الرئيسية » غانية ملحيس »   04 شباط 2016

| | |
مَسؤولِيَّاتُنا الوَطَنِيَّة اتّجاه الحَراك الشّبابيّ الفلسطيني (1)
غانية ملحيس

رُبَّما آن الأوان لِجيلنا الفلسطينيّ المُخَضرَم الذي تَقَدَّم بِهِ العُمْر أنْ يُدْرِك أنَّ تَدافع الأجْيال سُنّةً كَوْنِيَّة، وأنَّ عَلَيْهِ أنْ يَكُفَّ عن مُقَاوَمَةِ الحَرَكَة الحَتْمِيّة للزَّمن، والتَّغَلُّب على مَخاوِفِه وشُكُوكِه والمُسارعة لِلأخْذِ بيَدِ الجيلِ الجَديدِ من الشّباب الفلسطينيِّ الواعِد ، ومساعَدَتِه على تَسَلُّمِ مَسْؤولِيّاتِه النِّضاليّة لِمُواصلة المَسيرَةِ الوَطنِيّة وتَحْقيق الأهدافِ التَّحَرّرِيّة بالسُّرْعَةِ القُصْوى والكُلفَة الدُّنيا.

ولا يَعني الإقرار ، بذلك ، أنَّ دَوْرَ جيلنا المُخَضرم قد انْتَهى ، فأدوار المُناضِلين لا تَنْتَهي بالتَّقاعد وإنّما بانْتِهاء حَياتِهِم ، لكنّ الّذي يَتَغَيّر هو طبيعة الدَّوْرِ المُناط بِكُلِّ جيل ، الخاضِع حُكْماً لاعْتِباراتٍ وعوامِلَ وثيقة الصِّلَة بتأثير الزَّمن على الأداء جَوْدَةً وسُرْعَةً وكُلْفَة .

فساحةُ النِّضال تَتَّسِعُ لِلجَميع ، إذ تَحتاج للشّباب الفلسطينيّ المُلتَزِم وطنِيّاً ، المُواكِبِ للتَّطَوّر العلمي والمَعْرِفي وأدواتِه وَتَقنِيّاتِه ، الواعي لِمَسؤولِيّاتِه في توظيف مَعارِفِه لِتَسْريعِ تَحْقيق المَشْروع الوَطني التّحَرُّري . الجَسور المِقْدام المُسْتَعِدّ للتَّضحِيَة بالذّات فِداء لِحُرِّيَّةِ شعْبِه وَوَطَنِه .

كما تحتاجُ ، أيْضاً ، لِعطاء جيل الرُّوّاد وفِكْرِهِم ، ولخِبْرَة المُناضِلين المُخَضْرَمين وحِكْمَتِهم والتَّعَلُّمِ مِن حصاد تَجْرُبَتِهِم النِّضالِيّةِ الثَّرِيّة . فمَصائر الشُّعوب لا ترْتبِط بجيلٍ بِعَيْنِه ، وقدر بعض الأجْيال يُحَتِّم عليْها الاضطِّلاع بمهِمّة تعبيد الطّريق لأجيالٍ لاحقةٍ من أجل بلوغ الأهداف التَّحَرُّرِيَّة الكُبْرى . والنَّصر العَظيم لا يَتَأتّى دُفْعَةً واحِدَة وإنَّما عِبْر إنجازاتٍ صغيرةٍ مُتواصلة ذات مفعولٍ تراكُميٍّ تُؤَسِّس لِتَحوّلٍ نوعيٍّ يُمَكِّن جيلٌ بعينه من بُلوغِه.

