبي[3]. وتؤكد الأدبيات الأكاديمية الحديثة التي تقارن مباشرة بين التجربتين وجود فروق جوهرية في السياق والخطاب بين الحالتين[4]. وفي ضوء ذلك، لا يعني محدودية تأثير التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية قبل عام 2023 غياب أوجه التشابه التاريخية بين حالتي فلسطين وجنوب أفريقيا. فكلا النموذجين يتضمنان أنظمة هيمنة وسيطرة، وحركات مقاومة تسعى إلى إنهاء واقع سياسي قائم على التمييز والحرمان من الحقوق. غير أن الاختلاف الجوهري يكمن في طبيعة الاستجابة الدولية والبيئة الجيوسياسية المحيطة بكل حالة. فمنذ بداية الحرب على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، برز هذا التقارب التاريخي بين الحالتين بصورة أوضح، خاصة مع اضطلاع جنوب أفريقيا بدور مباشر استنادًا إلى تجربتها في مناهضة الفصل العنصري، من خلال رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة[5]. ويعكس هذا التطور تصاعدًا نوعيًا في مستوى التضامن الرسمي الدولي مقارنة بالعقود السابقة، إلا أنه لا يلغي استمرار التحدي الأساسي المتمثل في تحويل هذا الزخم القانوني والسياسي إلى ضغط دولي مستدام وملزم[6].

ثانيًا: عوامل نجاح التضامن الدولي في تجربة جنوب أفريقيا

كانت حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا من أبرز الأمثلة على الضغوط العابرة للحدود في التاريخ الحديث، حيث تميزت بتعاون كبير بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية. عُزلت إدارة الفصل العنصري بشكل منهجي عبر المقاطعة الثقافية، وحملات سحب الاستثمارات، والعقوبات الاقتصادية. ودعمت حركات المجتمع المدني الدولية هذه الإجراءات، التي كانت مدفوعة من الدولة، وهو ما ساعد في الحفاظ على الضغط مع مرور الوقت.

أدت معايير دولية قوية لمكافحة التمييز العنصري دورًا حاسمًا في نجاح هذه المبادرات. وغيّرت مصالح الدول بفعل هذه المعايير، خاصة في الغرب، ما دفعها إلى اتخاذ إجراءات عقابية كانت تعارضها سابقًا[7]، ونتيجة لهذا التغيير، أصبح الفصل العنصري قضية أخلاقية عالمية. إضافة إلى ذلك، قدم المؤتمر الوطني الأفريقي قيادة موحدة نسبيًا، ما ساعد على توحيد الرسائل والتفاعل مع الجهات الدولية. وأتاح الخطاب الأخلاقي الذي وصف نظام الفصل العنصري بمخالفة صارخة للمساواة بين البشر، حشد دعم دولي كبير. وكذلك أدت الحجج الأخلاقية دورًا مهمًا في جذب الدعم العالمي، خاصة أن الأطر الأخلاقية يمكن أن تؤثر على النتائج السياسية[8].

إن الإطار المعياري القوي، والقيادة الموحدة، والبيئة الدولية الداعمة كلها عوامل رئيسية في نجاح التضامن الدولي ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وتُظهر هذه العوامل أن نجاح التضامن الدولي في تجربة جنوب أفريقيا لم يكن نتيجة التعاطف الأخلاقي وحده، بل نتج من قدرة حركة مناهضة الفصل العنصري على تحويل هذا التعاطف إلى ضغط سياسي واقتصادي ودبلوماسي منظم. ومن هنا، تبرز أهمية هذه التجربة بالنسبة إلى الحالة الفلسطينية، ليس بوصفها نموذجًا قابلًا للاستنساخ الكامل، بل باعتبارها إطارًا مقارنًا يساعد على تحديد عناصر القوة والضعف في التضامن الدولي مع فلسطين. فغياب أو ضعف بعض هذه العناصر في الحالة الفلسطينية، مثل وحدة القيادة السياسية، وتنسيق الخطاب، واستمرارية الضغط الحكومي والمؤسسي، يفسر جزئيًا محدودية قدرة التضامن الدولي على إنتاج نتائج سياسية ملزمة.

