5
    

ملخص تنفيذي

تنطلق هذه الورقة النقاشية التأسيسية من حصيلة الحوار الثري والقراءات النقدية المعمّقة حول ورقة «طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل»  (14/10/2026)، لمعالجة الفجوة بين الآثار المباشرة والتغيرات الإدراكية التي أحدثها «طوفان الأقصى»، وبين محدودية انتقالها إلى تحولات سياسية ومؤسسية ومجتمعية مستدامة. وتبحث في المسافة بين ما كشفه الحدث من إمكانات وما أحدثه من اتساع في الوعي، وبين تعثّر ترجمة ذلك إلى تغيّرات بنيوية في الواقع الفلسطيني والعربي والدولي، مستهدفة الانتقال من التشخيص الانطباعي إلى تأسيس إطار عملي لبناء مقومات التغيير والقدرة المنظمة.

تتوزع الورقة على عشرة محاور ذات وظائف تحليليّة متمايزة ومكملة لبعضها البعض، تضمن تسلسلا منهجيا من فهم الواقع إلى صناعة الفعل:

المقدمة: توثق السياق الحواري للورقة وتحدد مراكز ثقل مساهمات المشاركين الـ 12 الذين أثروا النقاش ونقلوا البحث من الوصف إلى التأسيس.

 المحور الأول (التشخيص والتوصيف): يفرّق بين أربعة مستويات للنتائج: مباشرة، إدراكية، تنظيمية/سياسية، وبنيوية مستدامة. وينفي السببية الآلية بين التزامن والتغيير.

المحور الثاني (التأطير المفهومي للصمود): يُعيد تعريف الصمود باعتباره قدرة المجتمع على حماية الحياة وإعادة إنتاجها، وصون الكرامة الإنسانية وتوفير مقومات المعيشة، رافضا تمجيد المعاناة.

 المحور الثالث (التأطير النفسي والمجتمعي): يُحلل تآكل الثقة وانسداد الأفق كنتيجة تراكمية لغياب الأمان، وسياسة الإقصاء، وضعف المشاركة المجتمعية في صنع القرار، وحصانة القيادة والمؤسسات من المساءلة، وليس كضعف في الإرادة الوطنية.

المحور الرابع (تشخيص الانسداد والتعثر): يطرح سجل قياس آليات التعثر للتفريق الإجرائي بين: غياب القدرة الذي يستدعي بناء الموارد، وتشتتها الذي يستدعي التنظيم والتنسيق، وتعطيلها الذي يستدعي المساءلة، وسلّم الضغط المجتمعي والنقابي المتدرج.

 المحور الخامس (التخطيط وإدارة عدم اليقين): يضع مصفوفة تقدير شروط التحول، وتوسيع التقدير ليشمل أدوات التكيّف مع السيناريوهات الصفرية والإنكار الميداني، عبر رصد الإشارات المبكرة، واختبار مرونة البنى والبدائل عند الانقطاع.

المحور السادس (النظام السياسي والبنية الداخلية): يُعيد تأطير مفاهيم القرار والشرعية، بربطها بالتفويض الشعبي والمساءلة، وتجريد التضحيات من منح الحصانة، والوحدة الوطنية كشراكة في القرار وإدارة الاختلاف وليس مجرد محاصصة فصائلية.

 المحور السابع (جغرافية الصدى الخارجي): يحدد مسارات التأثير الخمسة: القانونية، السياسية، المدنية، المعرفية، والتنسيقية؛ ويضع أسس مأسسة التضامن العربي والدولي عبر الجاليات والشراكات المناهضة للعنصرية لتحويله إلى أثر سياسي مستدام.

المحور الثامن (المنهجية والمعرفة الجماعية): يؤسس قواعد إنتاج المعرفة الجماعية وتصنيفها في سجل معرفي مشترك، يميّز بين الوقائع والتفسيرات والفرضيات، ويُدير الاختلاف ويحدد شروط انتقال المعرفة إلى فعل.

 المحور التاسع (الأولويات وتطبيق الفعل): يقدم قواعد المفاضلة لاختيار الأولويات، ويصوغ بطاقة المبادرة التنفيذية، ومؤشرات التقييم لربط الأهداف الاستراتيجية بالخطوات المرحلية القابلة للاختبار.

المحور العاشر (الحوصلة والتأسيس للنهوض): يحوصل النتائج ويركز على المهمات الثلاث للمرحلة المقبلة:

1. مهمة تفسيرية: تحديد ما تحقق وما تعثّر بالدليل، والتمييز بين الوقائع والفرضيات.

2. مهمة تأسيسية: بناء مقومات الحياة وصون الكرامة، وتجديد الشرعية، وقواعد القرار، والمساءلة.

3. مهمة عملية. اختيار مبادرات محددة قابلة للتنفيذ والتقييم، تتيح التعلم المؤسسي والتكيّف مع التحولات.

وبذلك، لا تقدّم الورقة إجابات نهائية، ولا تحسم مسبقا الأولويات أو مسارات العمل، بل تؤسس إطارا مشتركا للانتقال من تفسير نتائج طوفان الأقصى وعوائق التحول إلى فحص شروط التغيير وبناء القدرة على الفعل. ويتمثل ما ينبغي أن ينتقل به الحوار إلى مرحلته التالية في أسئلة أوضح، وافتراضات قابلة للفحص، وأولويات يمكن مناقشة مبرراتها، ومسارات يمكن اختبارها ومراجعتها، وقدرة جماعية على التعلم من النتائج.

أما تحديد هذه الأولويات وترتيبها، وتقدير ما يمكن البدء به، وما يحتاج إلى تهيئة أو توافق أو معرفة إضافية، فيبقى عملا تشاركيا مفتوحا، يهدف إلى تحويل الإمكانات إلى تغيير قابل للاستمرار، دون التفريط بالأهداف الوطنية والحقوق الأساسية.

والانتقال الذي تدعو إليه هذه الورقة: ليس من الحدث إلى الصدى، ولا من الصدى إلى التحول بوصفه نتيجة مفترضة، بل من فهم الحدث ونتائجه وحدود تأثيره، وتشخيص عوائق التحول وشروطه، إلى بناء قدرة على الفعل واختبار البدائل وتثبيت النتائج.

الورقة الكاملة: من الحدث إلى إمكان التحوّل 

ورقة نقاش تأسيسية في ضوء الحوار حول «طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل» من تفسير النتائج وعوائقها إلى بناء مقومات التغيير

من قراءة الحدث إلى مساءلة شروط التغيير

انطلقت ورقة «طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل» 14/10/2026  من محاولة لفهم اللحظة التاريخية التي نعيشها، واستكشاف المسافة بين ما كشفه الحدث من إمكانات وما أمكن تحويله إلى وقائع، وبين اتساع الصدى الذي أحدثه، وتحديات بناء تحولات مستدامة في الواقع الفلسطيني والعربي والدولي.

ولم تكن غايتها تقديم تفسير نهائي للحدث، أو تثبيت قراءة مغلقة لمآلاته، بل استهدفت فتح نقاش يتجاوز وصف ما جرى إلى مساءلة قدرتنا على استثمار ما كشفه من تناقضات وفرص، وعلى مواجهة ما أظهره من اختلالات في المشروع الوطني الفلسطيني، وفي العلاقات العربية والدولية المحيطة بالقضية.

وقد جاءت الاستجابة الكريمة والسريعة للدعوة إلى اختبار فرضيات الورقة وتوسيع مجال السؤال ودفعه إلى مستوى أكثر تركيبا، للانتقال من التشخيص إلى التأسيس.

ولم تقتصر هذه الاستجابة على تقديم سبع قراءات نقدية موسعة أثرت الحوار وأعادت صياغة أسئلته (قدمها وفقا للترتيب الأبجدي كل من: أمين كعابنة، عواد أبو زينة، خالد عطية، مصطفى النبيه، نزهة الإدريسي، هاشم عبد السلام، ويحيى بركات)، بل امتدت لتشمل تعليقات مكثفة قدمها بقية المشاركين (جواد عقل، رائد حواري، سعيد مدحية، فارس عياش، وهداية عياش).

وبذلك، تحول النقاش من تقدير آثار الحدث واتساع صداه، إلى بناء إطار حواري تراكمي يحدد آليات الانتقال من المعرفة إلى القرار، ومن القرار إلى الفعل المنظم.

السجل المعرفي للقراءات النقدية الموسّعة:

أمين كعابنة: (قراءة نقدية تشريحية في ورقة غانية ملحيس: طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحول) دعا إلى تفكيك البنى والمصالح التي تعطل الانتقال من المعرفة إلى الفعل، وربط الصمود بمقومات الحياة والكرامة، مشددا على عدم تحميل الناس مسؤولية العجز الناجم عن خلل المؤسسات والسلطات.

عواد أبو زينة (الصدى الذي لا يكفي: قراءة نقدية في جغرافية التحول): ركّز على فحص شروط التحول، والتمييز بين الوصف والتفسير السببي لآليات التعطيل، وتفكيك الإرادة والبيئة، وطرح أسئلة حاسمة حول تعيين الفاعل السياسي القادر على التغيير.

خالد عطية: (من أثر الحدث إلى سؤال التحول التاريخي) أطّر الحدث في سياقه الاستعماري البنيوي، وشدد على التمييز المنهجي بين التزامن والسببية، وبين إرباك مسار قائم وبناء مسار بديل.

مصطفى النبيه: (هل وصلنا الى مرحلة الهزيمة الداخلية؟) فكك أبعاد الهزيمة الداخلية، ونبه إلى خطورة تآكل الثقة بالمستقبل، وأثر انعدام الأمان والبيئة الحيوية على تقويض القدرة على الصمود والتغيير.

يحيى بركات: اشتملت قراءته جزأين (حين يصبح السوال أصعب من الإجابة، ومن يملك المستقبل حين يدفع الشعب ثمن التاريخ؟)  أعاد طرح سؤال الشرعية والتمثيل وحق المجتمعات والأجيال الشابة في تقرير مستقبلها ومساءلة صناع القرار، مفرّقا بين احترام التضحيات ومنح التفويض المطلق. 

نزهة الإدريسي: (جغرافية الصدى: كيف يمكن ان تنعكس التحولات العالمية على القضية الفلسطينية؟)  فكّكت المسافة بين اتساع التضامن الشعبي والدولي وبين تحويله إلى تأثير مؤسسي وسياسات قابلة للتنفيذ والاستدامة.  

 هاشم عبد السلام: (هل امتلأ الكوب أم ما زال نصفه فارغا؟ فلسطين بين انكسار الكؤوس وسقوط الأقنعة) ركّزعلى تحديد مسؤولية الأنظمة العربية، وطرق نقل التضامن الشعبي من حالة الانفعال المؤقت إلى أطر فاعلة ومستدامة عبر المسارات المدنية والسياسية والقانونية المنظمة.

وفي التعليقات على الورقة:

جواد عقل: أكد على أهمية الانتقال من الدعوة إلى استثمار اللحظة إلى تحديد شروط هذا الاستثمار: رؤية وطنية واضحة، ومرجعية تمثيلية خاضعة للمساءلة، وأولويات متفق عليها، وآليات تحول التضامن والتضحيات إلى قدرة سياسية ومؤسسية ونتائج قابلة للقياس.

رائد حواري: أثار سؤال الفجوة بين تراكم المعرفة والتحذيرات وتكرار التشخيص، وبين محدودية النتائج. 

سعيد مدحية: طرح المرجعية الحقوقية، ولا سيما الأبارتهايد، بوصفها مدخلا يمكن البناء عليه في توحيد الخطاب وتوجيه العمل الدولي. 

فارس عياش: ركز على الوحدة الوطنية بوصفها شرطا للعمل المشترك، وليس مجرد شعار للمصالحة. 

هداية عياش: أعادت الاعتبار إلى الحياة والكرامة، مؤكدة أن الصمود لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للمعاناة، بل إلى عمل يغيّر شروطها.

تكشف هذه المداخلات أن الحوار انتقل من محاولة تفسير الحدث والصدى والتحول إلى تفسير ما تحقق وما تعثّر، والكشف عن آليات التعطيل وأسبابه، وتحديد شروط الانتقال من الإمكان إلى القدرة، ومن القدرة إلى الفعل المنظم، ومن الفعل إلى تغيير مستدام في الواقع الفلسطيني والعربي والدولي.

ومن هنا، تتقدم هذه الورقة خطوة أخرى: من تصنيف النتائج إلى تفسيرها، ومن تسجيل غياب التحول إلى تحليل أسبابه والمتسببين بتعطيله، ومن الدعوة إلى التغيير إلى اقتراح مداخل عملية لبناء مقوماته.

ولا تفترض أن جميع الأسئلة قد حُسمت، أو أن المداخلات أنتجت اتفاقا كاملا. بل تسعى إلى استخلاص المشترك بينها، وإبقاء نقاط الاختلاف والفرضيات المتنافسة مفتوحة للفحص والنقاش، وتحويل الحوار إلى معرفة جديدة تساعد على تحديد خيارات الفعل.

أولاً: جغرافية الحدث والصدى والتحوّل: ماذا تغيّر، وماذا تعثّر، ولماذا؟

يتيح إطار «جغرافية الحدث والصدى والتحوّل» تنظيم قراءة ما أعقب الحدث، والتمييز بين وقوعه وآثاره المباشرة، وما أحدثه من تحولات في الوعي والمواقف ومجالات التأثير، وما أمكن أن يفضي إليه من تغيير سياسي أو مؤسسي أو بنيوي. غير أن هذا الإطار، على أهميته، لا يشكّل وحده تفسيرا سببيا للنتائج؛ إذ يتطلب فهم ما تحقق وما تعثر البحث في العوامل التي أسهمت في إنتاج تلك النتائج، والشروط التي أتاحت لبعض الآثار أن تتسع أو تستمر، فيما حدّت من انتقال آثار أخرى إلى تغيير ملموس. ومن هنا، ينبغي التمييز بين أربعة مستويات للنتائج:

  1. النتائج المباشرة: ما ترتب على الحدث من وقائع وآثار       وتغيرات أولية.
  2. النتائج الإدراكية: ما طرأ على الوعي والتصورات والمواقف، فلسطينيا وعربيا ودوليا.
  3. النتائج التنظيمية والسياسية: ما انعكس على مواقف الفاعلين وخياراتهم وعلاقاتهم، وعلى أنماط التنسيق والعمل وصنع القرار.
  4. النتائج البنيوية المستدامة: ما أمكن أن يتحول إلى تغير مستمر في المؤسسات أو السياسات أو موازين التأثير أو شروط الواقع.

ولا يعني ظهور نتيجة في أحد هذه المستويات أنها ستنتقل تلقائيا إلى المستوى الذي يليه؛ فقد يتسع التأييد أو يتغير الوعي من دون أن ينعكس ذلك في قرار سياسي، وقد تتخذ قرارات أو تتشكل مبادرات من دون أن تنتج تغييرا مستداما. كما أن التزامن بين حدث ونتيجة لاحقة لا يكفي وحده لإثبات العلاقة السببية بينهما،

 بل يتطلب الأمر تحديد الآليات والفاعلين والشروط التي تفسر هذه العلاقة، والتمييز بين ما تدعمه الوقائع، وما لا يزال في نطاق التفسير أو الفرضية.

وبناء على ذلك، يتجه التحليل إلى مجموعة من الأسئلة المترابطة: ما النتائج التي تحققت فعلا، وعلى أي مستوى؟ وما النتائج التي بقيت محدودة أو لم تتحقق؟ وأين تعثر الانتقال من الأثر إلى القرار، ومن القرار إلى الفعل، ومن الفعل إلى التغيير المستدام؟ وما العوامل التي تفسر هذا التعثر؟ وما الذي يمكن إسناده إلى قيود مفروضة، أو اختيارات سياسية ومؤسسية، أو قصور في التنظيم والتنسيق والمعرفة، أو تفاعل بين هذه العوامل؟

ولا يُفترض أن يكون التعثر ناتجا عن سبب واحد، كما لا يجوز اختزاله في ضعف الإرادة أو افتراض غياب القدرة من دون فحص. فقد تتوافر بعض مقومات الفعل من دون أن تنتظم في قدرة مشتركة، وقد توجد مبادرات أو فرص لا تجد شروط تحويلها إلى نتائج، وقد تتداخل القيود الخارجية مع خيارات الفاعلين وبنية المؤسسات ومصالحها.

لذلك ينبغي التمييز بين وصف النتيجة وتفسير أسبابها، وبين تحديد المسؤولية وإثباتها، وبين العائق الذي يحدّ من الفعل والعامل الذي يمكن تغييره أو التأثير فيه.

وتأسيسا على ذلك، لا يستهدف هذا المحور تقديم تصنيف تفصيلي مكتمل للعوائق أو حسم أسباب التعثر مسبقا، بل بناء إطار مشترك لتحديد النتائج، وصياغة الأسئلة التفسيرية، وتعيين المواضع التي تحتاج إلى فحص أعمق. أما تحليل آليات التعطيل داخل مسار الانتقال من المعرفة إلى الفعل، وتصنيف العوائق بحسب كيفية عملها، وفحص الحالات التي تعثر فيها هذا الانتقال، فتتناوله الورقة بصورة أكثر تفصيلا في المحور الرابع، تمهيدا للانتقال لاحقا إلى شروط التحول والقدرة المنظمة وآليات التقييم والمراجعة.

ثانيا: الحياة والصمود - من احتمال المعاناة إلى امتلاك القدرة على إنتاج الحياة

1. ما الذي كشفه الحوار؟

أعادت المداخلات، ولا سيما مداخلات مصطفى النبيه وأمين كعابنة ويحيى بركات وهداية عياش، الاعتبار إلى الحياة اليومية بوصفها معيارا للحكم على الصمود ونتائج الفعل السياسي.