هكذا عَلَّمنا التّاريخ الإنسانيّ ، عموما ، وتاريخنا الفلسطينيّ على وجه الخصوص . فصلاح الدّين الأيّوبي الذي يُنْسَبُ إِليْهِ الانْتِصار التّاريخي وَتَحْرير القُدْس من الاسْتِعْمار الاسْتيطاني الإفرَنْجي " الصّليبي" في فلسطين قبل نَحْوِ عَشْرَةِ قُرون، قد سبقته أجْيال مُناضِلَة عَديدة وقادة عِظام أمثال عماد الدِّين زِنْكي ، ونور الدّين زِنْكي ، وكثير غيرهم، واحْتاجت هزيمة الفِرَنْجَة قُرابة مائة عام من البناء الفكري والتّنظيم والتَّهْيِئة العِلمِيّة والثّقافِيّة والنُّهوض المعرفيّ والإعداد السِّياسي والاقْتِصادي والاجْتِماعي والمُؤَسّسي الذي تَراكَمَت مَفاعيله ، ما وَفَّر الشُّروط الضَّروريّة لهزيمة الغُزاة الأجانِب وبلوغ الانْتِصار العَظيم.

واللافِت أنَّ الجيلَ الخامس من الشّباب الفلسطينيّ الثّائِر ، الذي يأخُذ على عاتِقِه اسْتِئْناف مسيرة أسْلافِهِ النِّضاليّة ، ما يزال يُواصِل حَراكَه الثَّوْرِيّ الذي يوشك شهْرَه الرّابِع على الانتِهاء ، دُونَما أيّ إسنادٍ أو دَعمٍ أو رِعاية ، سواءٌ مِن َ الفَصائل والتّنظيمات والأحْزاب السِّياسِيّة المُشارِكة في السُّلطة أو تلك المُعارضة لها ، ولا حتّى من النُّخَب التي تَقود مُؤسّسات المُجْتَمَعِ المَدَنِيّ المُنْتَشِرَةِ على امْتِدادِ الوَطن وتُبْدي حِرْصَا على التّمايُزِ عَنْهُما معاً.

فجَميعهم ما يَزال يَكْتفي بمُراقَبَةٍ مُتَشَكِّكَةٍ لِتَطَوُّراتِ الحَراك ، والبعض يَأملُ بِسُرْعَةِ انْتِهائِه لإنْهاء حرَجِه ، فيما يُصْدِر البعض الآخر بيانات تأييدٍ خجولة ، ويُبَرِّر الجميع جُمودَهُ بافْتِقارِ الحَراك للأهداف والبَرْنامِجِ والتَّنْظيمٍ والقيادَة المُوَجِّهة ، ويَبْدو وكأنَّ النُّخَب الفلِسطينيّة ، كافّة ، قد توافقت فجأةً على التّخلي عن دَوْرِها القِيادِيّ !!

لكِنَّ ذلك لا يُثْني الشّباب الفلسطينيّ الفَتِيَّ عن مُواصَلَة طَريقِه واسْتِئْنافِ التَّصَدّي لإِرْهاب جَيْشِ الاحْتِلال الإسرائيليّ وتَوَحُّشِ مُسْتوطنيه، لأنه يَعي أنّ الأوان قد آن لِصَحْوَةٍ فلِسطينيّة وعربيّة باتت مُلِحَّة، بعد عُقودٍ من التّيه في مقارَعة الحَرَكَةِ الصّهيونيّة لِلوُصول إلى حُلولٍ وُسطى مَعَها عِوَضاً عن هَزيمَتها، ولأنّه يُؤْمِن بِمَرْكَزِيَّةِ القضِيّة الفلسطينيّة في تحديد المَصير العَربي انْكِساراً وانْتِصاراً.