 ثالثًا: التحديات التي تحد من فاعلية التضامن الدولي في الحالة الفلسطينية

على الرغم من أهمية التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية، فإن نتائجه لم ترقَ إلى مستوى التوقعات. توجد أشكال دعم متعددة، مثل المساعدات الإنسانية، والاعتراف الدبلوماسي، وحملات المناصرة الدولية، بما فيها حركة مقاطعة إسرائيل (BDS). ومع ذلك، فإن تأثير هذه المبادرات في فرض ضغط دولي موحد ومنسق محدود. ومن المشكلات الأساسية لذلك تشتت القيادة السياسية الفلسطينية، الذي يقوّض تماسك سياستها الخارجية، ما يصعّب جمع دعم دولي قوي أو توصيل خطاب موحد. ويضاف إلى ذلك أن إمكانات التضامن الدولي لتغيير الواقع الفلسطيني محدودة، إذ غالبًا ما يعزز الدعم الخارجي الاعتماد على الآخرين بدلًا من تمكين إستراتيجية موحدة للمقاومة[9].

على الرغم من أن الحرب الإبادة على غزة أدت إلى تصعيد غير مسبوق في زخم التضامن الشعبي والرسمي، وإلى تصاعد ملموس في عزلة الاحتلال دوليًا — كما تجلى في دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية[10]، والفتوى الصادرة عن المحكمة ذاتها في تموز/ يوليو 2024 التي قضت بعدم شرعية استمرار الاحتلال الإسرائيلي[11] — فإن مشكلة تشتت القيادة السياسية الفلسطينية لا تزال قائمة، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل يمكن لهذا الزخم الدولي المتصاعد أن يتحول إلى ضغط سياسي فعلي في ظل استمرار هذا التشتت الداخلي، أم أن غياب التوحد القيادي سيبقى العائق الأساسي أمام ترجمة التعاطف العالمي إلى تغيير حقيقي في السياسات؟

رابعًا: التحليل المقارن

لا يُعتمد نجاح التضامن الدولي على المساعدات الخارجية فقط، بل يتوقف على التفاعل بين العوامل الداخلية والخارجية، كما يظهر عند مقارنة حالة فلسطين بجنوب أفريقيا.

  1. تؤدي الاتفاقيات الدولية دورًا رئيسيًا، حيث وفرت المعارضة العالمية للفصل العنصري أساسًا قويًا للعمل الجماعي في حالة جنوب أفريقيا. وغيرت هذه المعايير سلوك الدول، ما سمح بالعزلة الدبلوماسية وفرض العقوبات[12]. أما القضية الفلسطينية، فتفتقر إلى مستوى مماثل من الإجماع الدولي؛ نظرًا إلى استمرار الاختلاف في وجهات نظر الأطراف الدولية بشأن الصراع.
  2. تؤثر الوحدة السياسية الداخلية بشكل كبير على فاعلية التضامن الدولي، إذ استطاع المؤتمر الوطني الأفريقي التواصل مع الجهات الدولية الفاعلة، لأنه يمثل فعلًا حركة مناهضة الفصل العنصري، وذلك بفضل قيادته الموحدة. في المقابل، يُقلل الانقسام السياسي داخل الحركة الفلسطينية من مصداقيتها على المستوى الدولي، ويجعل من الصعب جمع دعم خارجي مستدام.
  3. يُعتبر المناخ الجيوسياسي عاملًا مهمًا، إذ أصبح عزل نظام الفصل العنصري ممكنًا مع تراجع تأثيرات الحرب الباردة وتصاعد الضغوط الدولية. أما القضية الفلسطينية، فتُناقش في إطار جيوسياسي، حيث تحمي الدول الكبرى إسرائيل بشكل كبير من العقوبات الدولية، ما يقلل من فاعلية جهود التضامن.
  4. تختلف فاعلية أنظمة التضامن بشكل كبير، فبينما كانت العقوبات الاقتصادية والضغوط المؤسسية في جنوب أفريقيا تُطبَّق بشكل منتظم وتُحافظ عليها، يعتمد التضامن في فلسطين بشكل أساسي على المجتمع المدني وليس على الجهات الحكومية، ما يُقلل من قدرته على إحداث تغييرات هيكلية. توضح هذه الاختلافات أن نجاح التضامن الدولي يتوقف على توافق العوامل المعيارية والسياسية والهيكلية، ما يُقلل من قدرته على إحداث تغييرات هيكلية، إذ يفتقر إلى الدعم الحكومي المنهجي والمستمر الذي يحوّل الضغط الشعبي إلى إجراءات ملزمة[13].