فالصمود ليس مفهوما مجردا، ولا ينبغي أن يتحول إلى مطالبة الناس بمزيد من الاحتمال في غياب شروط الحياة. كما أن تآكل الثقة أو التفكير في الرحيل لا يجوز تفسيره تلقائيا باعتباره ضعفا في الانتماء أو الإرادة؛ فقد يكون استجابة لغياب الأمان والفرص وانسداد الأفق.

  1. مفهوم الصمود 

ينبغي فهم الصمود باعتباره قدرة المجتمع على حماية الحياة وإعادة إنتاجها، وليس مجرد البقاء تحت الضغط. وتقوم هذه القدرة على خمس مرتكزات مترابطة:

  1. مقومات الحياة الأساسية: الماء والغذاء والمسكن والصحة والتعليم والحماية والأمان.

ب.  استعادة المجتمع: حماية الروابط الأسرية والاجتماعية، وإسناد المبادرات المحلية، وصيانة المؤسسات المجتمعية والثقافية.

ج.    القدرة الاقتصادية: استعادة سبل العيش والعمل والإنتاج، وتقليل الاعتماد على المساعدات الطارئة حيثما أمكن.

د.  الحقوق والكرامة: صون الحرية والحق في الحركة والتعلم والعمل والمشاركة، وعدم اختزال الإنسان في احتياجاته الإغاثية.

  1.   القدرة على تقرير المستقبل: تمكين الناس من المشاركة في تحديد أولويات إعادة البناء وشكل حياتهم ومجتمعهم.

ومن المهم التمييز بين الإغاثة العاجلة، والتعافي، وإعادة البناء طويل الأمد؛ فلكل منها أهدافها وأدواتها ومؤشراتها، ولا ينبغي أن تحل إحداها محل الأخرى.

3. ما الذي يمكن البدء به؟

إعداد إطار للأولويات الحياتية والمجتمعية، يحدد الاحتياجات الأكثر إلحاحا، والجهات المسؤولة عن الاستجابة، والموارد المتاحة، والعوائق التي تحول دون الوصول إليها. ويشمل ذلك إشراك المجتمعات المتضررة في تحديد الأولويات، وتوثيق المبادرات القائمة، ومتابعة قدرتها على الاستمرار، وتقييم ما إذا كانت التدخلات تعيد للناس قدرتهم على الفعل أم تكتفي بإدارة احتياجاتهم.

4. ما الذي يحتاج إلى نقاش؟

كيف يمكن وصل الاستجابة الإنسانية الإغاثية بإعادة بناء القدرة المجتمعية والاقتصادية؟ وما مسؤوليات الاحتلال والقوى الفلسطينية والجهات العربية والدولية في توفير شروط الحياة، مع مراعاة اختلاف قدرتها ومسؤولياتها؟ وكيف يمكن أن تصبح حماية الحياة معيارا لتقييم القرارات السياسية، وليس مجرد نتيجة يُنتظر تحققها بعد انتهاء الصراع؟

ثالثا: الثقة بالمستقبل - كيف نواجه تآكل الإرادة دون لوم الناس؟

1.    ما الذي كشفه الحوار؟

أثار مصطفى النبيه سؤال الهزيمة الداخلية وتآكل الثقة، بينما أكدت هداية عياش أن الصمود يحتاج إلى أفق للحياة والكرامة، وأعاد يحيى بركات السؤال إلى حق الأجيال والمجتمع في تقرير المستقبل.

وتكشف هذه المداخلات أن الثقة ليست مجرد حالة نفسية يمكن استعادتها بخطاب تعبوي. إنها تتأثر بالأمان، وبالتجربة اليومية، وبمدى قدرة الناس على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم، وبما إذا كانوا يرون نتائج ملموسة لجهودهم وتضحياتهم.

  1. الثقة نتيجة تراكمية 

ينبغي التعامل مع الثقة بوصفها نتيجة تتشكل من تفاعل ثلاثة عناصر: شروط الحياة، والمشاركة الفعلية، والقدرة على رؤية أثر العمل.

ومن ثم، لا يكون الرد على تآكل الثقة بإدانة الناس أو مطالبتهم بمزيد من التضحية، بل بفهم أسباب التراجع، والتمييز بين الإنهاك الناجم عن الدمار وانعدام الأمان، وبين الإحباط الناجم عن فقدان الثقة بالقيادات والمؤسسات، وبين الشعور بانسداد المستقبل.

ولا يجوز اختزال المجتمع الفلسطيني في صورة العجز أو الهزيمة، كما لا يجوز افتراض أن الصمود وحده دليل على توافر شروط الاستمرار.

3. ما الذي يمكن البدء به؟

دعم المبادرات المحلية التي تتيح للناس استعادة بعض القدرة على الفعل وإنتاج الحياة، وفتح مساحات للمشاركة والنقاش والمساءلة، وتوسيع دور الشباب والنساء في صياغة الأولويات وتنفيذها.

كما يمكن تطوير مؤشرات نوعية لرصد الثقة بالمؤسسات، والشعور بالقدرة على التأثير، وتوقعات المستقبل، على أن تُستخدم لفهم الاحتياجات والعوائق، وليس لإصدار أحكام على المجتمع.

4. ما الذي يحتاج إلى نقاش؟

٠ ما العلاقة بين تآكل الثقة في المستقبل وتراجع الثقة بالقيادة والمؤسسات؟

٠ وكيف يمكن استعادة الثقة من دون مطالبة الناس بمنح تفويض مفتوح؟ 

٠ وما الشروط التي تجعل الأمل مبنيا على إمكانات واقعية، لا على وعود لا توجد آليات لتحقيقها؟

رابعاً: من المعرفة إلى الفعل - أين تتعطل عملية التحوّل؟

تطرح مداخلات رائد حواري، بشأن تكرار الأفكار والتحذيرات ومحدودية النتائج، وأمين كعابنة، بشأن البنى والمصالح والمؤسسات التي تعطل الانتقال من المعرفة إلى الفعل، سؤالا يتجاوز أهمية التشخيص في ذاته: لماذا لا تتحول المعرفة المتراكمة دائما إلى قرارات ونتائج؟ وكيف يمكن فهم الفجوة بين إدراك المشكلة والقدرة على تغيير شروطها؟

فوجود معرفة بالمشكلة، أو توافق على خطورتها، لا يعني بالضرورة توافر القدرة على معالجتها. وقد تتكرر التشخيصات والتحذيرات من دون أن تتغير الأولويات أو القرارات أو آليات العمل، ليس بالضرورة بسبب نقص المعرفة أو غياب الإرادة وحدهما، بل لأن الانتقال من المعرفة إلى الفعل يمر بحلقات متعددة، لكل منها شروطها وعوائقها، وقد يتعطل المسار في إحداها أو في العلاقة بين عدة حلقات.

ومن هنا، لا يكفي أن نسأل: ماذا نعرف؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: كيف تتحول المعرفة إلى أولوية؟ وكيف تُترجم الأولوية إلى قرار؟ ومن يمتلك صلاحية اتخاذه وتنفيذه؟ وما الشروط اللازمة للتنسيق وتوفير الموارد؟ وكيف تُتابع النتائج وتُراجع الخيارات في ضوء ما يكشفه التطبيق؟

1.   من التشخيص إلى النتيجة: أين ينقطع المسار؟

يمكن النظر إلى الانتقال من المعرفة إلى الفعل باعتباره مسارا مترابطا يتكون من حلقات أساسية:

  1.  التشخيص:   تحديد المشكلة وأسبابها، والتمييز بين الوقائع والتفسيرات والافتراضات.
  2. تحديد الأولويات: الانتقال من تعدد المشكلات إلى اختيار ما يستحق البدء به، وفق معايير واضحة.
  1.    اختيار البدائل:   تحديد الخيارات الممكنة، ومقارنة شروطها وحدودها ومخاطرها والنتائج المتوقعة منها.
  1.   تحويل المعرفة إلى قرار:   تحديد الجهة المخولة بالقرار، وأساس التفويض، والمسؤوليات المترتبة عليه.
  1.   التنفيذ والتنسيق:   توفير القدرات والموارد، وتوزيع الأدوار، وتنظيم العلاقة بين الفاعلين، ومعالجة التعارضات.
  2.   المتابعة والتقييم والتعلم:   فحص ما تحقق فعلا، وتحديد الفجوة بين النتائج المقصودة والنتائج المتحققة، ومراجعة القرارات والمسارات عند الحاجة.

ولا يفترض هذا الترتيب أن المسار خطي دائما؛ فقد تقتضي النتائج العودة إلى التشخيص، أو تعديل الأولويات، أو إعادة النظر في البدائل. كما أن وجود خلل في حلقة واحدة قد ينعكس على بقية الحلقات، وقد تتضافر عدة عوائق فتجعل التعثر نتيجة لمسار كامل، وليس لقرار منفرد.

والسؤال التحليلي هنا هو: أين ينقطع الانتقال من المعرفة إلى الفعل في الحالات التي نريد فهمها؟

وهل تكمن المشكلة في ضعف التشخيص، أم في عدم الاتفاق على الأولويات، أم في غياب القرار أو تفويضه، أم في تضارب المصالح، أم في محدودية القدرة على التنفيذ والتنسيق، أم في غياب التقييم والتعلم، أم أن التعثر ينتج من تفاعل هذه العوامل؟

2 العوائق: كيف تعمل، وأين تتدخل؟

لا يكفي تصنيف العوائق بحسب طبيعتها؛ إذ ينبغي أيضا فحص كيفية عملها داخل مسار الانتقال من المعرفة إلى الفعل. ويمكن الاستفادة هنا من خمسة أنماط مترابطة:

  1.  عوائق بنيوية مفروضة: تتصل بالقيود التي تحد من الحركة والموارد والخيارات المتاحة، أو تفرض كلفة مرتفعة على بعض أشكال الفعل. ويقتضي تحليلها تحديد ما تمنعه فعليا، وما تتركه من هوامش للعمل، وما يمكن تغييره أو التخفيف من أثره.
  2. عوائق مؤسسية: ترتبط ببنية المؤسسات وقواعدها وصلاحياتها وعلاقاتها، وبمدى قدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذه ومراجعته. وقد يظهر أثرها في تضارب الصلاحيات، أو غياب المساءلة، أو انفصال القرار عن التنفيذ.
  1.    عوائق سياسية ومصلحية: تتصل بتعارض المصالح، واختلال الأولويات، وتوزيع النفوذ، والحسابات السياسية التي قد تعطل قرارا أو تحد من تنفيذه. ولا يكفي افتراض وجود هذه المصالح؛ بل ينبغي فحص القرارات والممارسات والقرائن التي تكشف أثرها.
  1.   عوائق تنظيمية ومعرفية: تظهر في تشتت الجهود، وضعف التنسيق، أو غياب ترتيب الأولويات، أو عدم تحويل المعرفة المتاحة إلى خيارات عملية قابلة للتنفيذ والتقييم.
  1.    عوائق خارجية وإقليمية ودولية: تتصل بمواقف الأطراف الخارجية وسياساتها وأدوات ضغطها، وبالتفاوت في القدرة على التأثير في القرارات والالتزامات. ويقتضي تحليلها التمييز بين المواقف المعلنة والقرارات الفعلية، وبين التعهدات وتنفيذها، وبين التأثير المحتمل والتأثير المثبت.

ولا تعمل هذه الأنماط بالضرورة بصورة منفصلة؛ فقد يتفاعل القيد الخارجي مع ضعف التنسيق الداخلي، أو يتقاطع تضارب المصالح مع غياب المساءلة، أو تتوافر المعرفة والقدرة الجزئية من دون وجود آلية لاتخاذ قرار مشترك. لذلك لا ينبغي الاكتفاء بتسمية العائق، بل تحديد موضع تدخله، وآلية تأثيره، والفاعلين المرتبطين به، والأدلة التي تسند تفسير دوره.

كما ينبغي التمييز بين ثلاثة أوضاع مختلفة: غياب القدرة، وتشتت القدرة، وتعطيل القدرة.

وقد تجتمع هذه الأوضاع في حالة واحدة، لكن الخلط بينها يؤدي إلى اقتراح حلول لا تعالج المشكلة الفعلية.

ولترجمة هذا التمييز إلى أداة عمل إجرائية داخل المؤسسات والقوى الفاعلة، يُعتمد «سجل قياس آليات التعثر» كأداة فحص سريعة تتيح تشخيص سبب توقف أي قرار أو مسار وطني، وتحديد نوع الاستجابة المطلوبة وفق ثلاث مسارات:

إذا كان التعثر ناتجا عن «غياب القدرة»: فتكون الاستجابة المباشرة هي بناء موارد جديدة، وتطوير الخبرات والقدرات غير المتوافرة.

إذا كان التعثر ناتجا عن «تشتت القدرة»: فتكون الاستجابة هي تنظيم الجهود، وتعزيز التنسيق، وتوزيع الأدوار والمهمات بين الفاعلين.

إذا كان التعثر ناتجا عن «تعطيل القدرة» بسبب المصالح أو البنى القائمة: فتكون الاستجابة هي تفعيل المساءلة السياسية، واستخدام أشكال الضغط المجتمعي والنقابي لتجاوز منافذ التعطيل وإصلاح مسار القرار.

3. من تفسير التعثر إلى فحص المسؤولية

لا يكتمل تفسير التعثر بمجرد تحديد العوامل المؤثرة فيه؛ إذ يقتضي أيضا فحص مسؤوليات الفاعلين، من دون اختزال المسألة في لوم الأفراد أو إعفاء المؤسسات والبنى من المساءلة.

ويتطلب ذلك التمييز بين من يمتلك صلاحية اتخاذ القرار، ومن يشارك في صنعه، ومن يتولى تنفيذه، ومن يملك الموارد أو القدرة على التأثير في مساره، ومن تقع عليه مسؤولية المتابعة والمراجعة.

كما يتطلب التمييز بين المسؤولية المباشرة عن قرار أو ممارسة، والمسؤولية المؤسسية المرتبطة بقواعد العمل وبنية الصلاحيات، والقيود التي تحد من الخيارات المتاحة فعلا.

ولا يعني وجود قيود موضوعية أن جميع الخيارات تصبح مستحيلة، مثلما لا يعني وقوع التعثر أن الفاعلين كانوا يمتلكون بالضرورة القدرة على منع كل نتائجه.

المطلوب هو تحديد ما كان متاحا في ظروف كل حالة، وما اتُّخذ من قرارات، وما البدائل التي كانت ممكنة، وما الذي أعاقها، وما الأدلة التي تسمح بإسناد المسؤولية أو مراجعة التفسير.

ومن هنا تبرز أسئلة أساسية: لماذا تتكرر بعض التشخيصات من دون أن تفضي إلى تغيير في القرارات أو الممارسات؟

هل يعود ذلك إلى قصور في المعرفة، أم إلى تضارب الأولويات والمصالح، أم إلى خلل في التفويض والتنظيم، أم إلى قيود تحد من إمكان التنفيذ؟ وكيف نميز بين هذه التفسيرات بدلا من اعتماد تفسير واحد مسبقا؟

4. دراسة الحالات المتعثرة: من الانطباع إلى التفسير القابل للفحص

لتجنب بقاء النقاش في مستوى الأحكام العامة، يمكن اعتماد مجموعة من الحالات التي تعثر فيها الانتقال من المعرفة إلى الفعل، وتحليل كل حالة وفق أسئلة مشتركة:

  1.   ما المشكلة التي جرى تشخيصها، وما الأدلة المتاحة بشأنها؟
  2. ما النتيجة التي كان يُراد تحقيقها، وما الأولوية التي حُددت؟

ج.    ما القرار الذي اتُّخذ، ومن امتلك صلاحية اتخاذه؟

د.   ما القدرات والموارد والعلاقات اللازمة للتنفيذ، وما الذي كان متوافرا منها؟

ه.    في أي مرحلة ظهر التعثر، وكيف أمكن ملاحظته؟

  1.   ما العوامل التي يُرجح أنها أسهمت فيه، وما الأدلة التي تدعم هذا التفسير؟
  1.  ما مسؤوليات الفاعلين والمؤسسات المعنية، وما حدود قدرتهم الفعلية؟
  1.    هل كان ممكنا إصلاح المسار، أم كان يتطلب تغييرا في شروط العمل أو بناء بديل؟

ويمكن تنظيم نتائج هذه الحالات في سجل تحليلي يوضح المشكلة والنتيجة المستهدفة، ومسار العمل، وموضع التعثر، والتفسيرات المطروحة، والأدلة المتاحة، والمسؤوليات المحتملة، والخيارات التي جرى اختبارها أو التي ما تزال بحاجة إلى بحث.

ولا يُقصد بهذا السجل إنتاج قائمة بالأخطاء أو إصدار أحكام نهائية على الفاعلين، بل بناء معرفة تراكمية تساعد على التمييز بين الحالات المتشابهة ظاهريا والمختلفة في أسبابها، وتتيح مراجعة التفسيرات كلما ظهرت معلومات جديدة. كما ينبغي تسجيل حدود المعرفة، وما لا يمكن حسمه في ضوء المعطيات المتاحة، بدلا من ملء الفجوات بافتراضات غير مختبرة.