ولأنّه يُدْرِك ، تبعا لِذلِك ، الدّور الطليعيّ المُناط بالشّباب الفلسطينيّ للتَّأسيس لنهوض فلسطينيّ وعربيّ شّامِل، ولأنّه يَعْلَم أنَّ قَرارَ أفْرادِه باستِئْناف النِّضال ضِدّ الغُزاة المُحْتَلّين ، إنّما هو تجديد للثّورة المُعاصِرَةِ وضمانَةٌ لِمَنْعِ انْقِطاعِ مراحِلِها قبل تَحْقيق أهدافِها . وفِعْلٌ إرادِيّ واعٍ لا يَقْوى عليْه سوى الطّلائع المُؤْمنين بحقِّ شعبِهِم وأمَّتِهِم في العَيش الحُرّ الكريم . الواثِقين بِحَتْمِيَّةِ انتِصار الحَقِّ طالما تَوَفَّرت الإرادة لِبُلوغِه ، والمُصَمِّمين على إطلاق عمليّة إصْلاحٍ فلسطينيٍّ مُسْتَحقّ لِوَقْفِ التَّرَدّي الخطير النّاجم عن اسْتِمرار انْقِسام النِّظام السِّياسي الفلسطيني وتمأسُسِه ، وتَرَهُل مُنَظمة التَّحرير الفلسطينيّة وجمود أطرها التَّنْفيذِيّة والتَّشْريعيّة ، وَتَكَلّس التَّنظيمات والفَصائلِ والأحزاب والنِّقابات الفلسطينيّة ، وتنامي اغْتِرابِ النُّخَب وتعمّق عُزلتها الجماهيريّة .

كما انه يَعْلَم أنَّ تَصْويبَ البُوصَلَة باتِّجاه تحرير فلسطين هو السّبيل الوحيد ، أيضاً، لِوَقف الانهِيار العَرَبِي غَيْر المَسْبوق ، والنّاجِمِ أساساً عن فُقْدان الاتِّجاه مُنْذُ التفْريط بالمَشْروع التَّحَرُّرِيّ العربيّ الجامِع ، وتغليب الانْغِلاق القُطْري ، وخصخصة الحُكْم ، وتسَيُّدِ المادّة ، وانهِيار منظومة القيَم ، والاسْتِقْواء على الشّعوب بالدَّعم الخارجي من جهة . وتَداخُلِ صِرَاعات مَراكِز القُوى المَحَلِّيّة مع التَّجاذبات والأطماع الإقليميّة والدَّوْلِيّة في بِلادِنا العربيّة مِن جِهَةٍ أُخْرى. وتوظيفِ ، ذلك ، لاسْتِدْعاء الفِتْنَة بين المُكَوِّناتِ الأصيلة لأمَّتِنا لتَقْويض أسس التّعايش الذي تَواصل قُروناً ، وللتّأسيس لِفَرْزِ شُعوبِها وِفق أسس عِرْقِيَّةٍ وإثنِيّة ودينِيّة وطائِفِيّة ومَذهَبِيّة ، لاستِكْمالِ تفتيتِ الدّول العَربيّة التي اسْتَحْدَثَتْها اتفاقات سايكس - بيكو قَبْل نحو قَرن وتَجْزِئتها إلى كِياناتٍ صَغيرَةٍ مُتَناحِرَة تتكَفَّل بِتَغْيير وجه المنطقة وتُجْهِز على هَوِيَّتِها القوْمِيّة العربيَّة وحضارَتِها الإسلاميّة – المسيحِيّة الجامِعَة ، للاستِعاضة عنها بهَوِيَّةٍ إقليمِيَّةٍ شرْق أوسَطِيّة تُكَرِّسُ الوُجود الاستيطاني في فلِسطين وتَشْرعِ يَهودِيَّته وعُنْصُرِيَّته، وتضْمن تَفوّقه الإقليميّ للقِيامِ بِدَوْرِهِ الوظيفِيّ كقاعِدة أجنبِيّة مُتَقَدِّمة مُكَلَّفَة بتعزيز الهَيْمَنَةِ الإمبرياليّة، عموما والأمريكيّة، خُصوصاً، وباستِدامة السيطرة على مُقَدَّراتِها.

