الرئيسية » غانية ملحيس »   06 آذار 2016

| | |
لماذا تعجز "الواقعيّة السّياسيّة" عن إقامة دولة فلسطينيّة على 22% من مساحة فلسطين التاريخيّة
غانية ملحيس

 

لم تَحْظ  مقالاتي السّابقة  حَوْل الحَراكِ الشَّعبيِّ  بمثل الاهْتِمام والتَّفاعُلِ  الذي حَظِيَ بِهِ المَقال الأخير ، الذي بدأ  بالِمُكاشفةٍ  حول ما أعْتَقِده مواطن  خَللٍ  ذاتيٍّ  فلسطينيٍّ  يَنْبغي  تَبْصير الشّباب الفلسطينيّ السّاعي إلى  التَّغيير  بها ، ليقينٍ بأنّها نَتاجُ  قُصورٍ فلسطينيّ  وبأنَّ مُعالجَتَها  مَسْؤولِيّةٌ  فلسطينيّة  خالصة ، ولأنَّ اسْتِمْرارَها  وعدم  المُسارَعة  في  التَّصَدّي  المَسؤول  لها   يُنْذِر بِتَضَليل الشّباب الفلسطينيّ  الثّائِر ويَعوق  تَطَوُّر حَراكِه الواعِد  إلى  انْتِفاضةٍ  شعبيّةٍ  واسعةٍ  تَمْتَلك  المُقَوِّمات  الضّرورِيّة  لِتَسريع  إنْهاء الاحْتِلال الإسرائيلي  ووقف  تَقدم المَشروع  الصّهيونيّ  والتّأسيس  لهزيمته  .

وحيث أنّ  الغاية  إثراء الحِوَار الوَطَنِيّ  الهادف ، فسأحاول التَّطَرُّق  تِباعا  إلى  أهَمِّ الملاحظات النَّقْدِيّة  قبل المُضِيّ  قدُماً  في  تناول  مكامن الخلل الذّاتي  الرّئيسَة الأخرى .

تتَّصِل المُلاحظة الأولى  بِعَدَمِ  جَواز تَحْميل  جيلنا  المخضرم  بكامله المَسْؤولِيّة عن  اسْتِمْرار الإخْفاق  في مُواجهة المَشْروعِ  الصّهيوني  ومَنْعِ  تَقَدُّمِه .           

وبعيدا عن تَجاوز البّعْض  في اتِّهام الغَيْر وُصولاً إلى اسْتِسهالِ التَّخْوين لِتَبْرِئة الذّات، ورغم  وجاهَةِ  ما  ذَهَبَ  إليهِ  ابن  خلدون  عندما قال أنَّ " النّاس على دين مُلوكِهِم" لبيان  المَسؤولِيّة الرَّئيسة  لِلقادَة  في  تَشكيل  واقِعِ  شُعوبهم  وأمَّتِهِم؛ إلا أنني  مِمَّن   يَعْتَقِدون ، أيضاً ،  بِصِحَّة  مَقولة  " كما تَكونوا  يُوَلَّ  عليكُم " ،  وأؤمن بوجود مَسْؤوليّة جَمَاعِيّة ، وإن تفاوتت درجاتها ، عن الواقع الفلسطينيّ المأزووم ، عِبْرَ إتاحَتِنا فُرَصاً  للنُّخَب المُتَنَفِّذة ، قُوى وأفراد ،  لخلق  وَقائِع غير مَرْغوبة ، سواء  بمُناصَرَتِهِم  ومُمَالئَتِهِم ، أوْ بالامْتِناعِ عن  الفِعْل  الإيجابيّ  الضَّرورِيِّ  لِوَقْفِ  تَجَاوُزاتِهِم  .

أمّا المُلاحظة  النَّقْدِيّة الثّانية ، فتتعلَّق  باتِّهامي بترف التّنظير والابتِعادِ عن "الواقِعِيّة  السّياسِيّة " بسبب اسْتِبْعادِ إمكانِيّة حلِّ الصِّراع الفلسطيني – الإسرائيلي "تفاوُضِيّاً" على أساس " حَلِّ الدَّولتين " .