خامسًا: التحولات الجديدة في بيئة التضامن الدولي

شهدت العقود الأخيرة تغيرات جوهرية في طبيعة التضامن الدولي وأدواته، ما كان له تأثير مباشر على قضايا حقوق الإنسان وحركات التحرر الوطني. ففي حين اعتمدت حركات التضامن، خلال فترة مقاومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، على الأحزاب السياسية والنقابات ووسائل الإعلام التقليدية، أصبح اليوم الفضاء الرقمي من أهم ساحات التأثير والتعبئة عبر الحدود، حيث توفر منصات التواصل الاجتماعي والإعلام البديل إمكانيات غير مسبوقة لنشر المعلومات، وتوثيق الانتهاكات، وحشد الرأي العام العالمي بشكل فوري. وأكد تقرير موسع من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة أن وسائل التواصل الاجتماعي، للمرة الأولى، صارت المصدر الأول للأخبار على مستوى العالم لدى جميع الفئات، متجاوزةً الوسائل الإعلامية التقليدية[14]. وخلال وقت قصير، تطورت وسائل التواصل الاجتماعي لتصبح منصات ذات تأثير عميق على المستويات الفردية والجماعية والرسمية، حيث أصبح لها دور كبير في تشكيل الرأي العام وتأثير توجهات وسياسات الدول. وعلى الرغم من تنوع هذه المنصات واختلاف خصائصها، فإنها تؤدي أدوارًا متقاربة في تعزيز الوعي والتأثير في المجال العام، ما يتطلب استخدامًا إستراتيجيًا لها لخدمة القضايا الوطنية وتقوية مصالح الشعوب والأمم[15].

في الحالة الفلسطينية، ساهمت هذه الأدوات في رفع الوعي العالمي بالقضية، خاصة منذ بدء الإبادة الجماعية في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث أصبح من الممكن للأفراد والمؤسسات توصيل الرواية الفلسطينية إلى جمهور عالمي واسع من دون الاعتماد بشكل كامل على وسائل الإعلام التقليدية. كما أدت الحملات الرقمية دورًا في تعزيز التواصل بين الناشطين والمنظمات الحقوقية والأكاديمية في مختلف الدول، ما أدى إلى توسع شبكات التضامن عبر الحدود. إضافة إلى ذلك، اضطلعت منصات التواصل الاجتماعي بدور أكبر في نشر الرواية الفلسطينية على الصعيد الدولي، خاصة عندما شاركت شخصيات مؤثرة من مجالات غير سياسية، مثل الفن والرياضة والترفيه والألعاب الإلكترونية، لتسليط الضوء على التطورات في فلسطين. وساعد هذا في جذب مزيد من الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وتعزيز حضورها في النقاشات العامة داخل المجتمعات العربية والإسلامية والدولية، مقارنة بالفترات السابقة[16].

ومع هذا التحول في بيئة التضامن الدولي، برز المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي كفاعلين جدد في جمع الدعم للقضية الفلسطينية. ويتركز دورهم على أربعة محاور رئيسية: إنتاج المحتوى وترجمته ونشره لزيادة الوعي بالقضية بين مختلف الجنسيات، وإعادة نشر محتوى صانعي المحتوى الفلسطينيين لتعزيز انتشاره، ودعم حملات المقاطعة والترويج للبدائل، وجمع التبرعات للمشاركة في المظاهرات والفعاليات التضامنية في الخارج، ما يسهم في توسيع الرواية الفلسطينية وتعزيز التضامن الشعبي العالمي[17].

لم تقتصر حملات التضامن على وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، بل رافقتها أطر أكثر تنظيمًا على المستويين الشعبي والرسمي. فعلى المستوى الشعبي والمؤسسي، أدت حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) دورًا تنظيميًا يتجاوز التعبئة الرقمية العفوية، إذ استندت إلى شبكات نقابية وأكاديمية وحقوقية راكمت خبرة تنظيمية منذ 2005[18]. أما على المستوى الرسمي والدبلوماسي، فقد شهدت المرحلة اللاحقة للإبادة تحركًا حكوميًا غير مسبوق تمثّل في دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية عام 2024، وفتوى المحكمة ذاتها بعدم شرعية الاحتلال في العام ذاته، إضافة إلى موجة اعترافات رسمية متتالية في دولة فلسطين من عدد من الدول الأوروبية. ويكشف تقييم هذا الدور عن فجوة بحثية جوهرية: فبينما تصاعد الزخم الرقمي والشعبي بشكل لافت، ظل التنسيق بين هذا الزخم والمستوى الدبلوماسي الرسمي محدودًا وغير ممأسس، وهي الفجوة التي تستدعي اقتراح بدائل سياساتية تُعنى بردم الانفصال بين التعبئة الشعبية والعمل الدبلوماسي الرسمي.