ويَعْلَم الشّباب الفلسطينيّ الفَتِيّ الثّائِر أنَّ مُهِمَّتَه صَعْبَةٌ وشاقَّة ، وأنَّ السَّعيَ لِإِحْداثِ تَّغييرٍ جوْهَرِيِّ في الوَضْع الرّاهن إنَّما هو سِباحَة عَكْسَ التَّيّار الجارِف . وَيَعي أنّ حراكَه قَدْ لا يَصْطدِم بالغُزاة المُحْتَلين وداعِميهِم من القُوى الدَّولِيّة والإقليميّة فَحَسْب، بل وأيْضاً، بِقُوىً مَحَلِّيّة لا يُسْتَهان بِها مِنْ أصْحابِ المَصالِح في السُّلطة والمُعارضة والمُؤسّساتِ الأهْلِيّة ، الخَائفين مِن التَّغيير على ما اسْتَقَرّ لهم من مُكْتَسباتٍ وامْتِيازات.

ويُدْرِك الشَّباب ، كَذلك ، أنَّ حَراكَهُم قَدْ لا يَلقى تَجاوُباً فَوْرِيّا حتّى من صِغارِ المُوظّفين والعمّال ، كما في الانتفاضات السّابقة ، إذ جرى اسْتِدْراج أعدادٍ كبيرَةٍ مِنْهُم لأنْماطِ اسْتٍهلاكٍ لا تألفها مَراحِل التَّحرّر الوطني ، وصَدَّقوا مُنَظِّري فصل الاقْتِصاد عن السِّياسة ومُرَوِّجي عوائِد السّلام الاقتصادي ، فَرهنوا أنْفسهم بقُروضٍ بَنكيّةٍ تمَّ توفيرها ، قَصْدا، بسخاءٍ بالِغ سعْياً لتكبيلِهِم بالتِزاماتٍ دورِيّةٍ طويلة الأمد ، أمَلاً في تَحْييدِهم وطنِيّاً عِبْرَ رَفْع كُلفة انخِراطِهم بالمُقاوَمة.

كما يُدْرِك الشَّباب الثّائِرَ أنَّ عَليْهِ ، أيضاً ، أنْ لا يَنْتَظر تَحَرُّكاً جماهيرِيّاً عَرَبِيّا سَريعاً لِنُصْرَتِه ، كما جرَت عليْهِ العادَة، بسبب تَشْويشِهِ بالانْقِسامات السِّياسِيّة الفلسطينيّة ، وإشِغاله بالاحْتِرابِ الدّاخِلي.

لكِنَّ ذلك كُلِّه لا يُوقِف الشّباب الفلسطينيّ ولا يمْنعه من مُواصَلة وتَصْعيد حَراكِه ، لأنَّه يعلم أنّ ما مِن طريق سِواه لتَصْويب المسار الفلسطينيّ والعَرَبيّ وتَوْفيرِ مُوجِبات ميزانِ رَدْعٍ جديدٍ يرفع كُلْفة الاحتِلال ويُؤسّس لِهَزيمتِه.

وعَلَيْه ، فلهذا الجيل الفتيّ الشّجاع المِقْدام على جيلنا المُخَضرم حُقُوقاً أساسِيّة يَنْبَغي المُسارَعَة بالوفاء بها :

فله عَليْنا حقّ الاحْتِضان والرِّعاية والدَّعم والمَشورة دون وِصايَة.

وعلينا واجب تزويده بِحَصادِ خِبْراتِنا وتَجارُبِنا واختباراتنا الشَّخْصِيَّة والجَمْعِيّة، فعلينا بِدايَةً تَبْصيرَهُ بالمُنجزات المُهِمَّة التي رَاكَمَتْها الأجيال الفلسطينيّة المُتَعاقِبَة على امْتِدادِ أكثر من قرنٍ في مُواجهة المَشروع الاستعماري الاستيطاني الصّهيوني ، كي لا تَحْجُبها عنْهم وَطْأة اللّحظة الرّاهنة ، وكَيْ يَتَحَمَّلوا مَسْؤولِيَّاتهم النِّضاليّة الوَاجِبَة في الدِّفاع عنها وحِمَايَتِها وتَكْريسها وتَعْظيمها بالبناء والمُراكَمة عليْها ، لضمان عُبُورِهم الآمنِ لِمَرحلةٍ نضاليّة جديدة تَمْتَلِك مُقَوِّمات النَّجاح في وقْفِ تَقدّم المَشْروع الاستعماريّ الاستيطانيّ الصّهيونيّ والتّهْيِئة لهزيمته.