5. من تشخيص التعطيل إلى إمكان إصلاح المسار

لا تنتهي دراسة التعثر عند تفسير أسبابه، بل ينبغي أن تساعد على تحديد نوع الاستجابة المطلوبة. فإذا كانت المشكلة في نقص القدرة، فقد يكون المطلوب بناء الموارد أو الخبرات أو المؤسسات اللازمة. وإذا كانت في تشتت القدرات، فقد يكون المدخل هو تنظيم الجهود وتنسيقها وتحديد الأدوار. وإذا كان التعطيل مرتبطا بقواعد القرار أو بتضارب الصلاحيات أو غياب المساءلة، فإن المعالجة تتطلب فحص هذه القواعد والعلاقات، لا الاكتفاء بإطلاق دعوات عامة إلى تحسين الأداء.

وفي حالات أخرى، قد لا يكون إصلاح المسار القائم كافيا، أو قد يتعذر في ظل الشروط المتاحة؛ وعندها يصبح من الضروري بحث البدائل الممكنة، وتقدير كلفتها ومخاطرها، وتحديد ما تحتاج إليه من شروط وقدرات.

ولا يمكن حسم الاختيار بين الإصلاح وبناء البديل بصورة مجردة، بل من خلال دراسة الحالة وتحديد حدود الخيارات الواقعية.

وبذلك، يصبح السؤال العملي: ما الذي يمكن تغييره في المسار نفسه؟ وما الذي يتطلب تغييرا في شروطه؟ وما الذي يحتاج إلى بناء قدرة جديدة أو تنظيم قدرة قائمة؟ ومن يملك مسؤولية المبادرة والمتابعة؟ وكيف يمكن التحقق من أن المعالجة المقترحة أحدثت فرقا فعليا؟

من قوة الحجة إلى حجة القوة: آليات إجبار البنى المعطلة 

ولكيلا تظل الدعوة للمساءلة والشرعية رغبة أخلاقية تستمد قبولها من أريحيّة السلطات والقوى المتنفذة، يتطلب الأمر امتلاك المجتمع والمؤسسات الحية لـ "سلم ضغط متدرج" ينقل المساءلة من الاستجداء إلى الاستحقاق. يقوم هذا السلم على الجمع بين رفع التكلفة السياسية والإعلامية للتعطيل، عبر الشفافية الهجومية والتسمية الصريحة للمعطلين، وبين الضغط السلمي الخشن عبر العصيان النقابي، وتجميد المشاركة في الهياكل الصورية، وتوظيف الثقل المالي والدبلوماسي للشتات، وتأسيس الأطر الوظيفية البديلة.

 إن إجبار البنى المعطلة على الخضوع للمساءلة لا يتحقق بتغليب النوايا الحسنة، بل بحرمانها من الأدوات التي تسمح لها باستمرار التعطيل دون كلفة.

أسئلة مفتوحة للنقاش

  1.   لماذا تتكرر بعض التشخيصات والتحذيرات من دون أن تتحول إلى قرارات أو نتائج ملموسة؟ وما التفسيرات التي تدعمها الوقائع، وما الذي ما يزال في نطاق الفرضية؟
  2.   في أي حلقات يتكرر التعثر أكثر: التشخيص، أم تحديد الأولويات، أم اتخاذ القرار، أم التنفيذ والتنسيق، أم التقييم والتعلم؟ وما الأدلة اللازمة للإجابة؟
  3.   كيف نميز عمليا بين غياب القدرة وتشتتها وتعطيلها؟ وما اختلاف الاستجابة المطلوبة في كل حالة؟
  4.   كيف نفحص أثر البنى والمصالح والمؤسسات والقيود الخارجية من دون اختزال التعثر في عامل واحد أو افتراض المسؤولية قبل اختبارها؟
  5.   ما الحالات التي ينبغي تحليلها أولا، وكيف يمكن بناء سجل تراكمي لها يحفظ الأدلة والتفسيرات وحدود المعرفة؟
  6.   متى يكون إصلاح المسار القائم ممكنا، ومتى يصبح بناء بديل ضروريا؟ ومن يملك صلاحية اتخاذ هذا القرار ومراجعته؟
  7.   كيف نضمن أن يقود تحليل الحالات إلى تعلم مؤسسي وتغيير في الممارسة، لا إلى تكرار التشخيص نفسه بصياغات جديدة؟

بهذا المعنى، لا يتمثل التحدي في إنتاج معرفة إضافية فحسب، بل في فهم الشروط التي تسمح للمعرفة المتاحة بأن تتحول إلى قرار وفعل ونتائج قابلة للفحص والمراجعة.

خامساً: شروط التحوّل - من الإمكانية والإرادة والبيئة إلى بناء القدرة المنظمة

1. ما الذي كشفه الحوار؟

أظهر الحوار أن وجود فرصة تاريخية أو اتساع التأييد للقضية الفلسطينية لا يكفيان لإحداث تحول في الواقع. فقد تتيح الأحداث إمكانات جديدة، وتكشف تحولات في الوعي والمواقف، وتفتح مسارات للتأثير، لكن هذه الإمكانات لا تتحول تلقائيا إلى نتائج ما لم تتوافر شروط استثمارها وبناء القدرة اللازمة للعمل عليها.

طرح عواد أبو زينة الإمكانية والإرادة والبيئة بوصفها شروطا للتحول، فيما شدد خالد عطية على أن تعطيل مسار قائم لا يعني بالضرورة إنتاج مسار بديل. وأكد جواد عقل ضرورة الانتقال من الدعوة إلى استثمار اللحظة إلى تحديد متطلبات هذا الاستثمار، من خلال رؤية وطنية واضحة، ومرجعية تمثيلية خاضعة للمساءلة، وأولويات متفق عليها، وآليات تحول التضامن والتضحيات إلى قدرة سياسية ومؤسسية ونتائج قابلة للفحص.

وتقود هذه المداخلات إلى سؤال عملي: كيف نحدد ما إذا كانت فرصة معينة قابلة للاستثمار؟ وما الشروط التي يتطلبها تحويلها إلى فعل منظم؟ وما الذي يتوافر من هذه الشروط، وما الذي يحتاج إلى بناء أو تطوير أو تغيير؟

لا يتعلق الأمر بوضع قائمة نظرية بشروط التحول، بل باستخدامها لتقدير فرص محددة ومسارات ممكنة، وتحديد متطلبات العمل عليها وحدوده. أما تشخيص العوائق وآليات التعطيل وأسباب تعثر الانتقال من المعرفة إلى الفعل، فقد تناوله المحور الرابع؛ وينطلق هذا المحور من ذلك التحليل لتحديد الشروط التي ينبغي العمل على استكمالها.

 2.   شروط التحوّل في بيئة عدم اليقين الشديد

يقتضي تقدير شروط التحوّل أيضا الانتباه إلى طبيعة البيئة التي يُراد العمل فيها. فبعض المسارات لا تتطور في ظروف مستقرة تسمح بالتخطيط وفق علاقة واضحة بين المدخلات والنتائج، بل تتشكل في بيئات شديدة التقلب، تتداخل فيها العوامل السياسية والميدانية والاقتصادية والاجتماعية، وتتغير فيها القيود والفرص بسرعة، وقد تنقطع فيها مسارات العمل أو تتبدل شروط استمراره بصورة مفاجئة. وتتسم هذه البيئة بثلاث خصائص مترابطة:

  1.  التعقيد المركّب: لا توجد علاقة خطية ثابتة بين المدخلات والمخرجات؛ فقد تنتج عن التدخلات نفسها نتائج مختلفة تبعا للسياق وتفاعل العوامل، وقد تفضي تغيّرات محدودة إلى آثار واسعة وغير متوقعة. لذلك لا يكفي تقدير الموارد والقدرات المتاحة، بل ينبغي فحص الافتراضات التي يقوم عليها المسار، والعوامل التي قد تغير نتائجه.
  2. السيناريوهات الصفرية: يُقصد بها هنا الحالات القصوى التي يتعامل فيها طرف مع إنهاء الطرف الآخر أو إقصائه بوصفه شرطا لاستمراره، بما يضيّق مساحة التسوية ويزيد احتمالات التصعيد والانقطاع. ولا يعني إدراج هذه السيناريوهات افتراض حتمية وقوعها، بل أخذها في الحسبان عند تقدير المخاطر، واختبار قدرة المبادرات والمؤسسات والمجتمعات على مواصلة وظائفها الأساسية إذا تدهورت الظروف، غزة نموذجا.
  1.    السيولة وانعدام الرؤية المكتملة: تتغير المعطيات والقيود والقواعد المؤثرة في العمل بصورة متسارعة، ولا تتوافر دائما معلومات كافية لاتخاذ قرارات يقينية. ويجعل ذلك مراجعة الافتراضات، والاستعداد لبدائل متعددة، والتمييز بين ما نعرفه وما نفترضه، عناصر أساسية في بناء القدرة على الفعل.

ويترتب على ذلك أن القدرة المنظمة لا ينبغي أن تُقاس فقط بقدرتها على بدء العمل وتنفيذه في الظروف القائمة، بل أيضا بقدرتها على الاستمرار والتكيّف والتعلّم عندما تتغير هذه الظروف. ومن ثم، فإن تقدير شروط التحوّل يحتاج إلى فحص ليس فقط لما يجعل المسار ممكنا، بل أيضا لما قد يعرّضه للتعثر، وما يسمح بتعديل مساره أو استعادة وظائفه الأساسية عند حدوث صدمة أو انقطاع.

2.    كيف نقدّر شروط التحوّل؟

يمكن اعتماد شروط مترابطة لتقدير فرص التحول ومتطلبات العمل عليها. ولا تمثل هذه الشروط ضمانا مسبقا للنجاح، بل إطارا لتحديد ما يتوافر، وما ينقص، وما يمكن تطويره، وما يتوقف على ظروف أو قرارات تتجاوز قدرة الفاعلين المباشرة.

 في بيئة عدم اليقين الشديد، لا يكفي تقدير كل شرط على حدة؛ بل ينبغي اختبار مدى تماسك الشروط مجتمعة، وقدرتها على تحمّل التغيّرات المفاجئة. فقد تكون الإمكانية قائمة، والإرادة متوافرة، والقدرة المنظمة موجودة، لكن اعتماد المسار على مورد واحد أو قناة واحدة، أو افتراض غير مضمون قد يجعله شديد الهشاشة.

ولذلك، تُضاف إلى عملية التقدير مجموعة من الأسئلة العابرة للشروط:

٠ ما الافتراضات التي يتوقف عليها المسار؟

٠ وما الذي قد يتغير إذا لم تتحقق؟

٠ وما الوظائف التي ينبغي الحفاظ عليها مهما تغيرت الظروف؟

٠ وما البدائل الممكنة إذا تعذر المسار الأصلي؟

٠ وما كلفة التوقف أو التراجع أو إعادة التصميم؟

٠ وكيف يمكن اكتشاف التغيرات التي تستدعي مراجعة القرار قبل أن تتحول إلى تعثر واسع؟

ولا يعني ذلك إضافة ضمانات جديدة للنجاح، بل توسيع عملية التقدير لتشمل الاستمرارية والمرونة وقابلية التعديل، إلى جانب الإمكانية والإرادة والقدره والبيئة والمساءلة والتعلّم.

  1. الإمكانية: ما الفرصة المحددة التي نريد استثمارها؟

تبدأ العملية بتحديد الفرصة أو المسار المراد العمل عليه، والنتيجة التي يمكن أن يتيحها، والموارد والعلاقات والخبرات التي يمكن توظيفها فيه، والمدة التي قد يكون استثمارها خلالها ممكنا.

ولا يكفي وصف اللحظة بأنها تاريخية أو الفرصة بأنها كبيرة؛

بل ينبغي توضيح ما الذي يمكن تحقيقه فعلا من خلالها، وما الأدلة التي تدعم هذا التقدير، وما الحدود التي ينبغي أخذها في الحسبان. كما يجب التمييز بين وجود فرصة للتأثير في مجال محدد، وبين افتراض أن هذه الفرصة تتيح تغيير الواقع كله.

يتطلب تقدير الإمكانية تحديد الافتراضات الأساسية التي تستند إليها، والظروف التي تجعلها قائمة، والعلامات التي قد تدل على تضاؤلها أو تغيرها. كما ينبغي التمييز بين الفرصة التي يمكن استثمارها ضمن الظروف الحالية، والفرصة التي يتوقف استثمارها على تحقق شروط إضافية، والفرصة التي قد تتراجع إذا تأخر العمل عليها.

ويُستحسن، عند تقدير المسارات المهمة، ألا يقتصر التحليل على سيناريو واحد مرجح، بل أن يشمل بدائل محتملة، بما فيها السيناريوهات السلبية الشديدة، وأن يوضح ما يبقى ممكنا في كل منها. ولا يُقصد بذلك تحويل التقدير إلى تنبؤ حاسم، بل تجنب بناء القرار على افتراض أن الظروف ستظل ثابتة.

  1.  الإرادة: ما القرار المطلوب، ومن يلتزم به؟

تُختبر الإرادة من خلال وضوح الأهداف والأولويات، والاستعداد لاتخاذ القرارات اللازمة، وتحديد الجهات المسؤولة عن تنفيذها، والالتزام بمتابعة النتائج ومراجعة الخيارات عند الحاجة.

ولا يكفي إعلان النوايا أو التأكيد على أهمية استثمار الفرص؛ بل ينبغي تحديد القرار الذي يتطلبه المسار، ومن يملك صلاحية اتخاذه، وما الالتزامات التي تترتب عليه، وكيف يمكن التحقق من الانتقال من الإعلان إلى الممارسة.

في البيئات المتقلبة، لا يقتصر اختبار الإرادة على الاستعداد للبدء، بل يشمل أيضا الاستعداد لمراجعة القرار عندما تتغير المعطيات، والالتزام بالغايات الأساسية مع إمكان تعديل الوسائل. وينبغي التمييز بين التراجع الذي تفرضه مراجعة مدروسة للمخاطر والنتائج، والتراجع الذي ينشأ عن غياب الالتزام أو عدم وضوح المسؤولية.

كما يتطلب ذلك تحديد الجهة المخولة بالمراجعة، والمعايير التي تستدعي إعادة النظر، والكيفية التي تُتخذ بها القرارات عند ظهور معلومات جديدة أو تعارض التقديرات.

فالإرادة القادرة على التعلّم ليست مجرد إصرار على المسار الأول، بل قدرة على الحفاظ على الهدف ومراجعة الوسيلة في ضوء النتائج.

ج.   القدرة المنظمة: ما الذي يلزم لتحويل القرار إلى فعل؟

تتعلق القدرة المنظمة بتوافر الموارد والخبرات والمؤسسات والأدوات وشبكات التنسيق اللازمة لتحقيق النتيجة المستهدفة. ولا تقاس بمجرد وجود إمكانات متفرقة، بل بمدى القدرة على جمعها وتوجيهها وتوزيع الأدوار واستخدامها في عمل متسق.

لذلك ينبغي تحديد القدرات المطلوبة للمسار المختار، وما هو متاح منها، وما يحتاج إلى تطوير أو بناء، وكيف يمكن توفيره، ومن يتحمل مسؤولية ذلك. وإذا كشف التحليل عن قدرة غائبة أو مشتتة أو معطلة، فإن المطلوب هنا ليس إعادة شرح الحالة، بل تحديد الاستجابة التي يحتاج إليها المسار: بناء القدرة، أو تنظيمها وتنسيقها، أو تهيئة شروط استخدامها.

د.   المرونة البنيوية وبناء القدرة على الاستمرار

يتطلب بناء القدرة المنظمة في بيئة عدم اليقين الشديد النظر في مدى اعتماد المبادرة أو المؤسسة على مورد واحد، أو قناة واحدة، أو جهة واحدة، أو ترتيب تنظيمي يصعب تعديله. فكلما كان استمرار العمل مرهونا بعنصر منفرد معرض للانقطاع، ازدادت هشاشة المسار حتى لو كانت قدراته الحالية جيدة.

ومن هنا، يمكن تعزيز القدرة المنظمة من خلال تنويع مصادر الإسناد والتعاون، وتوضيح الأدوار البديلة، وبناء علاقات تكامل بين الجهات، وإتاحة إعادة توزيع المسؤوليات عند الحاجة، مع الحفاظ على وضوح التفويض والمساءلة. ولا يعني ذلك تفكيك المؤسسات أو الاستغناء عن البنى القائمة، بل زيادة قدرتها على مواصلة وظائفها الأساسية وتعديل ترتيباتها عندما تتغير الظروف.

ويُقصد هنا توفير قدرات وعلاقات بديلة أو مكملة تسمح باستمرار العمل إذا تعطل أحد مكوناته، بدلا من تركيز جميع الوظائف والموارد في نقطة واحدة. وينبغي أن يتناسب ذلك مع طبيعة المبادرة ومواردها ومخاطرها، وألا يتحول تعدد القنوات إلى تشتت أو ازدواجية أو غموض في المسؤوليات.

كما يمكن إخضاع المبادرات لاختبارات ضغط افتراضية تتناول انقطاع الموارد، أو تعطل التنسيق، أو تغير الظروف المحيطة، لتحديد الوظائف التي يمكن استمرارها، والقدرات التي تحتاج إلى تعزيز، وكلفة التوقف أو التعديل، والوقت اللازم لاستعادة الأداء. والغاية من هذه الاختبارات هي كشف مواطن الهشاشة قبل الالتزام بتوسيع المسار، لا افتراض إمكان منع جميع أشكال التعثر.

ه.   البيئة: ما الشروط المحيطة التي ينبغي أخذها في الحسبان؟

يتطلب تقدير فرص التحول فحص السياق الفلسطيني والإسرائيلي والعربي والدولي، وموازين القوى، ومواقف الجهات المؤثرة، والفرص والقيود التي تحدد مجال الحركة.