ومع ذلك، فإن مجرد وجود مساحة رقمية واسعة لا يضمن دائمًا تحقيق تأثير سياسي ملموس. فالتضامن الرقمي يواجه تحديات عديدة، مثل تشتت الرسائل، وانتشار المعلومات الزائفة، وصعوبة تحويل التفاعل الإلكتروني إلى ضغط مستدام على المؤسسات. إضافة إلى ذلك، قد يُقيد نفوذ الشركات المالكة للمنصات وخوارزميات النشر وصول بعض المحتويات، أو يقلل من استمرارية الاهتمام بالقضايا الإنسانية على المدى الطويل.

لتحقيق استفادة فعالة من التحول الرقمي، من الضروري الانتقال من مجرد حملات التوعية الإلكترونية إلى تطوير إستراتيجيات أكثر تكاملًا تربط بين الأنشطة الرقمية والدبلوماسية والحقوقية. ويمكن لهذا التكامل أن يحول التعاطف الشعبي العالمي إلى أدوات ضغط أكثر فاعلية واستدامة، ما يعزز فرص التأثير على مواقف الحكومات والمؤسسات الدولية بشأن الحقوق الفلسطينية.

البدائل السياساتية

استنادًا إلى تحليل تجربة التضامن الدولي في جنوب أفريقيا والتحديات التي تؤثر على فاعلية التضامن مع القضية الفلسطينية، يمكن تحديد ثلاثة بدائل سياسية لتعزيز أثر التضامن.

البديل الأول: الاستمرار في نمط التضامن الدولي الحالي مع تحسين التنسيق بين الفاعلين

يعتمد هذا البديل على الحفاظ على فاعلية الأطر الحالية للتضامن الدولي، من خلال تحسين التنسيق بين المؤسسات الفلسطينية، ومنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، وغيرها من الشبكات الدولية الداعمة للقضية الفلسطينية بشكل تدريجي.

ويركز هذا البديل على توحيد الخطابات الإعلامية، وتبادل المعلومات، وتحسين التوافق بين حملات المناصرة الدولية. ويتميز بانخفاض تكلفته السياسية وسهولة تنفيذه، حيث يعتمد على الهيكليات والشبكات الموجودة، ويقلل من آثار الانقسام بين الفاعلين الدوليين والمحليين. ومع ذلك، فإن قدرته على إحداث تغييرات جوهرية في مواقف الدول أو التأثير في السياسات الدولية ستكون محدودة؛ لأنه لا يعالج العوامل البنيوية التي تُضعف فاعلية التضامن، مثل الانقسام السياسي الفلسطيني واختلال موازين القوى في النظام الدولي[19]. وتشير  دراسات إلى أن حملات المناصرة التي تفتقر إلى قيادة موحدة وأهداف واضحة غالبًا ما تزيد الوعي الدولي، ولكن تواجه صعوبة في تحويل هذا التعاطف إلى سياسات حكومية ملزمة[20].

البديل الثاني: تعزيز الدبلوماسية الفلسطينية وتوحيد الخطاب وبناء تحالفات رسمية

يركز هذا البديل على تعزيز فاعلية الدبلوماسية الفلسطينية من خلال صياغة خطاب سياسي موحد يعتمد على مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، وتوسيع التحالفات مع الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية، لتعزيز القدرة على التأثير في عمليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات الدولية، وذلك بالاستفادة من تجربة المؤتمر الوطني الأفريقي الذي تمكن من توحيد الخطاب السياسي وتقديمه كممثل رئيسي لحركة التحرر، ما أدى إلى بناء إجماع دولي حول شرعية مطالبه، وسهل فرض العقوبات والعزلة الدبلوماسية على نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا[21].

من المتوقع أن يسهم هذا البديل في تعزيز الموقف الفلسطيني على المستوى الدولي، وزيادة فرص إصدار مواقف وقرارات داعمة على المستويين الحكومي والشعبي. ويستمد هذا البديل قوته من ارتكازه على أطر القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية القائمة، وهو ما يمنحه غطاءً معياريًا يصعب الطعن فيه. أما من حيث القبول، فمن المرجح أن يحظى بتأييد واسع من الدول العربية والإسلامية ومن دول غربية متعاطفة، غير أن قبوله لدى الدول الحليفة لإسرائيل سيبقى محدودًا ما لم يقترن بضغط شعبي موازٍ. أما من حيث القابلية للتنفيذ، فالتحدي الأكبر لا يكمن في صياغة الخطاب الموحد نظريًا، بل في تجاوز الانقسام الفلسطيني الداخلي القائم فعليًا.