ورغم أنَّ البَعْض قَدْ لا يَرُوقُه الحَديث عن المُنْجَزات في ظلِّ طُغيانِ السّلبِيّات ، إلا أنَّ إعادة التّذكير بِأَهَمِّها في هذا التَّوْقيت ضَرُورِيّ ، خصوصاً ، في ظِلِّ انْسِداد الآفاق ومُحاوَلة البعض اختِزال التّاريخِ النِّضاليّ الفلسطينيّ بالإخفاقات ، والتّمَتْرُس ، فقط ، عِندَ ما شابَ التَّجربة من أخطاءٍ وسلْبِيّات.

فبِمِقْياسِ تَقْييم الأداء الذي يُدْخِل عِنْد احْتِسَاب الأرباح، أيضاً، دَرءَ الخَسائِر أو تقليصَها.

يُمْكِن القَوْل أننا قَدْ نَجَحْنا في الحِفاظِ على وُجُودِنا كشعبٍ حَيٍّ. وأفشَلنا مُخَطّطات تَحْويلنا إلى هُنودٍ حُمْر جدد، إذ ما يزال نصف شَعْبِنا الفلسطينيّ (6.22 مليون نسمة وفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في نهاية 2015) صامِداً مرابطاً في أرْضِ وَطَنِه ، على الرَّغم مِن كُلِّ مُحاولات الإبادة والاقْتِلاع والتّشتيتِ والتّهميش التي تواصلت على امْتِداد أكثر مِن قَرْنٍ ، وما تزال.

واحْتَفَظْنا بِهَوِيَّتنا الوطنيّة الفلسطينيّة وانتمائنا القوميّ ، وحَمَيْنا حَضارَتنا العربيّة الإسلاميّة – المسيحِيّة من خطر التَّغريب والتّهويد.

وحَافظنا على قِيَمِنا الإنسانيّة الأصيلة رغم هوْل التّآمر الكونيّ عليْنا.

وَوَاصَلنا تَماسُكنا المُجْتَمعيّ بالرَّغم من تَجْزِئة وَطَنِنا وشَعْبِنا وتشْتيتِنا وتواصُل مُلاحَقَتِنا في كافَّة أماكِن اللّجوء .

وأعَدْنا المُقاوَمَة الفلسطينيّة من المنافي، لِتَشْتَعِل جَذْوَتها مُجَدَّداً على أرضِ فلسطين مركز الصِّراع مع المَشْروعِ الاستعماري الاستيطاني.

وكَشَفْنا جَوْهر الحَرَكَةِ الاسْتِعمارِيَّةِ الصَّهيونية وعُدْوانيتها وعُنْصريّتها ورَجْعِيَّتها وزيف ادِّعاءاتها ، بل وأجْبَرْنا اسرائيل التي سبق وأنْكَرت وُجودنا وما تزال تتَنَكَّر لِحُقوقنا الوطنيّة على التّراجُع قليلاً ، والاعْتِرافِ بِوُجود الشّعب الفلسطيني.

وأعَدْنا القَضِيَّة الفلسطينيّة بعد عُقودٍ من تغييبها إلى صَدارةِ جدْول أعمالِ العالم ، كقضيّة شعبٍ مُناضلٍ صامدٍ يُكافح ضدّ الظّلم بلا هوادة، وحَظيْنا بتعاطُف وتضامن شُعوبِ العالم أجْمع ، وبتأييدهم لِعدالة قَضِيَّتنا.