ولا يكون الهدف إعادة تصنيف العوائق الخارجية أو المؤسسية، بل تحديد أثر الظروف المحيطة في المسار المعني: ما الذي يمكن التأثير فيه؟ وما الذي يمكن التكيف معه؟ وما الذي يتطلب بناء تحالفات أو قدرات جديدة؟ وما الذي قد يجعل بعض النتائج ممكنة، فيما يحد من إمكان نتائج أخرى؟

كما ينبغي التمييز بين الشروط التي يمكن توفيرها مباشرة، وتلك التي تتطلب تعاون أطراف متعددة، وتلك التي ترتبط بتغيرات لا يمكن ضمان حدوثها. ويساعد هذا التمييز على تحديد ما يمكن البدء به الآن، وما يحتاج إلى تهيئة، وما ينبغي أن تظل نتائجه موضع تقدير حذر.

  1.  استشعار التغيّرات والإنذارات المبكرة

تتطلب إدارة عدم اليقين الشديد متابعة التغيّرات التي قد تؤثر في صلاحية التقديرات السابقة، مع التمييز بين الوقائع المؤكدة، والمؤشرات الأولية، والافتراضات التي تحتاج إلى تحقق.

ويمكن أن تشمل المتابعة التغيّرات الميدانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتبدل مواقف الجهات المؤثرة، وتغير شروط الوصول إلى الموارد أو إمكان مواصلة العمل.

ولا يكفي جمع المؤشرات؛ بل ينبغي تحديد دلالتها المحتملة، وما إذا كانت تستدعي التحقق الإضافي أو مراجعة التقدير أو الانتقال إلى بديل.

ولهذا يمكن ربط المؤشرات المهمة بقواعد مراجعة مسبقة توضّح متى يُعاد النظر في القرار، ومن يشارك في ذلك، وما المعلومات المطلوبة قبل اتخاذ الخطوة التالية.

وتساعد هذه المقاربة على الحد من خطرين متقابلين: تجاهل التغيّرات التي قد تقوض المسار، والمبالغة في تفسير إشارات محدودة بما يؤدي إلى تغييرات متسرعة. ويظل الحكم على المؤشرات خاضعا للمراجعة، لأن الإشارة المبكرة لا تثبت وحدها أن السيناريو المتوقع سيتحقق.

ح.  المساءلة والتعلّم: كيف نعرف أن المسار يتقدم، ومتى نراجعه؟

يتطلب بناء القدرة على التحول تحديد النتائج التي يُراد تحقيقها، والعلامات التي يمكن من خلالها تقدير التقدم، والجهات المسؤولة عن المتابعة، والآليات التي تسمح بمراجعة القرارات والافتراضات.

ولا تقتصر المساءلة على تحديد المسؤولية عند التعثر، بل تشمل أيضا التحقق من أن الموارد والقرارات وُجّهت نحو الأهداف المعلنة، وأن النتائج تُستخدم لتصحيح المسار. كما ينبغي تحديد الظروف التي تستدعي تعديل الوسائل أو تغيير الأولويات أو إعادة النظر في جدوى الاستمرار في المسار المختار.

تزداد أهمية المساءلة والتعلّم عندما تتغير الظروف بسرعة؛ إذ ينبغي أن تشمل المراجعة ليس فقط ما إذا نُفذت الخطوات المتفق عليها، بل أيضا ما إذا كانت الافتراضات التي بُني عليها القرار ما تزال قائمة، وما إذا كانت المؤشرات المستخدمة تعكس النتائج الفعلية، وما إذا كانت التغيّرات تستدعي تعديل الوسائل أو الأهداف المرحلية.

ويمكن تحديد نقاط مراجعة دورية، إلى جانب نقاط مراجعة استثنائية تُفعّل عند حدوث تغيّر جوهري في البيئة أو الموارد أو إمكانات التنفيذ. وينبغي أن تفضي المراجعة إلى استنتاج عملي واضح: الاستمرار، أو التعديل، أو الانتقال إلى بديل، أو تعليق المسار مؤقتا، أو إعادة تقدير جدواه. كما ينبغي توثيق أسباب القرار حتى يمكن التعلّم من النتائج ومراجعة التقديرات السابقة.

ولا يعني هذا أن كل تعثر يبرر التراجع، أو أن كل استمرار يعكس نجاحا؛ بل يتطلب الحكم على المسار فحص النتائج والتكاليف والبدائل، والتمييز بين الصعوبات المؤقتة والقيود التي تغيّر شروط إمكان تحقيق الهدف.

  1.   كيف تتفاعل الشروط، وما الذي ينبغي استكماله؟

لا تعمل الشروط بصورة منفصلة، ولا يضمن توافرها تحقيق النتائج. فقد تتوافر فرصة مهمة من دون قرار واضح لاستثمارها، أو يصدر القرار من دون وجود قدرة منظمة، أو تتوافر القدرة مع وجود قيود تحد من فاعليتها. وقد يبدأ المسار بنتائج أولية ثم يتعثر بسبب ضعف التنسيق أو غياب المتابعة أو تغير الظروف.

لذلك، ينبغي ألا يقتصر التقدير على السؤال عما إذا كانت شروط التحول متوافرة أم غائبة، بل أن يحدد مستوى توافر كل شرط، وعلاقته ببقية الشروط، وأثر النقص فيه على النتيجة المستهدفة. ويمكن أن ينتهي هذا التقدير إلى واحد من أربع استنتاجات عملية:

٠ مسار يمكن البدء به: تتوافر شروط كافية للشروع في العمل، مع تحديد ما يلزم لمتابعة تقدمه.

٠مسار يحتاج إلى استكمال شروطه: توجد فرصة معقولة، لكن التنفيذ يتطلب بناء قدرة أو توفير موارد أو تحديد قرار أو مسؤوليات.

٠مسار يتطلب تهيئة أو تنسيقا مسبقا: يعتمد التقدم فيه على تعاون جهات متعددة أو بناء علاقات أو استيفاء شروط لا يستطيع فاعل واحد توفيرها.

٠ مسار يحتاج إلى مراجعة تقديره: لا تكفي المعطيات المتاحة لإثبات جدواه، أو تبدو كلفته ومخاطره أعلى مما يمكن تبريره في الظروف الراهنة، أو تتطلب نتائجه المفترضة إعادة النظر.

ولا تمثل هذه الاستنتاجات أحكاما نهائية؛ فقد تتغير مع تغير الظروف أو ظهور معلومات جديدة. كما لا تعني صعوبة التنفيذ التخلي عن الهدف الوطني المرتبط بالمسار، بل التمييز بين أهمية الهدف والوسائل الممكنة للعمل عليه في مرحلة محددة.

ي.   التكيّف مع السيناريوهات المفتوحة ونقاط الانعطاف

في ظروف عدم اليقين الشديد، يمكن تعزيز هذا التقدير ببناء شجرة سيناريوهات ديناميكية لا تفترض مسارا واحدا، بل تحدد عددا من المسارات المحتملة، والظروف التي قد تؤدي إلى الانتقال من أحدها إلى آخر. وتُحدّد ضمن هذه الشجرة نقاط انعطاف أو عتبات حرجة، أي تغيّرات في البيئة أو الموارد أو إمكانات التنفيذ تستدعي إعادة تقييم المسار.

ولا ينبغي التعامل مع السيناريوهات بوصفها تنبؤات مؤكدة، بل بوصفها أدوات لاختبار القرارات والافتراضات.

ويمكن أن تشمل، بحسب طبيعة المسار، استمرار الظروف الحالية، أو تحسنها، أو تدهورها، أو وقوع انقطاع مفاجئ في أحد الشروط الأساسية.

وفي الحالات القصوى، يمكن إدراج سيناريوهات صفرية تتراجع فيها فرص التعايش أو التسوية أو استمرار المسار وفق ترتيباته القائمة، بهدف تقدير المخاطر والبدائل الممكنة، لا لإضفاء صفة الحتمية على هذه السيناريوهات.

ويُستحسن أن يتضمن كل سيناريو أربعة عناصر: الظروف التي قد تؤدي إليه، والمؤشرات التي تساعد على رصده، والنتائج المحتملة على المسار، والخيارات التي ينبغي مراجعتها إذا تحقق أو اقترب. ويساعد ذلك على الانتقال من الاستجابة الارتجالية بعد وقوع التغيّر إلى الاستعداد المسبق لمراجعته.

كما ينبغي اختبار مدى قابلية المسار للتعديل أو التراجع إذا لم تتحقق الافتراضات الأساسية، مع تقدير كلفة كل خيار وآثاره على الهدف الأوسع. ولا يعني ذلك تأجيل المبادرات إلى حين اكتمال المعلومات، بل التمييز بين خطوات يمكن البدء بها والتعلّم من نتائجها، وخطوات عالية الكلفة أو يصعب التراجع عنها وتتطلب تحققاً أوسع قبل الالتزام بها.

  1.   ما الذي يمكن البدء به؟ مصفوفة لتقدير شروط التحول

يمكن تطبيق إطار الشروط على عدد محدود من الفرص أو المسارات ذات الأولوية، على أن تُستخدم المصفوفة لتحديد متطلبات العمل، لا لإنتاج تقييم رقمي مجرد. وتتضمن المصفوفة:

٠الفرصه أو المسار الذي يجري تقديره، والنتيجة المراد تحقيقها.

٠الإمكانات والموارد والخبرات المتاحة، وما يستند إليه تقدير الفرصة.

 ٠القرار المطلوب، والجهة التي تملك صلاحية اتخاذه، والالتزامات اللازمة لتنفيذه.

 ٠القدرات التنظيمية والمؤسسية والبشرية المطلوبة، وما يتوافر منها وما يحتاج إلى بناء أو تطوير.

٠ الظروف المحيطة التي تساعد على التقدم أو تحد منه، وما يمكن التأثير فيه أو التكيف معه.

٠ آليات المتابعة والمساءلة والتعلم اللازمة لتقدير النتائج وتصحيح المسار.

٠ الشروط التي يتوقف عليها التقدم، والجهات التي يمكن أن تسهم في توفيرها.

٠ الخطوة التالية المقترحة، وما ينبغي التحقق منه قبل الانتقال إلى مرحلة أخرى.

وينبغي أن توضح المصفوفة أيضا درجة الثقة في التقديرات، والافتراضات التي تستند إليها، والمعلومات التي ما تزال ناقصة. فقد يكون القرار المناسب هو البدء، أو استكمال شرط محدد، أو بناء تنسيق بين جهات متعددة، أو مواصلة البحث قبل الالتزام بمسار يصعب التراجع عنه.

ولا تستهدف المصفوفة ترتيب القضايا الوطنية كلها في سلم واحد، أو اختزال الإمكانية والإرادة والقدرة والبيئة في درجة رقمية. وظيفتها أضيق وأكثر تحديدا: مساعدة المشاركين على فهم متطلبات مسار معين، وتحديد ما يمكن فعله، وما ينبغي استكماله، وما يحتاج إلى مراجعة.

  1. تقدير القدرة على الاستمرار والتكيّف

يمكن تعزيز المصفوفة ببُعد تحليلي عابر لشروطها، هو «مؤشر القدرة على الاستمرار والتكيّف في بيئة عدم اليقين الشديد». ويهدف هذا المؤشر إلى فحص مدى قدرة المسار على مواصلة وظائفه الأساسية، والتكيف مع تغير الظروف، وتحمّل التعثر، ومراجعة خياراته دون فقدان هدفه الأساسي.

ويُقترح تقدير هذا البُعد من خلال أربعة أسئلة توجيهية:

٠استمرارية الوظائف الأساسية: إلى أي مدى تستطيع المبادرة أو المؤسسة مواصلة وظائفها الأساسية إذا تعطل بعض الموارد أو القنوات أو الشراكات التي تعتمد عليها؟ وما الوظائف التي ينبغي إعطاؤها الأولوية عند تراجع القدرة؟

٠قابلية إعادة التنظيم والتجميع: هل يمكن تعديل توزيع الأدوار أو إعادة ترتيب مكونات المبادرة وتنسيق الجهات المشاركة فيها، مع الحفاظ على وضوح المسؤوليات والتفويض والمساءلة؟

٠كلفة التعثر وإمكان التعافي: ما الكلفة المحتملة لتوقف المسار أو تعطل أحد مكوناته؟ وما الموارد والوقت اللازمان لاستعادة القدرة على العمل أو الانتقال إلى بديل؟

٠حماية مقومات الحياة والحد الأدنى من الاستمرار: هل يسهم المسار في حماية الاحتياجات والوظائف المجتمعية الأساسية؟ وهل توجد بدائل مناسبة إذا تعذر المسار الأصلي، بما يحد من الآثار المترتبة على توقفه؟

ولا يُقصد بهذا المؤشر إنشاء درجة رقمية توحي بدقة غير متوافرة، بل تنظيم التقدير وتوضيح الافتراضات ومواطن الهشاشة والبدائل الممكنة. ويمكن تسجيل الإجابات وصفيا، مع تحديد الأدلة المتاحة ودرجة الثقة في كل تقدير، ثم استخدامها لتحديد ما إذا كان المسار قابلا للبدء، أو يحتاج إلى تعزيز قدرته على الاستمرار، أو يتطلب استكمال شروطه، أو ينبغي إعادة تصميمه.

كما يمكن إدراج اختبار ضغط افتراضي ضمن تطبيق المصفوفة، يتناول احتمال انقطاع مورد أساسي، أو تعطل قناة للتنسيق، أو تغير شرط مؤثر في البيئة. ويُفحص من خلاله ما إذا كان المسار قادرا على مواصلة وظائفه، وما البدائل المتاحة، وما القرارات التي ينبغي مراجعتها. وتُحدّد مدة الاختبار ومؤشراته بحسب طبيعة المبادرة ومخاطرها، ولا تُعتمد مهلة موحدة لجميع المسارات.

وتتكامل هذه الإضافة مع أركان المصفوفة الأصلية ولا تحل محلها؛ فهي تعزز تقدير الإمكانية من خلال اختبار الافتراضات، والإرادة من خلال مراجعة القرارات، والقدرة المنظمة من خلال فحص الاستمرارية والبدائل، والبيئة من خلال رصد التغيّرات، والمساءلة والتعلّم من خلال مراجعة النتائج وتصحيح المسار.

مثال تطبيقي أولي: من الاستجابة الإغاثية إلى استعادة القدرة على إنتاج الحياة

يمكن اختبار إطار تقدير شروط التحول على مسار محدد، يتمثل في معالجة الفجوة بين الاستجابة الإغاثية العاجلة وإعادة بناء مقومات التعافي المحلي والمجتمعي، بما يساعد على استعادة القدرة الإنتاجية للسكان، وعدم اختزالهم في حالة الاحتياج الدائم.

ويتطلب العمل على هذا المسار تحديد الجهات التي يمكن أن تسهم في تنفيذه، وأدوارها وصلاحياتها، والموارد المتاحة، وأشكال التنسيق اللازمة بينها. ويمكن بحث إمكان بناء ائتلاف وظيفي يضم المبادرات الأهلية والنقابات المهنية والمجالس المحلية، بالتعاون مع مجموعات ضاغطة في الداخل والشتات، على أن تُحدد قواعد عمله وتفويضه ومساءلته بصورة واضحة، وتربط الشرعية بالقدرة الفعلية على حماية الحياة وصون الحقوق.

ويمكن تقدير التقدم من خلال مؤشرات مناسبة، تشمل مدى توافر مقومات الحياة الأساسية في المناطق المستهدفة، واستعادة أنشطة اقتصادية واجتماعية محلية، وقدرة التدخلات على الانتقال من إدارة الاحتياجات الطارئة إلى دعم استعادة الحياة والإنتاج.

وتخضع هذه التجربة لمراجعة دورية تبحث فيما تحقق، وما تعثر، وما إذا كان التعثر ناتجا عن نقص الموارد والقدرات، أو ضعف التنسيق، أو قيود بنيوية ومؤسسية. وتُستخدم النتائج لتعديل المسار وأدواته، أو لإعادة تقدير شروطه، من دون افتراض أن نجاحه مضمون، أو أن هذا المثال يحسم ترتيب الأولويات الوطنية.

  1. اختبار استمرارية مسار التعافي

يمكن تطبيق بُعد الاستمرار والتكيّف على هذا المثال من خلال اختبار مدى اعتماد أنشطة التعافي على موارد أو ترتيبات قد تتعطل، وتحديد الوظائف الأساسية التي ينبغي الحفاظ عليها إذا تغيرت الظروف، والبدائل الممكنة لاستمرار العمل. كما يمكن فحص قدرة الجهات المشاركة على إعادة توزيع الأدوار وتعديل ترتيبات التنسيق عند الحاجة، من دون الإخلال بالتفويض والمساءلة، أو تحويل تعدد الجهات إلى تشتت في المسؤولية.

ويشمل التقدير تحديد مؤشرات مبكرة تدل على تعثر الانتقال من الإغاثة إلى التعافي، والتمييز بين تعثر يمكن معالجته بتعديل التنفيذ، وتعثر يستدعي توفير موارد أو قدرات جديدة، وآخر يرتبط بقيود بنيوية تتطلب معالجة أوسع. ويمكن أيضا اختبار سيناريوهات سلبية شديدة، بما فيها انقطاع أحد مصادر الإسناد أو تعطل بعض ترتيبات التنسيق، لمعرفة الوظائف التي يمكن مواصلتها والبدائل التي تحتاج إلى إعداد مسبق.

ويظل هذا التطبيق نموذجا أوليا للنقاش والاختبار، وليس وصفة جاهزة أو افتراضا بأن ائتلافا بعينه هو الخيار الوحيد. وتُحدّد بنية العمل والجهات المشاركة وتفويضها وفق السياق الفعلي، والاحتياجات التي تكشفها الأدلة، والقدرات المتاحة، ومتطلبات الشرعية، والمساءلة.

  1. من التعافي الافتراضي الى المرونة تحت السيطرة الميدانية المباشرة

ولكيلا يتحول نموذج الانتقال من الإغاثة إلى التعافي إلى افتراض نظري يصطدم بواقع السيطرة الميدانية المباشرة والإنكار الكامل للموارد من قبل الاحتلال، يتوجب إخضاع مسارات التعافي لـ "اختبارات واقعية الإنكار". يقوم هذا الاختبار على تشغيل المبادرات بحد أدنى من الاعتماد على المعابر أو الترتيبات المركزية، عبر اعتماد الإنتاج المحلي الخفيف والموزع، والشراكات المجتمعية اللامركزية، وتوظيف النقد الرقمي أو شبكات التضامن المباشر.

 إن نجاح التعافي في ظروف الحصار الشديد لا يقاس بضخامة المشروعات، بل بقدرتها على البقاء والاستمرار والتعافي الذاتي عند الانقطاع الكامل للموارد المترابطة.

 ما الذي يحتاج إلى نقاش؟

  1.  ما المعايير التي تساعد على التمييز بين فرصة قابلة للاستثمار وتقدير متفائل لا تسنده أدلة كافية؟
  2. كيف يمكن اختبارالإرادة من خلال القرارات والالتزامات والممارسة، لا من خلال الخطاب وحده؟

ج.   ما القدرات التي يتطلبها كل مسار، وكيف نميز بين ما ينبغي بناؤه وما ينبغي تنظيمه وتنسيقه؟

د.    كيف نقدر أثر البيئة والقيود المحيطة من دون جعل تغيرها شرطا مسبقا لكل فعل، أو تجاهل أثرها في النتائج الممكنة؟

ه.   من يملك مسؤولية توفير الشروط اللازمة، وكيف تُوزع الأدوار بين الجهات المعنية؟

و.  ما العلامات التي تدل على أن شروط التحول تتحسن فعلا، وما الذي يستدعي مراجعة التقدير أو تغيير المسار؟

  1.   كيف نربط تقدير شروط التحول باختيار الأولويات والمبادرات، من دون الخلط بين إمكان تنفيذ مسار معين وبين أهميته الوطنية والاستراتيجية؟

ح.  كيف يمكن تحديد السيناريوهات التي تستحق إدراجها في التقدير، بما فيها السيناريوهات السلبية الشديدة، من دون تحويل الاحتمالات إلى تنبؤات مؤكدة؟

  1.   ما المؤشرات أو العتبات التي ينبغي أن تستدعي مراجعة القرار أو الانتقال إلى مسار بديل؟ ومن يملك صلاحية اتخاذ هذا القرار؟
  1. ما الوظائف الأساسية التي ينبغي الحفاظ عليها عند تعطل بعض الموارد أو القنوات، وكيف يمكن تحديد أولوياتها؟
  1.  إلى أي مدى يمكن إعادة تنظيم المبادرات وتوزيع الأدوار بين الجهات المشاركة من دون إضعاف التنسيق أو المساءلة؟
  2.   ما الكلفة المحتملة للتوقف أو التراجع أو تغيير المسار، وما الذي ينبغي التحقق منه قبل الالتزام بخطوات يصعب الرجوع عنها؟
  3.   كيف يمكن اختبار قدرة المبادرات على الاستمرار والتعافي قبل توسيعها، وما الأدلة التي تسمح بالحكم على نتائج الاختبار؟
  4.    كيف نوازن بين ضرورة البدء والعمل في ظل نقص المعلومات، وبين ضرورة التحقق من الافتراضات عندما تكون كلفة الخطأ مرتفعة؟

لا يفترض هذا المحور أن شروط التحول يمكن توفيرها جميعا دفعة واحدة، أو أن توافرها يضمن النتيجة. بل يسعى إلى جعل تقدير الإمكانات والالتزامات والقدرات والظروف المحيطة جزءا من عملية بناء القدرة على الفعل.

ويضيف التعامل مع بيئة عدم اليقين سؤالا مكملا لا ينفصل عن قضايا القرار والشرعية: من يملك صلاحية تحديد السيناريوهات التي يُستعد لها، وتقدير المخاطر المقبولة، واختيار البدائل عند تغير الظروف؟ وكيف تخضع هذه القرارات للمراجعة والمساءلة، ولا سيما عندما تؤثر في حياة الناس وحقوقهم ومواردهم؟ وبذلك، لا تصبح المرونة مجرد مسألة تنظيمية أو فنية، بل جزءا من القدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة، ومراجعتها في ضوء الأدلة والنتائج، مع الحفاظ على الغايات الوطنية والحقوق الأساسية.

سادساً: القرار والشرعية والوحدة الوطنية - من يقرر، وبأي تفويض، ولحساب من؟

1. ما الذي كشفه الحوار؟

أعاد الحوار طرح سؤال لا يمكن تجاوزه عند الانتقال من تشخيص الواقع إلى التفكير في تغييره: من يملك القرار الوطني الفلسطيني، وعلى أي أساس يملكه، ومن يشارك في صنعه، ومن يتحمل نتائجه، ومن يملك حق مراجعته ومساءلة أصحابه؟

تتصل بهذا السؤال مداخلات عدة، وإن اختلفت زوايا تناولها. فقد شدد يحيى بركات على أن الوحدة الوطنية لا تتحقق بمجرد اجتماع الأطراف على طاولة واحدة، بل بقيام شراكة فعلية تتيح للمجتمع المشاركة في تقرير مستقبله، وعلى ضرورة التمييز بين احترام التضحيات ومنح أصحاب القرار حصانة من المساءلة.

ولفت فارس عياش إلى أن إنهاء الانقسام لا يكتمل بإعلان المصالحة، بل يحتاج إلى رؤية مشتركة وإرادة عمل وشراكة حقيقية.

أما جواد عقل، فربط إمكان استثمار اللحظة التاريخية بوجود رؤية وطنية واضحة ومرجعية تمثيلية خاضعة للمساءلة وأولويات متفق عليها.

ومن زاوية أخرى، دعا مصطفى النبيه وأمين كعابنة إلى عدم تحميل الناس مسؤولية العجز قبل فحص مسؤوليات السلطات والنخب والبنى والمصالح التي تؤثر في قدرتهم على الفعل، وإلى بناء مؤسسات تحول المعرفة إلى سياسات وتخضع القرار للمساءلة.

وطرح عواد أبو زينة أزمة الفاعلية الرسمية الفلسطينية وغياب الرؤية الاستراتيجية بوصفهما فرضيتين تستحقان البحث، لا نتيجتين ينبغي التسليم بهما مسبقا.

وتقود هذه المداخلات إلى تمييز أساسي: ليست المشكلة في وجود أهداف وطنية أو تضحيات أو طاقات مجتمعية فحسب، بل أيضا في القواعد التي تحدد من يترجمها إلى قرارات، وكيف تُكتسب شرعية هذه القرارات، وكيف تُراجع نتائجها. 

فالتضحيات تمنح القضية معناها الأخلاقي والتاريخي، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال التمثيل، كما أن امتلاك موقع رسمي أو سلطة فعلية لا يكفي وحده لإثبات أن القرار يعبر عن إرادة الفلسطينيين أو يخضع لمساءلتهم.

ولا ينفصل هذا السؤال عن السياق الاستعماري والاستيطاني الذي يقيّد الخيارات الفلسطينية ويفرض أثمانا غير متكافئة على المجتمع كما أشار خالد عطية. فمساءلة القرار الفلسطيني لا تعني نقل المسؤولية عن الجرائم الإسرائيلية إلى الفلسطينيين، ولا تجاهل القيود المفروضة عليهم؛ بل تعني التمييز بين المسؤولية عن العدوان والاحتلال، والمسؤولية عن القرارات والخيارات التي تقع ضمن مجال الفعل الفلسطيني، مهما ضاق هذا المجال.

2. ربط الأهداف الوطنية بقواعد القرار والتمثيل والمساءلة

يقترح هذا المحور التعامل مع سؤال الشرعية والقرار من خلال مسارين متلازمين، لا يغني أحدهما عن الآخر:

المسار الأول: الاتفاق على الحقوق والأهداف الوطنية.

يتعلق بتحديد ما يجمع الفلسطينيين من حقوق وطنية ثابتة، وما تعنيه الحرية والعودة وتقرير المصير والعدالة والكرامة، وكيف تُصان هذه الحقوق في مختلف السياقات التي يعيش فيها الفلسطينيون. ولا يفترض هذا المسار أن الاتفاق على الأهداف يستلزم تزامن تحقيقها، أو الاتفاق على جميع التقديرات السياسية أو الوسائل.  فقد تتباين الخيارات والاجتهادات بين التجمعات الفلسطينية المختلفة وفقا لظروفها، مع بقاء الالتزام بالحقوق الوطنية المشتركة وعدم الإضرار بفرص إحقاقها.

المسار الثاني: بناء قواعد مشروعة للقرار والتمثيل والمساءلة.

يتعلق بتحديد من يشارك في صياغة الأهداف والأولويات، وكيف يُمنح التفويض، وما حدود الصلاحيات، وكيف تُتخذ القرارات وتُراجع، وكيف تُوزع المسؤوليات عن نتائجها. ولا يكفي أن تتفق القوى السياسية على برنامج ما إذا بقي المجتمع بعيدا عن صياغته أو عاجزا عن مساءلة من يتحدثون باسمه.

ويتطلب الجمع بين المسارين عدم اختزال الشرعية في مصدر واحد، بل التمييز بين مصادرها وأبعادها المتداخلة:

  • الشرعية التاريخية والأخلاقية: تستند إلى تاريخ النضال والتضحيات والتمسك بالحقوق الوطنية. وهي أساس مهم للذاكرة والالتزام، لكنها لا تمنح تفويضا مفتوحا لاتخاذ كل قرار، أو تعفي أصحابه من المساءلة.
  • الشرعية التمثيلية والمؤسسية: تتصل بمدى تمثيل المؤسسات والقوى لمكونات الشعب الفلسطيني، وبقواعد عملها وقدرتها على التعبير عن المصالح الوطنية المشتركة. وهي تحتاج إلى مؤسسات فاعلة وإجراءات واضحة تتيح المشاركة والمراجعة.
  • التفويض الشعبي: يتصل بقدرة الفلسطينيين على التعبير عن إرادتهم واختيار ممثليهم ومراجعتهم، من خلال آليات ملائمة للواقع الفلسطيني، تضمن الحريات والمشاركة وتراعي تشتت الشعب والقيود المفروضة على حياته السياسية.
  • شرعية الأمر الواقع: تنشأ من السيطرة الفعلية على مؤسسات أو موارد أو مجالات جغرافية، لكنها لا تتحول تلقائيا إلى شرعية تمثيلية، ولا تكفي السيطرة وحدها لإثبات صحة القرار أو قبول المجتمع به.

لا يلزم أن تتطابق هذه الأبعاد دائما، وقد تنشأ بينها توترات أو فجوات. والمطلوب ليس افتراض حل مسبق لهذه التوترات، بل جعلها موضوعا صريحا للحوار: كيف تُعالج الفجوة بين التمثيل الرسمي والإرادة الشعبية؟ وكيف تُصان استمرارية المؤسسات من دون تحويلها إلى مواقع مغلقة؟ وكيف تُحترم التضحيات والخبرات التاريخية من دون أن تتحول إلى بديل عن التفويض والمساءلة؟

وفي هذا السياق، ينبغي تناول علاقة منظمة التحرير الفلسطينية بالتمثيل الوطني، وعلاقة السلطة بالمجتمع وبحدود صلاحياتها، ومكانة المقاومة ضمن المشروع الوطني، ودور الانتخابات والمؤسسات التمثيلية، بوصفها قضايا مترابطة تحتاج إلى نقاش سياسي واضح. فلا الانتخابات وحدها تحل جميع أسئلة الشرعية، ولا يمكن الاستغناء عن تجديد التفويض والمشاركة والحريات، ولا يصح افتراض أن وجود مؤسسة أو قوة سياسية بعينها يحسم وحده سؤال التمثيل الوطني.

كما أن الشرعية ليست تفويضا أبديا. فحق المجتمع في المراجعة والمساءلة لا يتعارض مع احترام التاريخ والتضحيات، بل يشكل أحد شروط صون معناهما السياسي والأخلاقي. والوفاء للشهداء، كما أشار يحيى بركات، لا ينفصل عن حماية الأحياء وصون قدرتهم على تقرير حياتهم ومستقبلهم.

الوحدة الوطنية: شراكة في القرار وليست مجرد مصالحة بين القوى

إنها، في المقام الأول، بناء إطار يتيح للفلسطينيين المشاركة في تحديد أهدافهم وأولوياتهم، وإدارة اختلافاتهم من دون أن يتحول الاختلاف إلى تعطيل دائم أو إقصاء أو احتكار للقرار.

ويشمل هذا التصور الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس ومناطق عام 1948 والمخيمات والشتات. غير أن الشمول لا يعني افتراض تطابق ظروفهم أو أولوياتهم أو أشكال مشاركتهم؛ بل يقتضي إيجاد قواعد تضمن المساواة في الحقوق والانتماء السياسي، مع مراعاة تفاوت الظروف والقيود والاحتياجات.

وتبرز هنا ضرورة أن يكون للأجيال الجديدة واللاجئين والفلسطينيين في الشتات حضور حقيقي في آليات التمثيل وصنع القرار، لا مجرد حضور في الخطاب الوطني. كما تبرز الحاجة إلى قواعد تحمي التعددية، وتتيح تداول المسؤولية، وتمنع احتكار تعريف المصلحة الوطنية أو تحويل الخلاف السياسي إلى تخوين متبادل.

3. ما الذي يمكن البدء به؟ مبادئ أولية للحوار الوطني

لا يقترح هذا المحور برنامجا سياسيا أو صيغة جاهزة لإعادة بناء النظام الوطني الفلسطيني، بل يقترح مجموعة مبادئ يمكن أن تشكل أرضية للاختبار والنقاش وليست توافقا تحقق بالفعل بين المتحاورين.

  1.  تثبيت الحقوق الوطنية المشتركة: الانطلاق من الحقوق الوطنية الثابتة وغير القابلة للتصرف، وجوهرها الحرية والعودة وتقرير المصير، باعتبارها مرجعية مشتركة للحوار، مع إبقاء الخلاف حول الوسائل والخيارات مفتوحا للنقاش المسؤول.
  2. المساواة في الانتماء والحقوق السياسية: التعامل مع الفلسطينيين، أينما كانوا، بوصفهم شركاء في تقرير المستقبل، مع مراعاة الاختلاف بين أوضاعهم والقيود التي قد تحدد أشكال حضورهم في المؤسسات.

ج.   توضيح قواعد التمثيل والتفويض: فتح نقاش صريح حول من يمثل الفلسطينيين، وكيف يُكتسب هذا التمثيل ويُجدد، وما الضمانات التي تحول دون انفصال المؤسسات عن المجتمع الذي يفترض أن تمثله

د.  تحديد قواعد اتخاذ القرار: توضيح مستويات القرار وصلاحيات الجهات المختلفة، وكيفية التشاور والتوافق والتصويت عند الحاجة، وكيفية التعامل مع القرارات التي تتباين حولها التقديرات الوطنية.

ه.  حماية الاختلاف وتسوية النزاعات: تطوير قواعد تسمح بالتعددية الفكرية والسياسية، وتمنع احتكار الوطنية أو إقصاء المخالفين، وتوفر آليات لمعالجة النزاعات من دون تعطيل مستمر للعمل الوطني.

و.  المساءلة والشفافية: الاتفاق على حق المجتمع في معرفة الأسس التي تُبنى عليها القرارات، ومراجعة نتائجها، ومساءلة المسؤولين عنها، من دون أن يتحول ذلك إلى وسيلة لتصفية الخلافات أو التنصل من المسؤوليات المشتركة.

ح.  توسيع المشاركة بصورة قابلة للتحقق: مناقشة خطوات واقعية تتيح مشاركة الفئات والمناطق الأقل حضورا في المؤسسات وآليات القرار، ولا سيما الشباب والنساء ومناطق 1948 واللاجئين والشتات، من دون الاكتفاء بإعلان النوايا.

هذه المبادئ ليست بديلا عن النقاش السياسي، بل إطار لتنظيمه. ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها توافقا تحقق بالفعل، وإنما بوصفها نقاطا مقترحة يمكن للمشاركين اختبارها وتعديلها وتحديد مواضع الاتفاق والاختلاف بشأنها.

4. ما الذي يحتاج إلى نقاش؟

يفتح هذا المحور أسئلة لا يمكن حسمها مسبقا، ومن أبرزها:

  1.    ما المرجعية الوطنية التي يمكن أن تجمع الفلسطينيين حول الحقوق والأهداف المشتركة، من دون أن تفرض عليهم الاتفاق على جميع الخيارات السياسية؟
  2. كيف يمكن تجديد شرعية التمثيل الوطني في ظل تشتت الشعب الفلسطيني والانقسام، والقيود المفروضة على الانتخابات والحريات والتنظيم؟
  1.  ما العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات السلطة والقوى السياسية والمجتمع، وكيف تُحدد صلاحيات كل منها ومسؤولياتها؟

د.   كيف يمكن تناول موقع المقاومة ضمن المشروع الوطني، وعلاقتها بالقرار السياسي والتمثيل والمساءلة، من دون اختزال القضية في وسيلة واحدة أو فصل الوسائل عن الغايات؟

  1.   ما الضمانات التي تمنع تحول الوحدة الوطنية إلى تسوية بين الفصائل والنخب على حساب المجتمع، أو تحول الاختلاف المشروع إلى ذريعة لتعطيل العمل المشترك؟
  2. كيف يُضمن حضور الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس ومناطق عام 1948 والمخيمات والشتات، بما يراعي اختلاف ظروفهم من دون الانتقاص من حقوقهم في المشاركة؟
  1.   كيف تُصان شرعية التاريخ والتضحيات، وفي الوقت نفسه يُفتح المجال لتجديد التفويض وتداول المسؤولية ومساءلة أصحاب القرار؟
  1. كيف يمكن التمييز بين المساءلة التي تعزز القدرة الوطنية، والمساءلة التي تُستخدم للإقصاء أو لتبادل الاتهامات أو للتنصل من المسؤولية عن النتائج؟

وتظل هذه الأسئلة مفتوحة، لأن الغرض ليس إنتاج صيغة توافقية سريعة، بل بناء نقاش قادر على تسمية الخلافات وتحديد طبيعتها، والتمييز بين ما يتطلب اتفاقا وطنيا وما يمكن أن يبقى مجالا للتنافس والاجتهاد.

سابعاً: جغرافية الصدى - كيف يتحول التضامن العربي والدولي إلى تأثير فعلي؟

1. ما الذي كشفه الحوار؟

وسّعت نزهة الإدريسي النقاش من اتساع الصدى الدولي إلى شروط انتقاله نحو السياسات المؤسسات.

 فيما ركز هاشم عبد السلام على مسؤولية الأنظمة العربية، وعلى أهمية تنظيم الفعل المدني والسياسي والقانوني وتحويله إلى جهد مستدام.

 وطرح سعيد مدحية مرجعية الأبارتهايد بوصفها إطارا حقوقيا وقانونيا يمكن أن يسهم في توحيد جوانب من الخطاب وتوجيه العمل الدولي.

وتكشف هذه المداخلات ضرورة التمييز بين مستويات متعددة لا تتطابق بالضرورة: التعاطف الشعبي، وتغير الوعي العام، واتساع الاحتجاج، ونشوء الشبكات والتنظيمات، والتأثير في المؤسسات والقرارات والسياسات، ثم تنفيذ القرارات وتثبيت نتائجها في الواقع.

فقد يتسع التضامن الشعبي من دون أن ينعكس على مواقف الحكومات، وقد تتغير المواقف المعلنة من دون أن تتغير السياسات، وقد تصدر قرارات أو تتخذ إجراءات من دون أن تنفذ، أو من دون أن ينعكس أثرها بالقدر المتوقع على حياة الفلسطينيين وحقوقهم.

لذلك، لا يكفي قياس الصدى بحجم الحضور الإعلامي أو أعداد المشاركين في الاحتجاجات أو اتساع الاعترافات والمواقف السياسية؛ بل ينبغي البحث في طبيعة التأثير الذي تحقق، وحدوده، وشروط استمراره.

ولا يعني ذلك التقليل من قيمة التضامن أو التعبئة الشعبية، بل تحديد موقعهما ضمن مسار أوسع يصل بين الوعي والتنظيم والضغط وصنع القرار والتنفيذ.

كما يقتضي تحليل الصدى الدولي عدم التعامل مع البيئة الدولية باعتبارها مجالا موحدا؛ فالدول والمؤسسات والمجتمعات المدنية والقوى السياسية تختلف في مصالحها وأدواتها واستعدادها للتحرك، وتتأثر بموازين القوى والتحالفات والقيود القانونية والسياسية.

ومن هنا، يصبح السؤال ليس فقط: إلى أي مدى اتسع الصدى؟

بل أيضا: ما الذي استطاع هذا الصدى تغييره؟ وما الذي بقي خارج نطاق تأثيره؟ وما الأدوات التي يمكن أن تصل بين التضامن والنتائج الفعلية؟

2. من التضامن الواسع إلى التأثير المنظم

يقترح هذا المحور النظر إلى تحويل التضامن العربي والدولي إلى تأثير فعلي بوصفه عملا متعدد المسارات، تتكامل فيه الأدوات من دون أن يحل مسار واحد محل المسارات الأخرى.

المسار الأول: الحقوق والقانون والمساءلة

يشمل توثيق الانتهاكات، وإنتاج ملفات تستند إلى الأدلة، ومتابعة المسارات القضائية والقانونية ذات الصلة، والعمل على تفعيل آليات المساءلة وفق الأطر القانونية المعمول بها.

وتتطلب فاعلية هذا المسار التمييز بين توثيق الانتهاكات، وبدء الإجراءات القانونية، وصدور القرارات، وتنفيذها، والنتائج التي تترتب عليها. فلكل مرحلة شروطها وحدودها، ولا ينبغي تقديم التقدم في مرحلة منها بوصفه دليلا تلقائيا على تحقق النتائج في المراحل الأخرى.

ويمكن لمرجعية الأبارتهايد التي أشار إليها سعيد مدحية أن تؤدي دورا في بناء خطاب حقوقي وقانوني حول أنماط التمييز والسيطرة، حيث تسند الأدلة والتعريفات القانونية هذا الاستخدام. لكنها لا تشكل وحدها برنامجا سياسيا متكاملا، ولا تغني عن تحديد الحقوق والأهداف المراد تحقيقها، والأدوات والجهات التي يمكن أن تسهم في ذلك.

المسار الثاني: السياسية والدبلوماسية

يتعلق بمتابعة المواقف والقرارات والالتزامات السياسية، والعمل على تحويل ما يُعلن إلى إجراءات قابلة للتحقق، ومتابعة تنفيذها ومساءلة الجهات المعنية عنها.  ويقتضي ذلك التمييز بين تغير الخطاب السياسي وتغير السياسة، وبين صدور القرار وتطبيقه، وبين الالتزام المعلن وتخصيص الأدوات والموارد اللازمة لتنفيذه. كما يستدعي تحليل الفروق بين مواقف الدول والمؤسسات، بدلا من التعامل مع «الموقف الدولي» باعتباره موقفا واحدا متجانسا. وهذه مسؤولية السفارات الفلسطينية والعربية والجاليات الفلسطينية والعربية.

المسار الثالث: الفعل المدني والشعبي

يتعلق ببناء شبكات مستدامة للتضامن، وتنسيق المبادرات والجهود المدنية والنقابية والطلابية والحقوقية، وربط التعبئة الشعبية بأهداف واضحة يمكن متابعتها. ولا تكمن المسألة في استمرار الاحتجاج وحده، بل في قدرة المبادرات على المحافظة على المشاركة، وتبادل الخبرات، وتحديد المطالب، وتطوير أشكال عمل تناسب السياقات المختلفة. 

كما ينبغي تجنب اختزال العمل المدني في الحملات الموسمية أو افتراض أن اتساع التعبئة يؤدي بالضرورة إلى تغيير السياسات.

المسار الرابع: المعرفة والإعلام

يشمل إنتاج معرفة موثقة وقابلة للتحقق، وتصحيح المعلومات المضللة، وتطوير الخطاب الإعلامي والحقوقي، وإبراز الفلسطينيين بوصفهم أصحاب حقوق وفاعلين في تقرير حياتهم ومستقبلهم، وليس مجرد موضوع للصور والتعاطف.

ويتطلب ذلك وصل الرواية الفلسطينية بالأدلة والسياقات التاريخية والقانونية والإنسانية، وتجنب الفصل بين عرض المعاناة وفهم شروط استمرارها. 

كما يقتضي التمييز بين انتشار المعلومات وتغير المواقف، وبين تغير المواقف والاستعداد للتحرك، وبين هذا الاستعداد وتحوله إلى قرارات أو ممارسات.

المسار الخامس: التنسيق بين الفاعلين والسياقات

يتعلق بربط الجهود الفلسطينية والعربية والدولية بأهداف مفهومة ومتكاملة، مع احترام اختلاف السياقات السياسية والقانونية والاجتماعية، وتفاوت الأدوات والقدرات المتاحة لكل جهة كما أشارت نزهة الإدريسي وهاشم عبد السلام.

ولا يعني التنسيق توحيد جميع المبادرات أو إخضاعها لجهة واحدة، بل توضيح مجالات التكامل بينها، وتقليل التناقض والتشتت حيثما أمكن، وتحديد ما يستطيع كل فاعل القيام به، وما النتائج التي يمكن أن يسهم في تحقيقها.

وتظل العلاقة بين هذه المسارات سؤالا مفتوحا: كيف يمكن وصل العمل القانوني بالفعل السياسي والمدني والمعرفي، من دون افتراض أن النجاح في أحدها يضمن النجاح في البقية؟ وكيف يمكن بناء تراكم بين الجهود، مع إبقاء كل مسار خاضعا للتقييم وفق طبيعته وأدواته؟

3.    ما الذي يمكن البدء به؟

يمكن البدء ببناء خريطة للتأثير الفلسطيني والعربي والدولي، لا تقتصر على حصر الجهات المتضامنة، بل تتناول طبيعة أدوارها ومجالات تأثيرها والقرارات أو السياسات التي يمكن أن تتصل بعملها. ويمكن أن تتضمن هذه الخريطة:

  1.  الجهات والمؤسسات والقوى المدنية والسياسية المعنية، وأدوارها الفعلية أو المحتملة.
  2. القرارات والالتزامات ذات الصلة، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، والآليات المتاحة لمتابعتها.
  1.  أدوات التأثير المستخدمة، مثل العمل الحقوقي والقانوني والدبلوماسي والمدني والإعلامي.

د.    الصلات القائمة بين المبادرات الفلسطينية والعربية والدولية، ومجالات التعاون أو التداخل أو التباين بينها.

  1.   النتائج التي يمكن رصدها في كل مسار، والعوامل التي قد تحد من أثرها أو تحول دون استدامتها.

وينبغي أن يستند تقييم هذه الجهود إلى مؤشرات تناسب طبيعتها، بدلا من الاكتفاء بعدّ التصريحات أو المظاهرات أو الاعترافات السياسية. ومن المهم التمييز بين مؤشرات النشاط، مثل عدد الحملات أو المبادرات، ومؤشرات التغيير، مثل تعديل سياسة أو تفعيل إجراء أو تنفيذ التزام، ثم النظر في مدى انعكاس ذلك على الحقوق والظروف الفعلية للفلسطينيين.

ولا ينبغي افتراض أن كل نتيجة يمكن نسبتها إلى حملة بعينها؛ فقد تنتج التحولات عن تفاعل عوامل متعددة. لذا فإن تقييم التأثير يحتاج إلى توثيق التغيرات، وفحص الصلات المحتملة بينها وبين الجهود المبذولة، والاعتراف بما لا تسمح الأدلة بالجزم به.

وهذه الخريطة ليست خطة تنفيذية مكتملة، بل أداة أولية لفهم المجال الذي يتحرك فيه التضامن، وتحديد مواضع التأثير الممكنة وحدودها، تمهيدا لاختيار الأولويات التي تستحق العمل عليها.

  1.  مأسسة  التضامن: من المظاهرة الموسمية إلى البنية المؤسسية المستدامة:

ولضمان عدم انحسار التضامن الشعبي والدولي باعتياد مشاهد العدوان أو تراجع الاهتمام الإعلامي، ينبغي الانتقال من إدارة الحملات الموسمية إلى "مأسسة التضامن". يتطلب ذلك تفعيل دور الجاليات الفلسطينية والعربية والإسلامية وبناء شراكات مع الحركات المناهضة للعنصرية والمدافعة عن حقوق الإنسان، والمنظمات الحقوقية وتحويل المبادرات الطلابية والشبابية في العالم العربي وفي الغرب إلى أطر مؤسسية ذات تمويل ذاتي، وشبكات قانونية مستقرة، ومراكز رصد حقوقي دائم.

إن تحويل عاطفة التضامن إلى قوة سياسية مستدامة يقتضي بناء قنوات تواصل مؤسسية مع الأحزاب والنقابات والبرلمانيين، واستثمار أدوات المقاطعة والضغط القانوني بوصفها عملاً يومياً متراكماً لا يتأثر بالمد والجزر الإعلامي.

5.    ما الذي يحتاج إلى نقاش؟

يفتح هذا المحور مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن حسمها من خلال اتساع التضامن وحده:

  1.  ما الذي يستطيع الفعل الفلسطيني والعربي المنظم تغييره في البيئة الدولية، وما حدود التأثير في ظل المصالح والتحالفات وموازين القوى؟
  2. كيف يمكن الانتقال من تغير الوعي العام واتساع الاحتجاج إلى تغيير المؤسسات والسياسات، وما الشروط التي تساعد على وصل هذه المستويات؟

ج.  ما العلاقة بين العمل الحقوقي والقانوني والعمل السياسي والدبلوماسي والمدني والإعلامي؟ وكيف يمكن تعزيز التكامل بينها من دون اختزال التأثير في مسار واحد؟

د.  كيف يمكن التعامل مع التفاوت بين المواقف الشعبية ومواقف الحكومات، وبين الخطاب الرسمي والممارسة، من دون افتراض أن أحدهما يعكس الآخر بصورة آلية؟

ه. ما الذي يجعل التضامن مستداما بعد انحسار الاهتمام الإعلامي أو تغير الظروف السياسية؟ وكيف يمكن الحفاظ على الشبكات والخبرات المتراكمة وتطويرها؟

  1.  كيف يمكن استخدام المرجعيات الحقوقية والقانونية، ومنها الأبارتهايد حيثما انطبقت التعريفات والأدلة ذات الصلة، من دون تحويلها إلى بديل عن الرؤية السياسية أو افتراض أنها وحدها تنتج التغيير؟
  1.  كيف يمكن قياس أثر المبادرات بإنصاف ودقة، مع التمييز بين النشاط والنتائج، وبين الارتباط السببي المحتمل والتزامن، وبين الإنجاز الجزئي والتحول المستدام؟

وتبقى هذه الأسئلة مفتوحة لأن الغرض ليس افتراض أن التضامن قادر على تغيير كل شيء، ولا الحكم مسبقا بعجزه، بل تحديد ما يمكن أن يفعله، وتحت أي شروط، وبأي أدوات، وكيف يمكن التحقق من نتائجه.

ثامناً: من تعدد المواقف إلى المعرفة المشتركة - كيف ننتج معرفة قابلة للاختبار؟

1. ما الذي كشفه الحوار؟

أظهرت المداخلات التي تناولتها الورقة تعددا في زوايا النظر إلى الحدث وتداعياته وإمكانات التحول. فقد ركز بعض المشاركين على البنى والمصالح التي تعطل الفعل، وعلى الفجوة بين المعرفة والقدرة على التأثير؛ وركز آخرون على شروط الصمود وإعادة بناء الحياة، وعلى أزمة التمثيل والقرار والمساءلة، وعلى إمكانات تحويل التضامن العربي والدولي إلى تأثير سياسي وقانوني مستدام.

ولا يعني هذا التعدد بالضرورة أن المداخلات متعارضة؛ فقد تتناول مستويات مختلفة من المشكلة، أو تستخدم مفاهيم متباينة لوصف ظاهرة واحدة، أو تتفق على تشخيص عام وتختلف في تفسير أسبابه أو في تقدير شروط معالجته. لكنه لا يعني، في المقابل، أن جميع المداخلات تنتهي إلى استنتاج واحد، أو أن جمعها في وثيقة موحدة يكفي لإنتاج معرفة جديدة.

تكشف المداخلات مجتمعة أن قيمة الحوار لا تكمن في إنتاج ورقة تجمع أكبر عدد من الأفكار، بل في بناء طريقة مشتركة لفحصها، وتحديد ما تضيفه كل فكرة إلى فهمنا، وما الأدلة التي تسندها، وما الذي يظل مفتوحا للنقاش.

2 .   حوار بوصفه عملية لإنتاج المعرفة

يقترح هذا المحور التعامل مع الحوار باعتباره عملية معرفية تراكمية، وليس مجرد تبادل للآراء أو جمع للمواقف. ويقتضي ذلك التمييز بين خمسة مستويات مترابطة:

أ.  الوقائع والمعطيات

ما الذي نعرف أنه حدث، وما المصادر التي نستند إليها؟ يشمل ذلك الوقائع التاريخية والسياسية والقانونية، والبيانات المتاحة، والقرارات المعلنة، وما يمكن التحقق منه من نتائج.

ويقتضي هذا المستوى التمييز بين الواقعة الموثقة، والرواية المنقولة، والانطباع الشخصي، والتقدير السياسي. كما يتطلب توثيق الادعاءات التي تتصل بقرارات رسمية أو تحولات قانونية أو تغيرات في السياسات، وعدم التعامل مع تداول المعلومة على نطاق واسع بوصفه دليلا كافيا على صحتها.

ب.   التفسير

ما الذي تعنيه الوقائع، وما العوامل التي يمكن أن تفسرها؟ قد يتفق المشاركون على وقوع حدث معين، لكنهم يختلفون في تفسير دوافعه أو نتائجه أو علاقته بتحولات أوسع. وهنا ينبغي التمييز بين التفسير المدعوم بأدلة، والتفسير الذي يستند إلى قرائن جزئية، والفرضية التي تحتاج إلى مزيد من البحث. ولا يُحسم الاختلاف في التفسير بمجرد تكرار الرأي أو اتفاق عدد من المشاركين عليه.

ج.  الافتراضات

ما الذي نفترض صحته عند بناء حججنا؟ قد نفترض، مثلا، أن اتساع التضامن يؤدي إلى تغير السياسات، أو أن توافر الإرادة يتيح بناء القدرة، أو أن تغيير بنية القرار يفتح المجال أمام تحول سياسي.  لكن هذه العلاقات ليست مضمونة في كل حالة.  ولذلك ينبغي إخراج الافتراضات إلى العلن، والسؤال عن الشروط التي تجعلها صحيحة أو عن الحالات التي قد تنقضها.

د. الاختلافات وحدود المعرفة

أين نتفق، وأين نختلف، وما الذي لا نملك معلومات كافية للحكم عليه؟ لا ينبغي تحويل كل اختلاف إلى تناقض، ولا اختزال التباين في اختلاف وجهات النظر إذا كان يتعلق بادعاءات واقعية يمكن التحقق منها.

وقد يكون الاختلاف ناتجا عن اختلاف السياقات التي ينظر منها المشاركون إلى الظاهرة، أو عن تفاوت خبراتهم، أو عن اختلاف تقديراتهم للنتائج والمخاطر. وقد يكشف أيضا نقصا في المعلومات أو قصورا في المفاهيم المستخدمة.

والهدف ليس إزالة الاختلاف بأي ثمن، بل تحديد طبيعته، والتمييز بين ما يمكن حسمه بالأدلة، وما يحتاج إلى مزيد من البحث، وما يبقى خلافا سياسيا أو قيميا مشروعا.

ه.  الاستنتاجات القابلة للمراجعة

ما الذي نستطيع استنتاجه في ضوء الوقائع والتفسيرات والافتراضات المتاحة؟ ينبغي أن تكون الاستنتاجات محددة بقدر ما تسمح به الأدلة، وأن تبقى قابلة للتعديل عندما تظهر معطيات جديدة أو تتغير الظروف. وبهذا المعنى، لا تعني المعرفة المشتركة أن يتبنى الجميع الرأي نفسه، بل أن يتشاركوا قواعد واضحة لفحص الادعاءات، وتحديد مصادر الاختلاف، وتفسير أسباب تبني استنتاج معين، ومراجعته عند الضرورة.

3. كيف ننتقل من الحوار إلى معرفة قابلة للفحص؟

يمكن تنظيم حصيلة الحوار في سجل معرفي مشترك، يرافق تطوير الورقة ولا يحل محل مداخلات أصحابها. ويهدف هذا السجل إلى حفظ الأفكار في سياقها، وتحديد علاقتها ببقية الأفكار، وتوثيق ما يدعمها وما يظل موضع سؤال. ويمكن أن يتضمن السجل العناصر الآتية:

  1.   الفكرة أو الادعاء: ما القضية المحددة التي تطرحها المداخلة؟
  2. مصدرها وسياقها: من طرحها، وفي أي سياق، وعلى أي تجربة أو معطيات استند؟
  1.  نوعها: هل هي واقعة، أم تفسير، أم فرضية، أم موقف قيمي أو سياسي، أم اقتراح عملي؟

د.    ما يسندها: ما الأدلة أو الخبرات أو المقارنات التي تدعمها؟

ه.    ما يحتاج إلى فحص: ما المعلومات الناقصة، أو التفسيرات البديلة، أو الحالات التي قد تختبر صلاحيتها؟

و.     علاقتها بالمداخلات الأخرى: هل تعزز فكرة أخرى، أم تكملها، أم تختلف معها، أم تنقل النقاش إلى مستوى مختلف؟

  1.    الحصيلة الحالية: هل أمكن التوصل إلى استنتاج مشترك، أم بقيت المسألة مفتوحة، أم تحتاج إلى بحث إضافي؟

ويجب ألا يتحول هذا السجل إلى أداة لتصنيف المشاركين أو ترجيح آرائهم على أساس المكانة أو عدد المؤيدين. كما ينبغي الحفاظ على نسبة الأفكار إلى أصحابها، والتمييز بين ما قاله المشارك فعلا وما استخلصته الورقة من مداخلته. ولا يشترط أن تكون جميع الأفكار قابلة للاختبار بالطريقة نفسها. فالادعاء المتعلق بقرار رسمي يمكن فحصه من خلال الوثائق، بينما يحتاج تفسير التحولات السياسية إلى مقارنة الأدلة والفرضيات البديلة، وقد يتطلب تقييم تجربة معينة الاستماع إلى أصحابها وتحليل نتائجها وحدودها.

كذلك، لا ينبغي أن يُفهم «الاختبار» باعتباره اختزالا لكل القضايا الوطنية والإنسانية في مؤشرات رقمية. فبعض النتائج يمكن قياسها كميا، وبعضها يحتاج إلى تحليل نوعي، أو تقدير تاريخي أو قانوني، وبعضها يتصل بقيم وحقوق لا تختزل في الأرقام. 

المطلوب هو وضوح معايير الحكم، وليس فرض مقياس واحد على جميع الأسئلة.

4. ما الذي يمكن أن ينتجه الحوار؟

يمكن أن تتبلور حصيلة الحوار في أربع مخرجات معرفية متمايزة:

أ. قضايا اتضح فيها قدر من الاتفاق.

وهي القضايا التي تتقاطع حولها المداخلات بوضوح، مع ضرورة تحديد مستوى الاتفاق بدقة. فقد يكون الاتفاق على أهمية المساءلة، مثلا، من دون اتفاق على آلياتها أو الجهات التي ينبغي أن تخضع لها.

ب. قضايا تتكامل فيها التفسيرات.

وهي القضايا التي تقدم بشأنها المداخلات مستويات مختلفة من الفهم. فقد يفسر أحد المشاركين العائق من زاوية مؤسسية، فيما يضيء آخر مصالح القوى الفاعلة، أو القيود الخارجية، أو التجربة الاجتماعية. ويمكن أن يؤدي جمع هذه المستويات إلى تفسير أكثر شمولا، شريطة ألا يُفترض تكاملها قبل فحص العلاقة بينها.

ج. قضايا بقيت موضع خلاف.

ينبغي توثيق هذه القضايا كما هي، مع توضيح طبيعة الخلاف وأسبابه بقدر الإمكان. ولا ينبغي صياغة ورقة موحدة توحي بأن المشاركين توافقوا على استنتاج لم يتبنوه، أو حذف رأي لأنه لا ينسجم مع الاتجاه الغالب.

د. أسئلة تحتاج إلى بحث إضافي.

قد يكشف الحوار أن بعض القضايا لا يمكن حسمها بالخبرة الشخصية أو النقاش وحدهما، وأنها تحتاج إلى بيانات أو وثائق أو دراسات حالة أو مقارنة بين تجارب مختلفة. وتحديد هذه الفجوات ليس علامة على فشل الحوار، بل أحد مخرجاته المهمة.

وتساعد هذه المخرجات على نقل الورقة من مجرد عرض للمداخلات إلى بناء معرفي يوضح ما أضافه الحوار إلى الفهم الأصلي، وما الذي ما يزال يحتاج إلى اختبار، وما المسائل التي ينبغي أن تظل مفتوحة.

5. ما الذي يحتاج إلى نقاش؟

  1.  ما المعايير التي يمكن اعتمادها للتمييز بين الوقائع والتفسيرات والافتراضات، من دون إقصاء الخبرة الميدانية أو التقليل من قيمة الشهادة الشخصية؟
  2. كيف نختبر العلاقة بين الحدث والصدى والتحول، ونميز بين التزامن والسببية، من دون افتراض أن كل تحول لاحق نتج عن الحدث وحده؟
  1.   كيف نحدد ما إذا كانت المداخلات المختلفة متعارضة فعلا، أم أنها تتناول مستويات متعددة من القضية نفسها؟

د.      ما الذي يجعل استنتاجا معينا قابلا للمراجعة، وما نوع الأدلة التي يمكن أن تدفعنا إلى تعديله؟

ه. كيف نحافظ على خصوصية مداخلات المشاركين ونسبة الأفكار إلى أصحابها، وفي الوقت نفسه نسمح بإعادة تركيبها ضمن معرفة مشتركة؟

و.   كيف نتعامل مع القضايا التي يتعذر حسمها بسبب نقص المعلومات، أو تعارض الأدلة، أو اختلاف المواقف السياسية والقيمية؟

ز.    ما التوازن المناسب بين إنتاج معرفة دقيقة، وبين الحاجة إلى استخلاص أسئلة ونتائج تساعد على التفكير في الفعل، من دون التسرع في الانتقال من التشخيص إلى وصفات جاهزة؟

تاسعاً: من المعرفة إلى الأولويات والفعل - كيف نختار ما يستحق البدء به، وكيف نقيّم النتائج؟

1. ما الذي كشفه الحوار؟

أظهرت المحاور السابقة أن التحدي لا يقتصر على فهم الحدث ونتائجه، أو تفسير أسباب التعثر، أو تحديد شروط التحول، بل يمتد إلى اختيار ما ينبغي العمل عليه في ضوء المعرفة المتاحة والقدرات والشروط التي أمكن تقديرها.

فقد طرح المشاركون قضايا تتصل بحماية الحياة والصمود، واستعادة الثقة بالمستقبل، وبناء القدرة المنظمة، وتجديد الشرعية والتمثيل، وتحويل التضامن العربي والدولي إلى تأثير فعلي. ولا تتساوى هذه القضايا في طبيعتها، أو أفقها الزمني، أو متطلبات العمل عليها؛ فبعضها يمثل أهدافا استراتيجية طويلة الأمد، وبعضها يتطلب بناء شروط مسبقة، وبعضها قد يتيح مبادرات محددة يمكن البدء بها أو اختبارها في الظروف المتاحة.

ومن هنا، لا يتمثل المطلوب في إنتاج قائمة إضافية من التوصيات، بل في بناء طريقة تساعد على المفاضلة بين المقترحات، وتوضيح أسباب اختيار بعضها أو تأجيل بعضها الآخر، وربط كل مبادرة بنتيجة محددة ومسؤوليات واضحة وآليات مناسبة للمتابعة والتقييم.

ولا يعني ذلك أن ما يمكن تنفيذه بسهولة هو بالضرورة الأكثر أهمية، أو أن المبادرات المحدودة يمكن أن تحل محل الأهداف الوطنية الكبرى. كما لا يعني أن تعذر البدء بمسار معين في الوقت الراهن يبرر التخلي عنه. المطلوب هو التمييز بين أهمية الهدف، وإمكان العمل عليه في الظروف المتاحة، والشروط التي يحتاج إليها، والنتائج التي يمكن توقعها بصورة مسؤولة.

2. من تقدير شروط التحول إلى اختيار الأولويات

ينطلق اختيار الأولويات من نتائج التحليل السابق، ولا يعيد بناءه من البداية. فالمحور الرابع يساعد على فهم أسباب التعثر ومواضع التعطيل، والمحور الخامس يساعد على تقدير شروط التحول وما يتوافر منها وما يحتاج إلى استكمال. أما هذا المحور فيستخدم تلك الحصيلة لمقارنة الخيارات وتحديد ما يستحق البدء به، وما يحتاج إلى تهيئة، وما ينبغي أن يظل هدفا استراتيجيا يتطلب عملا طويل الأمد. ويمكن تنظيم الاختيار حول أربع اعتبارات مترابطة:

  1.    الأهمية والنتيجة الوطنية أو المجتمعية

ما المشكلة التي تستهدفها المبادرة، ولماذا تستحق المعالجة؟ وما علاقتها بحماية الحياة والحقوق والكرامة، أو تعزيز القدرة المجتمعية والسياسية، أو توسيع مجال التأثير؟ ينبغي ألا تُختزل أهمية المبادرة في سهولة تنفيذها أو سرعة ظهور نتائجها، بل تُقدّر أيضاً في ضوء الهدف الأوسع الذي تسهم فيه.

  1.  إمكان البدء وشروط التنفيذ

ما الذي يمكن فعله في الظروف الراهنة؟ وما الحد الأدنى من الموارد والخبرات والتنسيق والصلاحيات اللازمة؟ وهل تتوافر هذه الشروط، أم أن البدء يتطلب استكمال معرفة أو بناء قدرة أو تهيئة علاقة بين جهات متعددة؟

ويُستفاد هنا من تقدير شروط التحول في المحور الخامس، من دون إعادة شرحها. والغرض هو تحديد ما إذا كانت المبادرة قابلة للبدء، أو تحتاج إلى تحضير، أو تعتمد على شروط لا تزال غير متوافرة.

  1.  الأثر المتوقع وحدوده

ما التغيير الذي يُرجح أن تسهم المبادرة في تحقيقه؟ ومن الفئات أو المؤسسات التي يُفترض أن يتأثر وضعها؟ وما حدود هذا التأثير، وما المخاطر أو النتائج غير المقصودة المحتملة؟

وينبغي التمييز بين النتيجة التي تستطيع المبادرة تحقيقها مباشرة، والنتيجة التي لا تستطيع إلا الإسهام فيها، والهدف الاستراتيجي الذي يتطلب تضافر مسارات متعددة. كما يجب توضيح الافتراضات التي يقوم عليها تقدير الأثر، وعدم التعامل مع النتائج المتوقعة باعتبارها مضمونة.

  1.  

هل يمكن متابعة المبادرة بطريقة تكشف ما تحقق وما تعثر؟ وهل توجد إمكانية لتعديلها في ضوء النتائج أو المعلومات الجديدة؟ وما الذي قد يدفع إلى توسيعها أو تغييرها أو إيقافها؟

ولا يعني هذا الاعتبار تفضيل المبادرات التي يسهل قياسها على القضايا الوطنية والإنسانية المعقدة، بل ضمان أن يكون لكل مبادرة تصور واضح لكيفية متابعة تقدمها والتعلم من تجربتها.

ولا ينبغي تحويل هذه الاعتبارات إلى معادلة رقمية موحدة، أو افتراض أن جميعها يمكن اختزالها في مقياس واحد. وظيفتها تنظيم المفاضلة وتوضيح مبرراتها، مع إبقاء الاختلاف في تقدير الأهمية والجدوى والأثر موضوعاً صريحاً للنقاش.

   كيف نحول الأولوية إلى مبادرة قابلة للعمل والتقييم؟

بعد اختيار أولوية معينة، ينبغي الانتقال من إعلان أهميتها إلى تحديد ما يتطلبه العمل عليها. ويمكن توثيق كل مبادرة في بطاقة موجزة تتناسب مع طبيعتها وحجمها، وتتضمن العناصر الآتية:

  1.   المشكلة المحددة: ما الفجوة أو المشكلة التي تستهدفها المبادرة، وما الذي يبرر اعتبارها أولوية؟
  2. النتيجة المستهدفة: ما الذي يُراد تغييره، لدى من، وخلال أي أفق زمني تقريبي؟
  1.   صلة المبادرة بالهدف الأوسع: كيف تسهم في تحقيق غاية وطنية أو مجتمعية أو سياسية، وما حدود إسهامها؟

د.  الجهات والأدوار: من يقود العمل، ومن يشارك فيه، ومن يتأثر بنتائجه، ومن يملك صلاحية اتخاذ القرارات اللازمة؟

  1.  المتطلبات والموارد: ما القدرات والموارد والعلاقات التي تحتاج إليها المبادرة، وما الذي توافر منها وما الذي لا يزال مطلوبا؟
  2.   القيود والمخاطر: ما الظروف التي قد تعوق التنفيذ أو تحد من الأثر أو تنتج نتائج غير مرغوبة؟
  1.  مؤشرات التقدم والنتائج: ما الأدلة التي يمكن أن تساعد على معرفة ما إذا كانت المبادرة تحقق غايتها؟
  1.    المراجعة والتعلّم: متى تُراجع النتائج والافتراضات؟ وما الظروف التي تستدعي تعديل المبادرة أو توسيعها أو إيقافها؟

ولا يُشترط أن تكون جميع هذه العناصر مفصلة بالقدر نفسه في كل مبادرة. فقد يكفي وصف موجز لمبادرة صغيرة قابلة للاختبار، فيما تتطلب المبادرات الممتدة أو متعددة الأطراف تحديداً أدق للأدوار والموارد والمخاطر وآليات المتابعة.

كما ينبغي التمييز بين من يملك تنفيذ المبادرة، ومن يستطيع التأثير في نتائجها، ومن تقع عليه مسؤولية توفير الشروط اللازمة.

 فليس من الدقة تحميل جهة مسؤولية نتيجة لا تملك صلاحية تحقيقها، كما لا يجوز استخدام تعدد الجهات أو وجود قيود خارجية لإخفاء مسؤوليات يمكن تحديدها ومراجعتها.

8. كيف نقيّم النتائج ونتعلم منها؟

لا يكتمل اختيار الأولويات بتحديد المبادرات وبدء تنفيذها، بل يحتاج إلى متابعة تسمح بفهم ما تحقق فعلا، وما لم يتحقق، ولماذا. ويتطلب ذلك التمييز بين ثلاثة مستويات:

  1. النشاط والإنجاز المباشر

يشمل ما نُفذ فعليا، مثل تنظيم عمل مشترك، أو إنتاج معرفة موثقة، أو إطلاق مبادرة، أو إنجاز إجراء محدد. وهذه مؤشرات مهمة لمتابعة التنفيذ، لكنها لا تثبت وحدها تحقق التغيير المقصود.

  1. النتائج والتغيرات المتحققة

تتعلق بما تغير بفعل المبادرة، مثل تحسن التنسيق، أو توسيع المشاركة، أو تطوير آلية عمل، أو تعديل ممارسة، أو إجراء، أو تفعيل التزام يمكن التحقق منه. وينبغي اختيار مؤشرات تتناسب مع طبيعة كل مبادرة، والتمييز بين ما يمكن إثباته وما يظل تقديرا.

  1.    الإسهام في التحول الأوسع

قد تحقق مبادرة نتيجة ملموسة من دون أن تنتج وحدها تحولا استراتيجيا. لذلك ينبغي تقدير علاقتها بالهدف الأوسع، وتحديد ما إذا كانت تمهد لمسارات أخرى أو تسهم في تغيير شروط العمل، من دون المبالغة في نسبة التحولات المعقدة إلى مبادرة واحدة.

ولا يكفي رصد التزامن بين المبادرة والتغير اللاحق لإثبات أن الأول تسبب في الثاني؛ فقد تتداخل عوامل متعددة في إنتاج النتيجة. لذلك ينبغي توثيق الأدلة المتاحة، وفحص التفسيرات البديلة، والاعتراف بحدود ما يمكن نسبته إلى المبادرة.

ويجب أن يكون التقييم مدخلا للتعلم والمراجعة، لا مجرد حكم نهائي بالنجاح أو الفشل.

كما يجب التمييز بين تعثر يرتبط بضعف التنفيذ، وتعثر ينتج عن قيود خارجية، وتعثر يكشف نقصا في القدرة أو خللا في القرار أو التنسيق. وتساعد هذه التفرقة على وصل نتائج التقييم بالتحليل الذي تناوله المحور الرابع، وعلى تحديث تقدير شروط التحول الذي تناوله المحور الخامس.

9     كيف نحافظ على التوازن بين الأهداف الاستراتيجية والمبادرات الممكنة؟

يمكن تنظيم حصيلة النقاش في ثلاث فئات متكاملة:

  1.    قضايا استراتيجية طويلة الأمد: تمثل حقوقا وأهدافا وغايات وطنية لا تفقد أهميتها بسبب صعوبة تحقيقها في المدى القريب، وتتطلب مسارات متراكمة لبناء شروطها.
  2. مبادرات يمكن البدء بها أو اختبارها: تستهدف مشكلة محددة، وتملك شروطا معقولة للتنفيذ والمتابعة، ويمكن أن تنتج معرفة أو قدرة أو تغييرا قابلا للفحص.

ج.    قضايا تحتاج إلى استكمال المعرفة أو تهيئة الشروط: لا يعني تأجيل تنفيذها التخلي عنها، بل تحديد ما ينقص لفهمها أو توفير متطلبات العمل عليها، وتعيين ما يمكن القيام به في هذه الأثناء.

ولا تمثل هذه الفئات ترتيبا نهائيا للأولويات، بل تمييزا بين طبيعة القضايا وما تتطلبه من عمل. وقد ترتبط المبادرة المحددة بهدف استراتيجي بعيد المدى، كما قد تسهم دراسة إضافية أو خطوة تمهيدية في تهيئة شروط مبادرة لم يحن وقت تنفيذها بعد.

وتجنبا لإعادة إنتاج الفجوة بين القول والفعل، ينبغي الانتباه إلى مخاطر كثرة المبادرات من دون أثر واضح، وتحويل المؤشرات إلى غاية مستقلة، وتوزيع المسؤولية على نحو يحجبها، وتجاهل الظروف المتغيرة، وتحميل المجتمع مسؤولية نتائج لا يملك التحكم فيها، والخلط بين الإنجاز الجزئي والتحول الاستراتيجي.

والغرض ليس تقليل عدد المبادرات لمجرد التقليل، ولا تفضيل النتائج السريعة على الأهداف البعيدة، بل بناء صلة واضحة بين ما نريد تغييره، وما يمكن البدء به، وما نحتاج إلى بنائه، وكيف نراجع خياراتنا في ضوء النتائج.

10   ما الذي يحتاج إلى نقاش؟

  1. كيف نحدد الأولويات عندما تتعدد القضايا الملحّة وتتفاوت الموارد والقدرات المتاحة؟
  2. كيف نوازن بين الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد والمبادرات التي يمكن البدء بها أو اختبارها في الظروف الراهنة؟

ج.  ما المعايير التي تساعد على المفاضلة بين المبادرات من دون اختزال الأهمية الوطنية والإنسانية في سهولة التنفيذ أو في درجة رقمية واحدة؟

د.   من يشارك في تحديد الأولويات، ومن يملك صلاحية اعتمادها، وكيف تُراجع عند تغير الظروف أو ظهور معلومات جديدة؟

ه.   كيف نحدد مسؤوليات التنفيذ والمتابعة عندما تتوزع الأدوار بين جهات متعددة أو تعتمد النتائج على أطراف لا تخضع لسيطرة القائمين بالمبادرة؟

و.   ما المؤشرات المناسبة لكل نوع من المبادرات، وكيف نميز بين النشاط والإنجاز المباشر والنتائج المتحققة والإسهام في التحول الأوسع؟

ز.    كيف نضمن أن يقود التقييم إلى التعلم وتصحيح المسار، وليس إلى تبرير القرارات السابقة أو تبادل اللوم؟

  1.    متى يكون الاستمرار في المبادرة مبررا، ومتى يكون تعديلها أو توسيعها أو إيقافها أكثر اتساقاً مع أهدافها؟
  1.    كيف نحافظ على الصلة بين المبادرات المحددة والحقوق والأهداف الوطنية الأوسع، بحيث لا تحل النجاحات الجزئية محل الغايات الاستراتيجية؟

لا تفترض هذه الأسئلة وجود إجابات واحدة تصلح لجميع الحالات. والمطلوب هو تطوير طريقة مشتركة للمفاضلة والتقييم والمراجعة، مع إبقاء الاختلاف في تقدير الأهداف الوسيطة والأدوات والنتائج موضوعا للنقاش، وتحويل ما يتعلمه الحوار إلى أساس لتطوير الأولويات والمبادرات.

وبذلك، يصبح اختيار الأولويات حلقة وصل بين المعرفة والفعل: فهو يستند إلى تفسير التعثر وتقدير شروط التحول، ثم يحول هذه الحصيلة إلى خيارات واضحة، ويعيد نتائج التنفيذ إلى الحوار من أجل مراجعة المعرفة وتصحيح المسار.

عاشراً: من سؤال التحول إلى بناء شروطه

توسّع الحوار حول الورقة الأصلية «طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل» من قراءة الحدث وآثاره واتساع صداه إلى مساءلة شروط التحول. وقد أظهرت المداخلات أن المسألة لا تتعلق فقط بحجم التأثير أو بوجود فرص جديدة، بل بالعلاقة بين الإمكان والإرادة والقدرة والبيئة، وبالبنى والمصالح التي تتيح الفعل أو تعرقله، وبالجهات التي تملك القرار وتتحمل مسؤولية نتائجه، وبقدرة المجتمع على حماية حياته والمشاركة في تقرير مستقبله.

ومن هنا، لا يكفي رصد النتائج المباشرة والتحولات في الوعي والتنظيم والبنى، بل ينبغي أيضا دراسة ما لم يتحقق، والمسارات التي تعثرت، ونقاط التعطيل، والعوامل التي أسهمت فيها، والجهات التي تتحمل المسؤولية عنها، بالاستناد إلى الأدلة المتاحة والتمييز بين الوقائع والتفسيرات والفرضيات.

ولا يكفي تحديد عوائق التحول، بل ينبغي التمييز بين ما يمكن تجاوزه بالأدوات المتاحة، وما يتطلب بناء قدرة جديدة، وما يرتبط بقيود خارجية أو بتغيرات في موازين القوى، وما يستدعي مراجعة بنية القرار والتمثيل وقواعد المساءلة. كما ينبغي التمييز بين اتساع التضامن وتحقق التأثير، وبين توافر الإمكانات والقدرة على تنظيمها، وبين الاتفاق على الأهداف الوطنية والاتفاق على وسائل تحقيقها.

ولا يمكن أن يصبح الصمود بديلا عن الحياة، ولا التضامن بديلا عن التنظيم، ولا الوحدة بديلا عن الشرعية والمساءلة، ولا المعرفة بديلا عن الفعل، ولا الفعل غير المدروس بديلا عن المعرفة.

المطلوب هو وصل هذه العناصر في مسار متكامل، مع الاعتراف بأن بعض العوائق لا يمكن إزالتها بإرادة الفاعلين وحدهم، وأن بعض الخيارات ستظل موضع خلاف يستلزم الحوار والفحص، وأن تعثر المسارات لا يثبت وحده استحالة التغيير، كما أن وجود الفرص لا يضمن تحقق التحول. وعليه، تقترح الورقة أن ينتقل الحوار إلى ثلاث مهمات مترابطة:

مهمة تفسيرية، تحدد ما الذي تغير وما الذي لم يتغير، وما النتائج التي تحققت أو لم تتحقق، وأين تعثرت المسارات، وما العوامل التي أسهمت في ذلك. وتتطلب هذه المهمة التمييز بين الوقائع والتفسيرات والافتراضات، وفحص العلاقة بين الحدث والصدى والتحول، وعدم الخلط بين التزامن والسببية أو بين تغير الخطاب وتغير السياسات والنتائج.

مهمة تأسيسية، تحدد مقومات الحياة والصمود والقدرة المجتمعية، وشروط تجديد الشرعية والتمثيل، وقواعد القرار والمشاركة والمساءلة، وآليات تنظيم الفعل، وسبل تحويل التضامن العربي والدولي إلى تأثير. ولا تفترض هذه المهمة أن جميع الأسئلة قد حُسمت أو أن المشاركين يتبنون تصورا واحدا؛ بل تسعى إلى توضيح مواضع الاتفاق والاختلاف، وتحديد ما يحتاج إلى معرفة إضافية أو نقاش أعمق.

مهمة عملية، تختار عددا محدودا من الأولويات والمبادرات التي يمكن العمل عليها أو اختبارها، وتوضح المشكلة التي تستهدفها كل مبادرة، والنتائج المراد تحقيقها، والجهات المعنية، والقدرات والموارد اللازمة، والقيود والمخاطر المحتملة، ومؤشرات التقدم، وآليات التقييم، والمراجعة. ولا تُختزل هذه المهمة في سهولة التنفيذ أو في المؤشرات الرقمية وحدها، بل تراعي أهمية القضايا الوطنية، وتفاوت شروط العمل عليها، وحدود ما يمكن إثباته بشأن نتائجها.

ولا تفترض هذه المهمات أن طريق التحول واضح أو مضمون، بل تجعل من تحديد العقبات واختبار البدائل ومراجعة الافتراضات جزءاً من العمل نفسه. فحين يتعثر مسار، لا يكفي إعلان فشله؛ ينبغي فهم أسباب تعثره، والتمييز بين ما يعود إلى قصور في التصور أو التنفيذ، وما يرتبط بقيود خارجية أو اختلالات في القدرة والقرار، ثم تحديد ما إذا كان المسار قابلا للإصلاح أو يحتاج إلى بديل، وما الشروط اللازمة لنجاح أي خيار جديد.

كما أن اختيار الأولويات لا يمثل نهاية عملية التفكير، بل بداية دورة من الفعل والتقييم والتعلم. فقد تكشف التجربة عن عائق لم يكن واضحا، أو عن افتراض لم يصمد أمام الوقائع، أو عن قدرة لم تُستخدم، أو عن أثر لم يكن متوقعا. وعندئذ ينبغي أن تعود النتائج إلى الحوار لتطوير المعرفة وتصحيح المسار، لا أن تُعامل المبادرات باعتبارها خطوات منفصلة عن التحليل والمراجعة

  1. التحوّل بوصفه قدرة على الاستمرار والتكيّف

وتقتضي هذه الدورة الانتباه إلى أن القدرة على التحوّل لا تُقاس فقط بإمكان إطلاق المبادرات أو تحقيق نتائج أولية، بل أيضاً بقدرة الفاعلين والمجتمع على مواصلة العمل وحماية الوظائف الأساسية، والتكيّف مع تغيّر الظروف، واستعادة القدرة بعد التعثر، وتطوير الوسائل حين تكشف التجربة عن محدوديتها. فقد يكون المسار قابلا للبدء، لكنه يظل هشّا إذا اعتمد على مورد واحد أو قناة واحدة أو جهة لا بديل عنها، أو إذا لم تتوافر آليات واضحة للتعامل مع الانقطاع والتغيرات المفاجئة.

ولا يعني ذلك أن كل مسار ينبغي أن يكون محصّنا من التعثر، أو أن استمراره مبرر مهما بلغت كلفته. بل يتطلب الأمر تقدير ما ينبغي الحفاظ عليه، وما يمكن تعديله، وما البدائل المتاحة إذا تعذر التنفيذ، وما الكلفة المترتبة على التوقف أو إعادة البناء. ويظل هذا التقدير مرتبطاً بطبيعة المسار وأهدافه وظروفه، ولا يجوز اختزاله في معيار واحد يصلح لجميع المبادرات.

كما ينبغي التمييز بين مراجعة الوسائل والقرارات في ضوء الوقائع، وبين التخلي عن الأهداف الوطنية التي تسعى هذه الوسائل إلى خدمتها. فالتكيّف ليس قبولا بالأمر الواقع، كما أن الثبات على الهدف لا يقتضي التمسك بوسيلة ثبت قصورها أو تعذر استمرارها. والمطلوب هو بناء قدرة تسمح بمراجعة الخيارات من دون أن تفقد العمل وجهته، وبالاستمرار من دون إنكار المخاطر، وبالتغيير من دون افتراض أن كل تغيير يحقق تقدما بالضرورة.

 ويبقى السؤال الجامع الذي يمكن أن يوجّه المرحلة التالية من الحوار:

كيف نحول ما كشفه طوفان الأقصى من وقائع وآثار وتحولات في الوعي وموازين التأثير، وما أظهره أيضا من تعثرات وعوائق، إلى قدرة فلسطينية ومجتمعية وسياسية منظمة تحمي الحياة والحقوق والكرامة، وتعيد إنتاج الحياة، وتوفر مستلزمات الصمود، وتجدد الشرعية والتمثيل، وتنظم الفعل، وتستثمر الفرص العربية والدولية، وتراجع نتائج خياراتها، وتعمل على تغيير شروط الواقع بدلا من الاكتفاء بالتكيف معه؟

  1.  من القدرة على الفعل إلى القدرة على مواصلته

ويتصل بهذا السؤال سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف تُبنى قدرة لا تقتصر على الاستجابة للفرص المتاحة، بل تستطيع أيضا التعامل مع انغلاق بعض المسارات، وتغيّر موازين القوى، وظهور معطيات جديدة، وتراجع افتراضات كانت أساسا للقرار؟ وكيف يمكن تحديد الوظائف الأساسية التي ينبغي استمرارها في الظروف الصعبة، والبدائل التي يمكن اللجوء إليها، والحدود التي تستدعي مراجعة المسار أو إعادة تنظيمه؟

لا تتطلب الإجابة التنبؤ بما سيحدث على وجه اليقين، ولا وضع سيناريوهات تفصيلية لكل احتمال، بل تستلزم الاعتراف بحدود المعرفة، وتحديد الافتراضات التي تستند إليها القرارات، ورصد المؤشرات التي قد تستدعي مراجعتها، والاستعداد لبدائل معقولة تتناسب مع طبيعة المخاطر والموارد المتاحة. وتظل قيمة هذا الاستعداد في تحسين القدرة على اتخاذ القرار والتصرف عند تغير الظروف، لا في تحويل الاحتمالات إلى توقعات مؤكدة أو في تأجيل العمل إلى حين اتضاح المستقبل بالكامل.

وتظل مساءلة هذه الخيارات جزءا من المسألة نفسها: من يحدد المخاطر المقبولة؟ ومن يقرر ما ينبغي الحفاظ عليه وما يمكن تعديله؟ وكيف تُراجع القرارات وتُوزع المسؤوليات حين تتغير الظروف أو تتعثر النتائج؟

فبناء القدرة على الاستمرار والتكيّف لا ينفصل عن الشرعية والتمثيل والمساءلة، ولا يجوز أن يتحول إلى مبرر لتجاوزها أو تركيز القرار من دون ضوابط واضحة.

هذا هو الانتقال الذي تدعو إليه الورقة: ليس من الحدث إلى الصدى، ولا من الصدى إلى التحول بوصفه نتيجة مفترضة، بل من فهم الحدث ونتائجه وحدود تأثيره، وتشخيص عوائق التحول وشروطه، إلى بناء قدرة على الفعل واختبار البدائل وتثبيت النتائج.

وتظل هذه الورقة إطارا للنقاش والتطوير، لا إعلانا عن اكتمال الإجابة.

فقيمتها تقاس بقدرتها على توضيح مواضع الاتفاق والخلاف، وكشف ما يحتاج إلى معرفة إضافية، وصون تعدد المداخلات من الاختزال، وفتح طريق من التشخيص إلى التأسيس، ومن التنظير إلى الفعل، ومن تكرار الأسئلة إلى اختبار إجابات قابلة للمراجعة والتطوير.

  1.    معيار التقدم

ويمكن النظر إلى التقدم الذي تسعى إليه الورقة من خلال القدرة على وصل المعرفة بالقرار، والقرار بالفعل المنظم، والفعل بالتقييم والتعلّم، مع الحفاظ على إمكانية مراجعة الوسائل وتصحيح المسار عند ظهور معطيات جديدة.  ويُقاس هذا التقدم  بمدى وضوح الأهداف والمسؤوليات، وإمكان فحص النتائج، والقدرة على الاستجابة للتعثر من دون إخفائه أو الاستسلام له، وعلى الاستمرار من دون تجاهل الكلفة والمخاطر.

وبذلك لا تكون الخاتمة إغلاقا للنقاش، بل تحديدا لما ينبغي أن ينتقل به إلى مرحلته التالية: أسئلة أوضح، وافتراضات قابلة للفحص، وأولويات يمكن مناقشة مبرراتها، ومسارات يمكن اختبارها ومراجعتها، وقدرة جماعية على التعلّم من النتائج.

أما تحديد هذه الأولويات وترتيبها، وتقدير ما يمكن البدء به وما يحتاج إلى تهيئة أو توافق أو معرفة إضافية، فيبقى عملا تشاركيا لا تحسمه الورقة مسبقا.

 

 

 

 

 

 

مواضيع ذات صلة

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.