وكنت أعتَقِد  بأننا  مُتَّفِقون  على أنّ  " للواقعيّة السّياسيّة " مفهوماً مُغايِراً للارتهان للواقِع ، ينطلق من الحُقوق الوطنيّة الثابتة غيرالقابلة  للتّصرف ، ولا يختِزلها وفقا  لموازين القوى المُخْتَلّة ، بل  يحاول توفير موجبات ميزان  قُوى جديد  لإحقاقِها عبر حشد كافّة الإمكانات  المُتاحة  والكامنة ، وتوظيف  الظروف الذّاتِيّة  والموضوِعِيّة  لبلوغها بالسُّرْعَةِ  القُصْوى والكُلفَةِ الدُّنيا .

أمّا إذا كان " للواقعيّة السِّياسيّة " مفهوما  آخر يَنْفَرِد  بِه  الفلسطينيّون دون سِواهم، ويَخْتَلِف عَمّا  أثْبَتَته  التّجارب الإنْسانيّة  والتّاريخيّة  المُوَثَّقَة ، التي لمْ  تُسَجِّل حالة  نجاح  واحدة  لِحلِّ  الصِّراعات المُماثِلة  للصِّراع الفلسطيني- الإسرائيلي ، عبر اقتسام الوطن  بين  أصحابه  الأصليّين  والمُستعمرين المستوطنين  ،  فهل يستطيع  أصحابه  بيان  أسباب  تَعَذُّر  قيام  دولةٍ  فلسطينيّةٍ  على الأراضي الفلسطينيّة  المُحْتَلة منذ عام 1967 ، التي لا تزيد مساحتها عن 22% من مساحة فلسطين التَّاريخِيّة  وأقلّ من نصف ما  خَصّصته  لها الشّرعيّة الدّولية المُنْشِئة لشرعيّة إسرائيل؟  

هل يُمْكِنهم  توضيح  أسباب  اسْتِعْصاء  قيام الدَّولة الفلسطينيّة ، رغم التّوافق الرّسميّ  الفلسطينيّ  والإسرائيلي  والعربيّ  والإقليميّ  والدّولي  حول ضرورة  قيامها  لحلِّ  الصِّراع   الفلسطيني – الإسرائيلي  وإنهاء الصِراع  العربي  – الصّهيوني؟؟

رُبَّما  يَخال البعض  أنَّ  المُشْكِلةَ  تكْمُن  في  تَفاصيل القِسْمة ،  رغم  أنّ  مَنْطق الأمور يُشير إلى  أنّ  الاتِّفاق على المَبْدأ العامّ   يُفْترضُ  به  أن  يُسَهِّلَ التَّوافق على التَّفاصيل ويُحَسِّن فرصَ بُلوغ  الهدف .  خصوصاً  وأنَّ  القِيادة الفلسطينيّة  أبدت تنازلاتٍ مُنْقَطِعَة النَّظير ،  وراهنت  بدعوى " الواقِعِيّةِ السِّياسِيّة " على الولايات المُتّحِدة الأمريكيّة  التي انفردت  بالقيادة العالميّة ، فوافقت  على شروطها  للالتحاقِ  بمؤتمر مدريد للسّلام  عام 1991  لتسوية الصِّراع  خارج  أطر الشّرعيّة  الدوليّة  وقراراتها المُلزِمَة  الخاصّة  بالصِّراع ،  ثُمَّ  ارتضت الدّخول في تسويةٍ  مُنْفَرِدَةٍ  مع  إسرائيل وامتثلت لِرَغْبَتِها  في  الخضوع لاختبار التَّحَقّق  من  صِدْقيّتها  بمقايضة  78 % من وطنها  ب 22%  فقط  وحلّ قضيّة  اللاجئين فقبلت  المرور بمرحلةٍ انتقاليّة  مُدَّتها  خمس سنوات .  

وأبدت  في مُفاوضات كامب ديفيد عام 2000  وما تلاها  ، استعداداً  حتّى  لتجاوز حُدود عام  1967 ،  فوافقت على تنازلاتٍ استراتيجيّةٍ إضافِيّة  ، وقبلت بسيادةٍ  إسرائيليّة على الأجزاء التي  تمَّ  تهويدها في العاصِمَة  القُدْس الشّرْقِيّة ،  وبتبادُلٍ  في الأراضي  بما يَسْمح  بِضَمِّ  الكُتَل الاسْتيطانيّة  الكبرى المُقامة  خلف خطوط  الهدنة لعام 1949،  وارتضت  ، أيضاً ،  دَوْلةً منزوعة السِّلاح ، ورضِيَت  بِتواجُدٍ عَسْكَريٍّ  لِحلفاء إسرائيل على  حُدودها  مع الأردن الشّقيق (قوات  من  حِلْفِ النَّاتو  أو قُوَّات أمريكيّة ) .

ورغم كُلِّ  ذلك  ، فشلت المُفاوضات  وحُمِّل الرّئيس الرّاحل  ياسر عرفات  المسؤوليّة، وجرت مُحاولات لإقصائه وانتزاع  صلاحيّاته ، وأحْكِم  الحِصار عليه  إلى أن  تمّ اغتياله  في تشرين الثاني عام  2004  .

وبعد  مرور  أكثر  من  عَقْد  على تَغْييبه ،  يكاد  يَتكَرّر ذات  المَشْهَد  مع  خلفه  الرّئيس  محمود عبّاس .  فعلى  الرغم  من  وفائه  الكامل  بشرط  إنهاء  العُنف  في مُقاومة الاحتلال ، ونزع  الشّرعِيّة عن  مُرْتكبيه ، والتَّنسيق  مع إسرائيل  لِمَنْعِه ،  فإذا بِه  يُواجه  ذات الاتِّهام  الإسرائيلي   بغياب الشّريك ، ويتلقّى  التّهديد  بمصيرٍ مُماثل   لِسَلَفِه .

 حيث لإسرائيل  بكافّة  قُواها   وتيّاراتِها  المُتنفِّذة  مفهوماً  أوْحد  لِحَلِّ  الصِّراع الفلسطيني – الإسرائيلي، لا مَكان فيه لِدَوْلةٍ فلسطينيّة على حدود عام 1967 ، ويعتبرون السّيطرة الإسرائيليّة  عليها   استكمالا  " للتّحْرير الذي بدأ عام  1948 " . إلا أنَّهم  ، وبسبب  تَعَذّر تكرار عَمَلِيّة  التّطهير العرقي  وتفريغ  الضِّفّة الغربيّة وقطاع غزّة من غالبيّة  سكانهما  ، كما حدث في الجزء المُحْتلّ عام 1948 ، يَنتهجون سياسة  مُزدوجة  تعمل من جهة  على تعزيز وتنمية  الركائز  الاستيطانيّة  ودفع  الفلسطينيّين  للتّقوقع  داخل  المعازل  السُّكّانيّة  المُكتظّة المُحاطة بالمُستعمرات الاستيطانيّة  لِمَنْع  توسّعهم،  وللحيلولة دون تواصلهم  ، وتُفْضي من جهة أخرى إلى إدارتهم  بِوَكالةٍ  فلسطينية ، تُخَلِّص إسرائيل من  مسؤولياتها   كسلطة احتلال ، وتنقل إلى الإدارة الفلسطينيّة  مسؤوليّة  لجم  مُقاومتِهِم ، وتُرحِّل  أعباء  تمويلها  إلى المُكلّفين  الفلسطينيّين والمانحين العرب والمجتمع الدّولي .

ألا  يَفْرِض ، ذلك ،  على  دُعاة  "الواقِعِيَّةِ السِّياسِيّة "  ،بعد مُرور 23 عام مِنْ تَوْقيع اتِّفاق أوسلو  وإعْلان رئيس الوزراء الإسرائيلي ومعظم أعضاء حُكومته رفض قيام دولة فلسطينيّة على أرض فلسطين ،  البحث جدِّيّا  عن الأسْباب  الحَقيقيّة  الكامِنة  وراء  تَراجع  فُرَص  إقامة الدَّوْلة الفلسطينيّة  كُلّما  اقتربنا  أكثر من  مُحاولة  تطبيق  مَبْدأ  "حلِّ الدَّوْلَتَيْن " لِتَسوية  الصِّراع  الفلسطينيّ  - الإسرائيليّ؟

ألا  يُفْتَرَض بنا  جميعاً  الاسترشاد  بتجارب  التّاريخ  الإنْسانيّ  في حلّ الصِّراعات  المُشابِهَة  والاستعانة بمدلولاتها  الملائمة  لحلِّ الصّراع الفلسطيني – الإسرائيلي ؟؟ والتي  تُظْهِر أنَّ  تَقسيم  الأوْطان وإقامة  دُولٍ  وكياناتٍ سياسيّةٍ  جديدة  مُمْكن فعلِيّاً ، رغم احْتياجه لِظروفٍ محليّةٍ   وإقليميّةٍ  ودوليّةٍ  ناضجةٍ  . لكِنَّها  تؤَكِّد في الوقت ذاته عجز المقاربات المطروحة  لحلِّ الصِّراعات  ذات الطابع الاستيطاني  على أساس تقاسم  الوطن  بين أصحابه الأصْليّين وبين المُسْتَعْمِرين المُسْتَوطِنين .