واسْتَعَدْنا وُجودنا السّياسيّ، وحظينا بعضويَّة، ما تزال منقوصة ، في الأمم المتّحِدة ، ورَفَعْنا علم بلادنا على إحدى سواريها، وبات العالم أجْمَع يُقِرّ بِحَقِّنا في إنْهاءِ الاحْتِلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينيّة التي تَمَّ الاسْتيلاء عَلَيْها في عُدوان حُزَيْران عام 1967. وصَوَّتَتْ 177 دَوْلة ( من مجموع 193 دولة ) على قرارٍ جديدٍ للجمعية العامة للأمم المُتَّحِدة في 18/12/2015 ، يُؤكِّد حقنا في تقرير مَصيرنا على تُرابِنا الوطني وإقامة دَوْلتنا الفلسطينيّة السِّيادِيّة وفقا لِحُدود الرّابع من حُزيْران عام 1967 ، ولم تُعارضه سِوى سِتّ دُول بينها إسرائيل والولايات المُتَّحدة الأمريكيّة وتابعيها ، وامْتَنعت أربع دُوَلٍ فقط عن التّصويت.

وعَليْه، وعلى الرَّغم من الواقِع الفِلسْطيني والعَربيّ المأزووم، فإنَّ شعبَنا الفلسطينيّ يَقِف اليَوْمَ على مَرْمى حَجَرٍ من اسْتِعادةِ وُجُودِه الرَّسميّ على الخريطة الجُغْرافِيّة الدّولِيّة بعد سبعةِ عُقودٍ من التَّغييب. وبالرَّغْم من حُلْكَة الظّلام المُنْتَشِرَةِ حَوْلنا ، فإن الضّوء الذي ظَلّ الرّئيس الشّهيد ياسِرْ عرفات يُجاهِر بِرُؤْيَتِهِ في آخِر النَّفق ، بات يَقْتَرِب بِفِعْلِ تَضْحِياتِ الشّعب الفلسطيني وإصْرار أجياله المُتَعاقِبَة على مواصلة النِّضال، وها هُمْ أبناء الجيل الخامس يتَقَدّمون المسيرة ويُؤكِّدون جاهِزِيَّتهم للتَّضحية والفداء دِفاعا عن حق شَعْبِهم في الحُرِّيّة والعَوْدَة وتقرير المصير.

وغَيْر أنَّ، ذلك ، لا يَحْجُب عن أعْيُننا حقيقة المَخاطِر الجَسيمة المُتَرَبِّصَة بِنا، والتي يُنْذِر اسْتِمْرارها وعدم مُسارَعَتنا بالتَّصَدّي الحَاسِمِ لَها بِتَقْويض مُجْمَلِ ما تَحَقَّق من مُنْجَزات مُهِمّة. والمَخاطِر التي نَقْصِد هُنا، لا تَقْتَصِر على ما يَفْعله العدُوّ بنا، فالشَّباب الفَتِيّ يُدْرِكها بِوَعْيِهِ الحِسِّيّ الذي يتكَفَّل سُلوك المُحْتَلّ وداعميه بتبصيرِه يومِيّاً بها.

لكنّ ما نقْصِده، وما سنُسَلِّط الضُّوء عليه في المَقالات القادِمة، هو تلك الأخطار التي تسَبَّبنا بها لأنفُسِنا بأنْفُسِنا، بِسَبب سياساتٍ وسلوكِيّاتٍ خاطئةٍ انتهجناها، وأخرى سليمة أغفلناها ، فضاعفنا، بذلك، الأخْطار والمَخاطِر، وأَعَنّا العدوّ علَيْنا، وما نزال، فأضْعَفْنا مناعَة شَعْبِنا وضاعَفْنا كُلفة مُقاومته.

مشاركة: