البندقية النسبية والإنسان المُطلَق
1571     

يشكو الفلسطينيون هذه الأيام من كثرة انتشار السلاح بين الناس في الأراضي المحتلة، خصوصاً تلك الواقعة في نطاق تواجد السلطة الفلسطينية؛ ويستغربون كيف يكون شعب تحت الاحتلال قادرا على إطلاق النار في الهواء في الأعراس ومناسبات النجاح! ولا تخفي الأجهزة الأمنية الفلسطينية أنّ بعض من يطلقون النار في مثل هذه المناسبات هم أحياناً عناصر هذه الأجهزة؛ كما يظهر هذا السلاح في نشاطات جنائية، وفي المشاجرات وغيرها، فضلا عن استخدامه في اشتباكات بين أجهزة الأمن الفلسطينية ومسلحين، كما حدث في الآونة الأخيرة بشكل متكرر في مخيم بلاطة، قرب نابلس. وواقع الأمر أن هذا الانتشار للسلاح رمز لحالة تؤكد أنّ الأمور في السياسة والثورة نسبية، وأنّ المهم هو كيف تُستخدم الإمكانات وتُوظف، وليس مجرد وجودها؛ وأن العنصر البشري يبقى هو العامل الحاسم.

يمكن لمئات الأشخاص، على الأقل، ممن كانوا ينخرطون في الثورة والنضال إبّان السبعينيات والثمانينيات، أن يرووا عشرات القصص عن محاولات معقدة للغاية لتوصيل قطعة سلاح إلى داخل فلسطين، ومن ثم تخزينها، ونقلها، واستخدامها إن أمكن. وأحياناً، يجري الحديث عن قطعة صغيرة، مثل مسدس أو ما شابه. كان هناك تخيل في بعض الأوقات أنّ عدة قطع سلاح قد تغير وجه الصراع، وكان إرسال مسلحين لداخل فلسطين يجري بأعقد وأخطر الوسائل؛ بدءا من التسلل عبر البحر بعد رحلات طويلة وشاقة، كما في عملية كمال عدوان (عملية دلال المغربي العام 1978)، أو من الجو كما عملية الطائرات الشراعية (خالد أكر وميلود بن ناجح والآخرون، العام 1987).

الآن، السلاح منتشر في فلسطين، والكل يعرف هذا؛ هناك سلاح بيد رجال أجهزة الأمن الفلسطينية، وهناك سلاح بيد أشخاص عاديين، وبيد أشخاص خارجين عن القانون ولأغراض جنائية.

ليس غريباً أن نعرف أن بعض عناصر وقيادات أجهزة الأمن الحاليين، كانوا يوماً ما جزءا من العمليات المعقدة لتأمين السلاح للثوار، وللنضال.

تدل تجارب الماضي أنّ سلاح الأجهزة الأمنية الفلسطينية يتحول ضد الاحتلال في لحظات المواجهة، كما حدث بشكل تلقائي مذهل وواسع مثلا في انتفاضة النفق العام 1996. ثم تكرر الأمر في انتفاضة الأقصى، خصوصاً بعد أن دمرت الطائرات الإسرائيلية مقرات الأجهزة الأمنية الفلسطينية. وتأسست "كتائب شهداء الأقصى" وكان بعض قادتها من أفراد الأجهزة الأمنية. ولا يعلم أحد ماذا سيحدث في المستقبل. ولكن هذا الانتشار للسلاح، وإن كان سلاحاً خفيفاً لا قبل له بمواجهة ترسانة العدو، وُجد بموافقة الاحتلال، وهو بيد أشخاص كثير منهم من  المناضلين العائدين من الخارج، ما يؤكد أن السياسة قد تغير من استخدام السلاح ووظيفته ونجاعته واتجاهه، وباتجاهات مختلفة.

في المقابل، فإن ما لم يتساهل به الاحتلال هو عودة البشر، باستثناء أولئك الذين عادوا مع "السلطة الفلسطينية" بعد اتفاقيات أوسلو، وبقيت وتبقى أعداد من سمح لهم بالعودة بعد ذلك، محدودة للغاية؛ وبقيت سياسات تهجير وطرد الفلسطينيين موجودة بقوة. وبقدر ما كانت اتفاقيات أوسلو بوابة لعودة عشرات الآلاف من المناضلين والأشخاص وعائلاتهم، بقدر ما تم في أعقابها تشديد الخناق على الفلسطينيين، خصوصاً في القدس؛ فازداد سحب الهويات المقدسية منهم، وقيد البناء في أغلب مناطق الضفة الغربية. وبقي من أعقد الأمور أن يحصل فلسطيني من خارج فلسطين على "إذن" بالعودة ليعيش هناك، أو حتى للقيام بمجرد زيارة.

هذا الواقع ربما يؤكد مجددا انّ العامل البشري هو الحاسم في الصراع. فالعناصر الأخرى، ومنها الأسلحة والاقتصاد، يمكن التحكم والتلاعب بها، وإدارتها، بطرق مختلفة، وتصبح ذات وظائف مختلفة بحسب السياق، وبحسب طريقة الاستخدام، ولكن يبقى العنصر البشري الذي يديرها هو الأساس.

من هنا يصبح السؤال والدرس المستفاد من هذا الواقع، هو: كيف يمكن في إدارة أفضل وجيدة للصراع، التفكير بعناصر القوة الحقيقية؛ وكيف يكون بناء الإنسان وتهيئته وتنميته، في المجالات المختلفة، هو العنصر الحاسم؟

كيف أن الرهان على الشعب هو الأساس؛ قبل السلاح، وقبل الدبلوماسية، وقبل المنظمات والمحاكم الدولية.

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.