إن نجاح هذا البديل لا ينبغي أن يُشترط بتجاوز الانقسام السياسي الداخلي كخطوة أولى؛ إذ تُظهر التجربة العملية أن الأطر السياسية والدبلوماسية قادرة على التحرك فعليًا في ظل الظروف الراهنة. فموجة الاعترافات الأوروبية المتتالية في دولة فلسطين — التي شملت حتى أيلول/سبتمبر 2025 كلًا من فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال وبلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا وأندورا وموناكو، ليصل عدد الدول المعترفة إلى أكثر من 150 دولة — تحققت في خضم استمرار الانقسام الفلسطيني الداخلي من دون أن ينتظر صانعو القرار حله[22].

وبناء عليه، فإن بلورة رؤية وطنية موحدة وخطة عمل وطنية مشتركة تبقى ضرورية لتعظيم فاعلية هذا البديل واستدامته على المدى الطويل، لكنها ينبغي أن تُبنى بالتوازي مع التحرك الدبلوماسي، لا كشرط مسبق يُعطّله. فالدبلوماسية، بطبيعتها، لا تنتظر دائمًا اكتمال التوافق الداخلي، بل يمكن أن تتحرك ضمن الهوامش المتاحة من أجل تثبيت الحقوق الفلسطينية في الخطاب الدولي، واستثمار قرارات الشرعية الدولية، وتوسيع دائرة التأييد السياسي والقانوني للقضية الفلسطينية.

إن تقليل الانقسام وبلورة رؤية وطنية مشتركة لا يمثلان شرطًا لوجود الفعل الدبلوماسي، بقدر ما يمثلان عاملًا معززًا لفاعليته وقدرته على تحقيق نتائج أكثر تأثيرًا. لذلك، فإن التحدي لا يتمثل في غياب إمكانية التحرك الدبلوماسي في ظل الانقسام، بل في محدودية هذا التحرك إذا لم يُدعَم بخطة وطنية مشتركة وخطاب سياسي أكثر اتساقًا. فالانقسام الداخلي قد يضعف الرسالة السياسية الفلسطينية، ويمنح الأطراف المناوئة فرصة للتشكيك في وحدة التمثيل والموقف، لكنه لا يلغي إمكانية العمل الدبلوماسي، ولا يمنع توظيف القانون الدولي وحقوق الإنسان كأدوات مركزية في مواجهة السياسات الإسرائيلية. لذلك، يبدو هذا البديل قابلًا للتنفيذ بدرجة معقولة في المدى القصير، على أن ترتفع فاعليته تدريجيًا كلما تطورت درجة التنسيق الداخلي وتبلورت رؤية وطنية أكثر وضوحًا.

البديل الثالث: تبني إستراتيجية تضامن دولي متعددة المستويات

يعتمد هذا البديل على إستراتيجية شاملة تستخدم بشكل متزامن مختلف أدوات التأثير الدولية، حيث تدمج بين الدبلوماسية الرسمية، وحملات المجتمع المدني، والآليات القانونية الدولية، والأدوات الاقتصادية والإعلامية في إطار إستراتيجي موحد؛ يوضح الأدوار والأولويات ومؤشرات الأداء.

يستند هذا البديل إلى الأدبيات الحديثة التي تؤكد أن فاعلية حملات التضامن الدولي تعتمد على دمج الضغوط الرسمية وغير الرسمية، وبناء تحالفات عبر الحدود، إضافة إلى استغلال القانون الدولي وآليات المساءلة الدولية وأدوات المناصرة الشعبية[23].

كما يستفيد من تجربة جنوب أفريقيا، التي لم يكن نجاحها مجرد صدفة أو نتيجة العقوبات الاقتصادية وحدها، بل نتيجة تفاعل الضغوط الحكومية، وحملات المقاطعة، والضغط الشعبي، والدبلوماسية الدولية ضمن إستراتيجية متكاملة استمرت لسنوات[24]. ويُعطى هذا البديل أهمية كبيرة لأنه يحقق نتائج تراكمية طويلة الأمد، تعزز التأثير على الرأي العام وصناع القرار على حد سواء. ويتميز كذلك بمرونته في استخدام أدوات متنوعة تتكيف مع متغيرات البيئة الدولية.

ويتطلب نجاح البديل تنظيمًا مؤسسيًا قويًا، وتنوع الموارد البشرية والمالية بشكل كافٍ، ووجود إطار وطني متين قادر على إدارة العلاقات مع الفاعلين الدوليين المختلفين. ومن حيث قابلية التنفيذ، يُعد أكثر تطلبًا من الناحية المؤسسية، إذ يستلزم إنشاء آلية تنسيق وطنية قادرة على إدارة مسارات متعددة (دبلوماسية، حقوقية، إعلامية، شعبية) في آن واحد، وهو ما يتطلب وقتًا أطول للبناء المؤسسي مقارنة بالبديلين الأول والثاني. أما من حيث الكلفة، فهي مرتفعة نسبيًا على المدى القصير لجهة الموارد البشرية والمالية والتنسيقية اللازمة، إلا أن هذه الكلفة تُقابلها عوائد تراكمية طويلة الأمد تجعل الكلفة الإجمالية على مدى زمني ممتد أقل مقارنة بكلفة استمرار محدودية التأثير التي يفرضها البديلان الآخران.

محاكمة البدائل

تُقيم البدائل المقترحة بناءً على خمسة معايير رئيسية: الفاعلية في تحقيق الأهداف، وسهولة التنفيذ، والتكلفة السياسية، والاستدامة، والقدرة على التأثير في السياسات الدولية. ويُستخدم هذا المنهج لتحديد البديل الأكثر ملاءمة[25].

البديل الثالث: إستراتيجية متعددة المستويات

البديل الثاني: تعزيز الدبلوماسية وتوحيد الخطاب

البديل الأول: تحسين التنسيق

المعيار

مرتفعة جدًا

مرتفعة

متوسطة

الفاعلية

متوسطة

متوسطة

مرتفعة

قابلية التنفيذ

مرتفعة نسبيًا

متوسطة

منخفضة

الكلفة السياسية

مرتفعة جدًا

مرتفعة

متوسطة

الاستدامة

مرتفع جدًا

مرتفع

محدود

التأثير في السياسات الدولية

 استُندت الأوزان النسبية الواردة في الجدول (منخفضة، متوسطة، مرتفعة) إلى تقييم نوعي مقارن بين البدائل الثلاثة وفق كل معيار على حدة، وليس إلى قياس كمي مستقل لكل بديل. فعلى سبيل المثال، صُنّفت "الفاعلية" في البديل الثالث بأنها "مرتفعة جدًا" مقارنة بالبديلين الآخرين، لأنه الوحيد الذي يجمع بين الأدوات الرسمية وغير الرسمية معًا، بينما صُنّفت كلفته السياسية بأنها "مرتفعة نسبيًا" لأنه يتطلب مواجهة مباشرة أوسع مع الأطراف الحليفة لإسرائيل مقارنة بالبديل الأول الأكثر تحفظًا. هذا التقييم النوعي المقارن متسق مع منهجية بارداش وباتاشنيك[26] في تحليل السياسات، التي توصي بالمقارنة النسبية بين البدائل على أساس كل معيار حين يتعذر القياس الكمي الدقيق.

عند مقارنة الخيارات، يتضح أن البديل الأول سهل التنفيذ وذو تكلفة سياسية منخفضة، لكنه يظل محدود التأثير، لأنه يقتصر على تحسين العمليات الحالية من دون معالجة الأسباب الأساسية التي تقلل من فاعلية التضامن الدولي. لذلك، لا يُتوقع أن يحدث هذا البديل تغيّرًا ملموسًا في مواقف الحكومات أو المؤسسات الدولية، ولكنه يعزز فقط كفاءة الجهود المبذولة.

أما البديل الثاني، فيعزز فرصة أكبر للتأثير على السياسات الدولية من خلال تطوير الدبلوماسية الفلسطينية، وتوحيد الخطاب السياسي، وبناء تحالفات رسمية مع الدول والمنظمات الدولية الفاعلة. وعند النظر إلى عوامل نجاح تجربة جنوب أفريقيا، التي كانت تتمثل في وجود قوة سياسية موحدة استطاعت بناء شرعية دولية وجمع دعم رسمي واسع، يتبين أن نجاح هذا البديل يعتمد بشكل كبير على مدى التقدم في تحقيق توافق سياسي فلسطيني أكبر، ما يجعل تنفيذه أكثر تعقيدًا مقارنة بالبديل الأول.

وأما البديل الثالث فهو الأكثر شمولًا، لأنه لا يعتمد على أداة واحدة، بل يدمج بشكل مباشر ومتوازن بين الدبلوماسية الرسمية، وشبكات المجتمع المدني، والنصوص القانونية الدولية، وحملات الضغط الإعلامي والاقتصادي. ويمنح هذا التكامل مرونة أكبر لمواجهة تعقيدات البيئة الدولية، ويزيد من احتمالات التأثير على الرأي العام وصناع القرار بشكل أكبر. ومع أنه يتطلب تنسيقًا مؤسسيًا وموارد أعلى، فإن هدفه المستدام وتأثيره المتوقع يجعله الخيار الأكثر فاعلية.

وبناءً على هذه التحليل، يظهر أن البديل الثالث هو الخيار الأنسب، لأنه يدمج الأدوات الرسمية وغير الرسمية، ويعالج النقائص في المقاربات الحالية، مستفيدًا من دروس تجربة مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وهو يتفق مع الأدبيات التي تؤكد أن حملات المناصرة العابرة للحدود تكون أكثر فاعلية عند دمج الضغوط الحكومية مع جهود المجتمع المدني والوسائل القانونية في إستراتيجية موحدة[27].

آليات تنفيذ البديل المفضل

لتفعيل هذا البديل عمليًا، يستلزم الأمر تنفيذ الإجراءات الآتية:

  1. وضع خطة وطنية موحدة للتضامن الدولي تحدد الأهداف والأولويات، وتنسق الأدوار بين المؤسسات الرسمية، ومنظمات المجتمع المدني، والشبكات الدولية الداعمة للقضية الفلسطينية، لضمان توحيد الرسائل وتعزيز فاعلية الجهود الدولية.
  2. تعزيز حضور القضية الفلسطينية في المؤسسات الدولية عبر التركيز على مبادئ القانون الدولي، والقانون الإنساني، وحقوق الإنسان، وتقديم رواية موحدة تعتمد على الأدلة القانونية والحقوقية، لزيادة مصداقية القضية أمام الحكومات والمنظمات الدولية.
  3. توسيع التحالفات الدولية والإقليمية مع الدول والمنظمات البرلمانية والحقوقية والنقابات والمؤسسات الأكاديمية، بهدف بناء شبكات دعم أكثر استدامة وقادرة على التأثير في عمليات صنع القرار على الصعيد الدولي.
  4. تعزيز استخدام الآليات القانونية الدولية، من خلال دعم جهود المساءلة الدولية واستغلال المؤسسات القضائية والأممية، بهدف تحويل الدعم السياسي والأخلاقي إلى إجراءات قانونية أكثر فاعلية.
  5. العمل على دعم حملات المجتمع المدني الدولية وتحسين قدراتها في التنظيم والإعلام، من أجل ضمان استمرارية حملات المناصرة والمقاطعة والتوعية، وتعزيز قدرتها على التأثير في الرأي العام العالمي وصناع القرار.
  6. إنشاء آلية وطنية لرصد وتقييم تأثير التضامن الدولي، تقوم بمتابعة تطور مواقف الدول والمنظمات الدولية، وتقيس نتائج حملات المناصرة، وتوفر بيانات دورية تساهم في تحسين السياسات والإستراتيجيات المستقبلية.
  7. تعزيز التنسيق بين العمل الدبلوماسي الرسمي ومبادرات المجتمع المدني لضمان تكامل الأدوار بين جميع الفاعلين، ما يعزز قوة الضغوط السياسية والقانونية والإعلامية، ويزيد من قدرة التأثير في السياسات الدولية بشكل مستدام.

خاتمة

خلصت الورقة إلى أن فاعلية التضامن الدولي لا تعتمد فقط على حجم الدعم المقدم للقضية الفلسطينية، بل تتوقف على مدى قدرته في أن يتحول إلى أدوات ضغط فعالة تؤثر في السياسات الدولية. ومقارنة مع تجربة مقاومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، بينت الورقة أن نجاح التضامن الدولي يتطلب تكامل عوامل عدة، أبرزها وحدة القيادة السياسية، ووضوح الخطاب المستند إلى القانون الدولي وحقوق الإنسان، وتوافر بيئة دولية تسمح بتحويل التضامن الشعبي والرسمي إلى سياسات وإجراءات عملية. وعلى العكس، يواجه التضامن مع القضية الفلسطينية تحديات، سياسية ومؤسسية ووجيوسياسية، تعوق فاعليته، ما يستدعي الاعتماد على منهج أشمل وأكثر تنسيقًا.

ترى الورقة أن تبني إستراتيجية تضامن دولي متعدد المستويات هو الخيار الأنسب، لأنه يتيح توظيف الدبلوماسية الرسمية، وحملات منظمات المجتمع المدني، والأدوات القانونية والاقتصادية ضمن إطار متكامل. وبذلك، فإن تعزيز أثر التضامن مع فلسطين يتطلب الانتقال من ردود فعل متفرقة إلى سياسة شاملة، تعتمد على توحيد الخطاب، وتعزيز التنسيق بين الفاعلين، وتوسيع التحالفات الدولية، ما يعزز قدرات الجهود الدولية على التأثير في مواقف الحكومات والمنظمات الدولية، ويدعم الحقوق الفلسطينية بشكل أكثر فاعلية واستدامة.

 


ما يرد في هذه الورقة من آراء يعبر عن رأي كاتبها، ولا يعكس بالضرورة موقف مركز مسارات.

[1] Thompson, L., A History of South Africa (3rd ed.), Yale University Press, 2001.

[2] Pappé, I., The Ethnic Cleansing of Palestine, Oneworld Publications, 2006.

[3] Thompson; Klotz, A., Norms reconstituting interests: global racial equality and U.S. sanctions against South Africa, International Organization, 49(3), 1995: 451-478.

[4] Greenstein, R., Palestine Solidarity in the South African Mirror, Catalyst, 9(4), 2006: https://l1nq.com/leichh0

[5] محكمة العدل الدولية، قضية تطبيق اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة (جنوب أفريقيا ضد إسرائيل)، 2024.

[6] Vally, S., Rooted in Resistance: Historical Perspectives on South Africa–Palestine Solidarity, The Journal for Studies on Power, 4(1), 202.

[7] Klotz.

[8] Crawford, N. C., Argument and Change in World Politics: Ethics, Decolonization, and Humanitarian Intervention, Cambridge University Press, 2002.

[9] Tartir, A., & Seidel, T., Palestine and Rule of Power: Local Dissent vs. International Governance, Journal of Intervention and Statebuilding, 13(4), 2019: 1–20.

[10] محكمة العدل الدولية، مصدر سابق.

[11] International Court of Justice, Legal Consequences Arising from the Policies and Practices of Israel in the Occupied Palestinian Territory, Including East Jerusalem (Advisory Opinion, 19 July 2024).

[12] Klotz.

[14] وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المصدر الأول للأخبار متجاوزةً الوسائل التقليدية لأول مرة، يورونيوز، 17/6/2026.

[15] ثامر سباعنة، دور مواقع التواصل الاجتماعي في تعزيز الرواية الفلسطينية، المركز الديمقراطي العربي، 16/2/2023: democraticac.de/?p=87799

[16] رضوان الأخرس، فلسطين والاحتلال: الصراع على وسائل التواصل الاجتماعي، مجلة سبل، 4/11/2023: subulmagazine.com/?p=1322

[17] إيمان السكوحي، من الطوفان إلى الهدنة.. كيف عايش صنّاع المحتوى العدوان الصهيوني على غزة؟، ألترا تونس، 24/11/2023: https://sl1nk.com/3dik2mn

[18] سباعنة، مصدر سابق.

[19] Tartir & Seidel.

[20] Hallward, M. C., Transnational Activism and the Israeli-Palestinian Conflict, Palgrave Macmillan, 2013.

[21] Thompson; Klotz.

[22] ما هي الدول الأكثر من 150 التي اعترفت بفلسطين حتى عام 2025؟، الجزيرة نت، 23/9/2025: https://l1nq.com/qqlj4b2

[23] Crawford; Keck, M. E., & Sikkink, K., Activists beyond Borders: Advocacy Networks in International Politics, Cornell University Press, 1998.

[24] Thompson; Klotz.

[25] Bardach, E., & Patashnik, E. M., A Practical Guide for Policy Analysis: The Eightfold Path to More Effective Problem Solving (6th ed.), CQ Press, 2020.

[26] Ibid.

[27] Crawford; Klotz; Keck & Sikkink.

كلمات مفتاحية::

مواضيع ذات صلة

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.