4
    

كان اختيار تنظيم معرض فني لرسومات "ناجي العلي" - أشهر فناني الكاريكاتير، الذين أضافوا إلى هذا الفن عربيًا وعالميًا -، لإحياء ذكرى النكبة الثامنة والستين، في هيوستين، من 1-9 أيار 2026؛ اختيارًا معبّرًا ودالًا جدًا؛ لأن المعرض استطاع عبر الفن، أن يقدّم رسالة سياسية وثقافية واضحة: مهما اشتدّت المحن واسودّت الدنيا في وجه الشعب الفلسطيني، ومهما تعاظمت الصعاب، ومهما تكالب الأعداء؛ لا مجال لليأس، ولا مجال للمساومة على الحق، ولا طريق لنيل الحقوق، سوى طريق النضال والمقاومة بأشكالها، ولا حلًا يحقق طموح الشعب الفلسطيني، سوى الحلّ العادل، الذي يضمن له الحرية، والاستقلال، والعودة.

*****

كان ناجي العلي مبدعًا ومجدّدًا في فن الكاريكاتور، حين خلق شخصيات (رموزًا)، صار تكرارها نوعًا من اللغة المشتركة بينه وبين المشاهد، يعمل فيها ذكاؤه، ويقيم حوارًا بينه وبين الفنان، ولا يكون المشاهد مجرّد متلق، على حدّ تعبيره.

ابتدع ناجي العلي أربع شخصيات رئيسية في رسوماته، ما زالت حاضرة بقوة، بين أبناء الشعب الفلسطيني؛ الشخصية الرئيسية الأولى كانت حنظلة، الشخصية التي ابتدعها في 5 حزيران عام 1967؛ ليشكّل الأيقونة التي تحفظ روحه من الانزلاق. هو الطفل الفقير المشرّد الصامت، ذو العشرة أعوام، الذي لا يكبر، يبقى في العمر ذاته، حتى يصبح شعبه حرًا. رأسه رأس قنفذ ذو أشواك بارزة، في إشارة لاستعداده للدفاع عن النفس. يعقد يديه خلف ظهره، ويمشي بملابس مرقّعة، حافي القدمين، ويدير ظهره لكافة المؤامرات التي تحاك ضدّ شعبه، ولا يرضى بغير العودة بديلًا.  

رسم الفنان حنظلة صامتًا غالبًا، ومع ذلك جعله راصدًا وشاهدًا وفاعلًا. راصدًا وشاهدًا على المؤامرات التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني، في فلسطين والشتات، ومشاركًا فاعلًا، في بعض الأحداث الفلسطينية المفصلية، بالفعل أو القول، مثل: رجم جنود الاحتلال وآلياتهم العسكرية بالحجارة، وتقديم  باقة ورد للمعتقلين، من وراء القضبان، ووردة إلى بيروت المدمّرة: "صباح الخير يا بيروت"، وباقة زهور على مقابر الشهداء، وتأكيد مبادئ أصيلة: "فلسطين بلادنا"، و"ثورة حتى النصر"، و"لا لكاتم الصوت"، و"جنسيتي أنا مش فلسطيني، مش أردني مش كويتي، مش لبناني مش مصري، مش حدا..الخ باختصار، معيش هوية ولا ناوي اتجنّس، محسوبك إنسان عربي وبسّ"، ورفض للهيمنة والاستعمار والتبعية: "تسقط الإمبريالية"، و"يا راكعين لأميركا، أنا بريء منكم".  يرفع مفتاح العودة بيد، ويعقد الأخرى وراء ظهره.

وحين يظهر وجهه في بعض رسومات الفنان النادرة، التي تجمعه مع والده ووالدته، وهم يسيرون ليلًا حفاة، فوق أرض رسم عليها العلم الإسرائيلي؛ نجده يمشي وهو يجرّ بندقية والده بحبل، بينما تسير والدته وفي جعبتها كيس مليء بقلوب، تزرعها على طول الطريق.

أما الشخصية الرئيسية الثانية، فهي فاطمة، المرأة القوية، ذات القامة المنتصبة، والوجه الجميل، والتي تزين صدرها بمفتاح العودة. هي صاحبة الرؤية الواضحة، التي تربط بين البعد الوطني والقومي والطبقي، والتي تزرع الأمل بين أفراد أسرتها، وبين أبناء شعبها، وتصوّب البوصلة، وتجد الحلّ حين يستعصي، حيث لا بديل عن الصمود والمقاومة بأشكالها كافة؛ طريقًا لحريتها وحرية الوطن.

رأى ناجي العلي من خلال فاطمة: قيم الحق والخير والجمال الإنساني، فكانت رمزًا للأرض، وللصمود، وللمقاومة والوحدة العربية، ونبذ الطائفية، هي مخيم عين الحلوة، ومخيم صبرا، ومصر أم الدنيا، وبيروت الجريحة والمقاوِمة.

 وفي الوقت ذاته رأى فيها الإنسان العادي، الذي يشقى، ويكدح، ويقاوم شروطه الإنسانية الصعبة، ويستمرّ؛ ما جعلها تجمع بين الرمز والواقع، وبين الخاص والعام.

أما شخصية الرجل الطيب، فهي الشخصية الرئيسية الثالثة؛ الرجل المهجّر والمقهور، والذي يهادن أحيانًا من أجل سلامته وسلامة عائلته. يظهر في رسومات ناجي طويل القامة، ونحيل الجسم، وواسع العينين، ورثّ الملابس، وحافي القدمين، حائرًا، يضع يديه على خدّه غاضبًا أو مقهورًا أو متهكمًا.

شاركت فاطمة الرجل الطيب حياته البائسة، لكنها لم تشاركه حيرته وتردده ويأسه. حين يسألها الرجل الطيب، وهو يضع يده عل خده: "والله محتار يا فاطمة، الكل مختلفين، على أي خازوق لازم أقعد؟ تجيب: الأشجار تموت واقفة".

وتأتي شخصية الرجل البدين، لتكون الشخصية الرابعة، التي تتكرّر، ضمن رسوماته. هو الرجل ذو الرأس الكبير، والكرش الكبير. شواربه مقصوصة، وبلا أقدام، مما يشير إلى أنه عاجز عن الحركة، والفعل، يبتسم ابتسامة صفراء، لا تنبع من القلب، انتهازي، يتطلع إلى رغد العيش، على حساب القضية الفلسطينية، والقضايا العربية: "ثروة حتى النصر"، و"إنهب واهرب".

 

*****

يلفتنا في بعض رسومات ناجي العلي، أن حنظلة ينظر إلى المرأة/فاطمة، ويدير ظهره إلى الرجل الطيب/الزوج، وإلينا؛ مما يعطي رسالة قوية بأن حنظلة يتمسّك بالأمل الذي تزرعه فاطمة، ويؤكّد على القيم التي تجسّدها: التحريض على الصمود، والمقاومة بأشكالها كافة، ووصف الأشياء بأسمائها، ورفض الصلح المذلّ مع العدو، ورفض المساومة: "لا تساوم"، وحثّ أولادها على حب الوطن وحبّ الحياة: "أرسم وقاوم"، ونقد القيادات الفلسطينية المتخاذلة، التي توافق على مخطط العدو، الذي يريد تغيير معالم فلسطين، وتقول لابنتها: "أرسمي فلسطين يمّه زيّ ما هيّ، واحفريها حفر كمان، وأكتبي: فشروا".

*****

ناجي العلي ما زال بيننا، كما الفن الأصيل؛ يبقى حيًا وملهمًا، على مرّ العصور.

 

faihaab@gmail.com

www.faihaab.com

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.