66
    

مقدمة جامعة: في جدلية المعنى وكسر قيود المحو

يأتي هذا البنيان المعرفي المتكامل، أو المشروع الفكري التبصُّري التحرري النهضوي، المُكَوَّن من ستِّ مُقارباتٍ، ليسجل لحظة اشتباك نظريٍّ حاسمة تنطلق من قلب الوعي الإنساني الحيوي معززة بملكات العقل الإنساني النقدي المنير، ومعطيات وخلاصات فلسفية ومعرفية مُؤصَّلة، لتواجه آليات الاستلاب، والتعمية، والمحو  التفكيكية التي يتعرض لها الفكر التحرري النهضوي التَّلازمي الناهض  بتحفيز الوعي الوطني والإنساني الجمعي لمواجهة الاستعمار الأجنبي والرأسمالية الجشعة والتوحش البشري، في العصر التقاني الرقمي،  وفي الواقع الآلي الافتراضي المُؤتمت، اللذين باتا يحكمان صيرورة حياتنا في الزمن الراهن الذي يمسك بخناق مستقبلنا الحياتي والوجودي. 

ولعلَّ أبرز ما يصل هذه المقالات، أو المقاربات السِّتة، المنفصلة المتصلة، ليجعلها نسقاً فكرياً تكاملياً متدفقاً، أن يتمثل في خيط ناظم يتمحور حول حراسة "المبدأ الإنساني الأخلاقي الصارم" وفي الحرص على توطين هذا المبدأ في مجالات المعرفة كافة: من نقد الفضاء الرقمي السيبراني، إلى تفكيك قصور اللسان الغربي، مروراً ببلورة الأطروحة التأسيسية المتعلقة بـ"ثالوث الكينونات والعقول المُلازمة الوجودي"، وبتوضيح شمولية المنهج التكاملي وقدرته الفائقة على ممارسة النقد الذاتي عبر تشغيل آليات عديدة تتأسس على طبيعته التكوينية التوليدية القائمة على التوظيف المنهجي الفعَّال، لنهج  "تعدد المرايا وتنوعها" وصولاً إلى فحص مفارقات الحداثة المتجسدة في جرائم الحرب والإبادة الجماعية الصهيوأمريكية المقترفة في غزة، وإنتهاءً بتأصيل محددات السعي لتوليد الضمانات الواقعية والمادية المتعددة التي ستتكفل  بمنع إعادة إنتاج الوصاية الداخلية، لتَحُوْلَ دون تحول مناضلي حركة التحرر والنهوض إلى سدنة سلطويين لمعابد الاستبداد السياسي والتكلس الحضاري، بعد ما يفترض أنه تحرر وطني من الاستعمار الأجنبي واستبداده واستغلاله ووصايته  قد انجز، ونهوض حضاري شرع يتأهبُ لمواصلة النهوض والخطو باتجاه تحقيق تقدم حضاري إنساني أجلَّ وأعلى.

وإلى ذلك، فإن هذا المشروع المعرفي المتكامل، سيتجَلَّي أمام أبصارنا، وبصائرنا، في هيئة "حلزونة معرفية سداسية الأضلع" تنفي السيولة والرخاوة، والتفتت والتشظي وانعدام التماسك، الذي تسعى تفكيكية الذَّكاء الاصطناعيِّ  عبر تطبيقاتها المبرمجة وذات التعليمات والأوامر الصهيوأمريكية المحمومة، إلى تكريسه وترسيخ وجوده في العقل والوعي الإنسانيين؛ حيث ستُسَلِّمُ خاتمةُ كل مقاربة راية المساءلة، والنقد البناء، إلى المُقاربة التي تليها، مؤكدة في المحصلة الأخيرة أن بناء المجتمع والإنسان والارتقاء بالحياة والوجود إنما يتطلبان صيرورة حركة نضالية متلازمة ومتواكبة ومتداخله، كما أن تحرير الوطن من الاستعمار وعتق الإنسان لا ينفصلان عن النهوض التوعوي والحضاري الشامل، وصولاً إلى تحقيق الازدهار الكلي الفاتح سُبل ومدارات تفعيل كل وسائل وآليات إسعاد الناس حاضراً، ومستقبلاً، وعبر جميع الأوطان والجغرافيات والحضارات والأزمنة التي ستأتي.

وإتاحةً، من جانبي، لفرص القراءة النقدية الهادئة المتبصرة، والتعقيب النقدي التفاعلي الحيوي البنَّاء، أمام الصديقات والأصدقاء الأعزاء، فقد اخترت برمجة نشر المُقَاربات (المقالات) الستَّة على ستِّ دفعات يفصل بين الواحدة منها والأخرى ثلاثة أيام على الأقل؛ فلنبدأ اليوم بنشر المقاربة الأولى، مع عميق الامتنان للمواقع، والمراكز، والمؤسسات، والمنصات التي ستتفضل بالنشر . 

المقال  الأوَّل (6/1):
المحو السِّيبراني، أتمتة المعرفة، وسيولة المعنى

ينطلق هذا المقال من فحص آليات الاستلاب المعرفي في العصر الرقمي، ليقارب النزاع الراهن بين "العقل الإنساني الحي" والمنظومات الآلية المؤتمتة التي تُوظف المنهج التفكيكي خارج سياقه الأخلاقي لتجفيف السرديات النضالية الكبرى، وفي مقدمتها السردية الفلسطينية، وإحالتها، جميعاً، إلى ركام من الاحتمالات السائلة والمائعة.

أولاً: أتمتة التفكيك وسحق السَّرديات الكبرى

لم تكن التفكيكية في مهدها مجرد ترف فكري أو أداة لإنتاج العدمية المُجرّدة؛ بل نبتت في بيئة أوروبية غربية محكومة بآثار الحرب العالمية الثانية وتصاعد أزمات الحداثة، ونشأت كحركة نقدية راديكالية تتوخى خلخلة "المركزية العقلية واللوغوسية الغربية". كانت غاياتها الأولى تتجه صوب تعرية التناقضات الداخلية في النصوص الاستعمارية والنيوليبرالية، وكشف الهوامش التي جرى استبعادها قسراً لطمس حقيقة القوة المهيمنة. غير أن المفارقة المعاصرة تكمن في تحويل هذا المنهج، عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي والمصفوفات الرقمية المبرمجة، من أفق النقد وتفكيك السلطة إلى أداة لـ "الإبادة المعرفية". إن العقل الأداتي التقاني، بطبيعته الآلية الجامدة، يجرّد التفكيك من دوافعه الفلسفية التحريرية، ويحوله إلى آلية طحن إحصائي تُسيّل المفاهيم وتفتتها إلى مالا نهاية في تجاوب مطلق مع المنهج التفكيكي التشكيكي العدمي.

من هنا، تتبدى خطورة الأتمتة السيبرانية؛ إنها تمارس شكلاً مبطناً من الدعاية الاستعمارية الصهيونية المعاصرة (الـ"هسبرا") الرقمية، ليس عبر حجب الرواية التَّحررية ومصادرتها فحسب، بل عبر "تسييلها" وإغراقها بطوفان من الأسئلة التشكيكية والعبثية. وفي هذا الفضاء الافتراضي المائع، يتساوى الموت بالحياة، والوجود بالعدم، وتغدو جريمة الإبادة الاستعمارية مجرد وجهة نظر خاضعة للمساءلة التفكيكية اللامتناهية، مما يفضي إلى شل الفعل التحرري وتجريد الإنسان من يقينه النضالي الإنساني، وتفاؤله المُؤصَّل.

ثانياً: الفصام المعرفي وتفتيت النص

سيُواجه الطحن الآلي للمفاهيم مأزقاً بنيوياً لا يستطيع الخروج منه عندما يصطدم بنصوص تنبثق من تجربة وجودية حية، فيعمد العقل المؤتمت المكلف بإتمام مهمة الطحن والسحق  عبر تطبيقات ذكاء اصطناعي مبرمجة، صهيونياً واستعمارياً، لإنجاز هذه المهمة، إلى استراتيجية "التشظية"؛ فيعزل العبارات عن سياقها التاريخي والسياسي، ويقرأ المفاهيم بوصفها دلالات مجردة معزولة عن شروط إنتاجها. هذا الإسقاط الماكر يحاور نصاً متخيلاً من صنع الخوارزمية نفسها، ليحاكم من خلاله التراث الفكري المعرفي الإنساني النضالي المديد ضد الصُّهبونية العنصرية والرأسمالية المتوحشة والاستعمار والنِّيوليبرالية.

إنََ الحوار الفكري الحقيقي والجاد، الذي يستحق الحرص على ديمومته، صار يشترط في هذا الزمن الافتراضي التقاني الرقمي التأكد من حضور، ومشاركة  "كائن بشري حي" طرفي خط الحوار، كائن بسريٍّ يُعْمِلُ عقله الإنساني النقدي المنير؛ لا تطبيقاً من تطبيقات الذكاء الاصطناعي المبرمجة بإشراف الـ"هسبرا" الصهيونية أو سواها، لتحقيق غايات تستهدف فلسطين والإنسانية الجوهرية بالإبادة المعرفية. فما لهذا العقل من خيار إلا أنْ ينطلق من ثبات المبادئ والقيم، ووضوح الغايات الأخلاقية، وإلا أن يجلي حضور وفاعلية وتأثير ما يتوافر عليه من أصالة مشاعر وأحاسيس إنسانية فيما هو يواجه، بوعي صارم،  طوفان الأسئلة المؤتمتة المندلع صوبه من الطرف المقابل، متحدياً إياه، بثقة معرفية وبسالة إنسانية، ليمنع انزلاق الفكر التحرري النهضوي نحو هاوية السيولة والضياع التي يدفعه المنهج التفكيكي العدمي صوب قيعانها العميقة.

ثالثاً: تلازم مساري التَّحرر الوطني والنُّهوض الحضاري

إن معركة التحرر السياسي من الاستعمار الاستيطاني الإحلالي ليست مجرد مواجهة موضعية لانتزاع السيادة الجغرافية، بل هي في جوهرها رافعةٌ وجوديةٌ وشرط أساسي لنهوض الإنسانية بأسرها. ثمة تلازم لا ينفصلُ، أبداً، بين كسر قيود التبعية المادية وبين بزوغ فجر جديد للوعي الإنساني الكوني، وللنهوض الحضاري الإنساني الشامل؛ فالاستعمار، بعقيدته الفوقية وتوحشه الأداتي التدميري الإبادي، لا يستعبد الضحية فقط، بل يشوه وعي الجلاد ويهبط بالقيم الإنسانية المشتركة إلى قاع مادي نفعي يحيلها إلا نقيضها ويظل محتفظاً بأقتعتها.

ولذا، فإن الشعب الفلسطيني الذي لم يزل مجرداً نفسه وكل طاقاته، منذ ما يربو على قرن كامل من الزمان، لمقاومة الغزو الاستعماري الصهيوني التوحشي، فإنه لا لا يفعل ذلك بغية الدفاع عن حقه في البقاء على أرض وطنه، وحماية تاريخه وحضارته، ومكونات هويته الوطنية الإنسانية الراسخة فحسب، بل إنه ليخوض، ببسالة وإقدام، معركة الدفاع عن "الكرامة الإنسانية الجوهرية" ، وعن الحرية الإنسانية الجوهرية"، وعن كل مكونات "الإنسانية الجوهرية" بأسرها، وعن جميع المنتمين إليها من إنسانيي الناس، وعن كل المُرَشِّحين أنفسهم للانتماء إليها والساعين لدخول رحابها الشاسعة من بني البشر، في وجه منظومات الإبادة الرقمية والمادية، والتدمير الشامل للحضارة الإنسانية، والسحق الكلي لسردياتها التاريخية الكبرى ولمنظومات  قيمها ومبادئها الخالدة المشتركة. 

إن انتصار الفعل التحرري النهضوي على أرض فلسطين هو، في حقيقته، تحرير للإنسانية وللحضارة الإنسانية من أوهام "شعب الله المختار"  وتخرصاته التخييلوجية الخرافية، مثلما هو تحرير لكليهما من ضلالات المركزية الأوروبية العنصرية البيضاء التي تزن الحقوق والواجبات والمسؤوليات والحصانات، وغير ذلك، بمعايير مزدوجة، تتجاوب مع العنصرية كعقيدة فاشية توحشية مُعادية للإنسانية. ولعلنا ندرك في ضوء ما أوصلتنا هذه المقاربة إلى إدراكه، أنَّ التلازم الحتمي بين مساري التحرر الوطني والنهوض الإنساني قد تجلَّى أمام بصيرتنا ليؤكد لنا أن النهوض الحضاري الإنساني الكوني لا يمكن أن يكون ناجزاً ما دام هناك إنسان، أو شعب ووطن،  يعانيان التخلف والتكلس وقتامة الوعي، وليؤكد لنا، في اللحظة أنَّ الإنسانية بأسرها، ومعها البشرية السوية بأسرها، لن تدركا حريتهما وكرامتهما إدراكاً عملياً واقعياً يتجسد في الممارسة، إن لم يكن جميع الإنسانيين وأسوياء البشر وأوطانهم في كل أحياز الأرض، أحراراً مُصَانِي الكرامة وغير خاضعين لأي شكل من أشكال الاستعمار، والتوحش البشري العنصري، الجلي الظاهر، أو المِقنَّع الخفي.

رابعاً: التَّأصيل الفلسفي لجذور التَّمايز

يعودُ عجز المنظومة السيبرانية الغربية عن استيعاب، أو ربما بثِّ وتعميم، حقيقة التلازم بين المسارين (التَّحرري والنَّهضويِّ) اللذين فرغنا للتو من تأكيد حاجة إلإنسانية إلى تلازمهما الجدلي بلا انقطاع لتتحرر نفسها وتنهض، إلى تماهيها مع منظومة فلسفية تعاني من عمى بنيوي حيال التمييز الحاسم بين مجرد الكينونة البيولوجية والارتقاء الأخلاقي. غير أن تاريخ الفكر الإنساني لم يخلُ من محاولات جادة لإدراك التمايز بين "الكائن البشري" بوصفه معطىً طبيعياً، و"الإنسان" بوصفه صيرورة أخلاقية ونضالية متواصلة:

أرسطو: لم يَرَ في الإنسان مجرد كائن حي، بل عرّفه بصفته "كائناً حياً عاقلاً وسياسياً". فالإنسان عنده لا يحقق ماهيته الإنسانية بمجرد البقاء البيولوجي، بل بالانخراط في الفضاء العمومي والالتزام بالفضيلة الأخلاقية داخل "المدينة"، مما يجعل الإنسانية مرتبة تُكتسب بالعمل الخلاق والوعي المشترك.

إيمانويل كانط: أحدث قطيعة معرفية هامة عبر تأسيس مفهوم "الكرامة" في مقابل "السعر" أو القيمة المادية. فالكائن البشري، من حيث هو جزء من الطبيعة، يخضع للقوانين الفيزيائية، لكنه يرتقي إلى مرتبة "شخص إنساني" يمتلك كرامة متأصلة وفوق كل سعر، شريطة أن يتصرف بوصفه كائناً أخلاقياً مستقلاً قادراً على تشريع القانون الأخلاقي والالتزام به، معاملاً الآخرين كغايات في ذاتهم لا كوسائل.

جان بول سارتر: لخّص هذا التمايز في مقولته الشهيرة "الوجود يسبق الماهية". فالكائن البشري يولد أولاً كوجود بيولوجي خام ومحايد، لكنه لا يصبح "إنساناً" حقاً إلا من خلال اختياراته، وأفعاله، والتزامه المطلق بالحرية والمسؤولية الإنسانية الشاملة في مواجهة شروط القهر والعدم.

توضح هذه المقاربات الفلسفية، على تباين مناهجها، أن الإنسانية ليست، على غرار البشرية، هبة بيولوجية مجانية، بل هي مسار لاهب من السمو والالتزام، وثمرة لسعي واعٍ  يتجاوز شروط المعطى الطبيعي الخام.

جسر العبور إلى المقال التالي:

إنَّ المحو السببراني وأتمتة التفكيك يستغلان هذا القصور الغربي، ليميعا الحدود الفاصلة بين الكينونة الطبيعية والمرتبة الأخلاقية، في محاولة لقطع التلازم بين تحرر الذات الإنسانية المظلومة، والنهوض الحضاري الإنساني الكوني. لعلَّ هذا العجز الرقمي ألَّا يكون مجرد انحراف، أو خلل، تكنولوجي، فالأرجح أنه انعكاس مباشر لما يمكن أن  ندعوه "جغرافيا اللسان"؛ حيث تشترك اللغات الغربية في ضيق معجمي يفقدها القدرة على إيجاد لفظ أو مصطلحٍ يدمج الوجود البيولوجي بالسمو الأخلاقي، وذلك على النقيض من الاتساع الاشتقاقي والدلالي في اللسان العربي. وهذا  هو المأزق المعرفي واللغوي الذي سندهب إلى فحصه، والتبصر فيه، في مقاربة التالية، تحت عنوان: "اللسان والوعي: حدود العبارة وسعة الدلالة".

 

مواضيع ذات صلة

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.