فاقْتِسام الأوْطان بين المُواطنين ، على سُوئِه ،  لا يُعطي لأحدٍ  حقٌّ  في العيْشِ فوْق أنقاض الآخر ، وتداعياته  تُماثل  خسارة  تفتيت  الإرث عند اخْتِلاف الوَرثة ، والتّاريخ  البشري حافلٌ  بِنماذج  عِدَّة  لِتشَظّي الأوْطان على أسُسٍ عِرقيّةٍ  وإِثنيّةٍ ودينيّةٍ  وطائفيّة  أسفرت عن قيام  دُوَلٍ  ضعيفة ، ومُعظمُها فاشلةٌ  بالمفهوم التّنمويّ .

 لكنّه  لم يُسجِّلْ  حالة نجاحٍ  واحدة   لِتَسْوِية  صِراع  على أساسِ تَقاسم الوَطن  بين أصْحابِه الأصْليّين  وبيْن المُسْتعْمرين المُسْتوطنين  ، وشواهده  حافلة  بِنَماذِج  ثلاث:

النَّموذج الأوّل :  انتصارٌ حَاسِمٌ  للمُسْتعمرين المُستوطنين  الأجانب ، وتَمَكُّنهم  من إبادة  الغالبيّة السّاحِقَة من سُكّان البلادِ الأصْليّين  وإخضاع  بقِيّتِهِم  ،  كما حدث في الولايات المتّحدة الأمريكيّة  وكندا  وأستراليا  ونيوزلندا إلخ ... .            

النموذج الثّاني : انتصارٌ حاسمٌ لأصْحابِ البِلادِ الأصْليّين ، وإلحاقُ  الهزيمة  السّاحقة بالمُستعمرين المستوطنين  ما  أدّى إلى رحيل غالبيّتهم  وعودتهم  إلى مواطِنهم الأصليّة ، كما حدث عند هزيمة الفرنجة  في فلسطين "المشروع الصّليبي"  الذي تواصل نحْوَ مئتي عام (1095- 1291) ،  وعند نجاح الثَورة الجزائريّة  التي أنهت الاستيطان الفرنسي في الجزائرالذي استمر حوالي 132 عام  (1830- 1962) إلخ ...

النّموذج الثّالث : توصّل سُكّان البلاد الأصليّين والمُسْتوطِنين ، بَعْدَ تَعَذُر حَسْمِ الصِّراع الطّويل والمُكْلِف لِصالِح  أيٍّ منهما ، إلى قرار بالتّصالح ، وتوافقٍهم  على العيْش المُشْترك في الوَطن الواحد  كمواطنين مُتساوين أمام القانون ، في إطار تظام تعدّدي ديموقراطيّ  ، ومثاله السّاطع   جنوب إفريقيا .

وعليه ،  فإذا  تعذّر تاريخيّاً  حلّ  الصِّراعات  ذات الطابع الاستيطاني على أساس اقْتِسام  الأوْطان  بين السُّكَّان الأصْلِيّين  والمُسْتَوْطنين ، فهل سَتَسْمَح  فرادة  السِّمات

الإضافيّة الخاصّة  بالصِّراع الفلسطيني-الإسرائيلي  بحلِّه  وفقا  لمبْدأ  التَّقْسيم؟

 المُؤشِّرات الرّئيسة   تُدَلِّل  على  أنَّ  حلّ الصِّراع  الفلسطيني- الإسرائيلي  لنْ  يَكون  اسْتثناءً ، ولن يَخْرَج  عن النَّماذج  الثّلاث التي سَجَّلها التاريخ  الإنسانيّ  منذ  بدء  تَدوينه .

فدولة  الحَدِّ الأَدْنى التي قد يُمْكِن  تمريرها  فِلسطينيّاً  في  المَدى المَنظور لإنجاز  تسويةٍ سياسيّةٍ  ممكنة ( رغم  أنَّ  غالبيّة  أبناء  الشّعب  الفلسطيني  تَعْتَبرها  استسلاما  لِمَنْطق القُوَّة  المُنْفَصل عن الحُقوق ، وتنكُّراً للحُقوق التَّاريخيَّة الثابتة غير القابلة للتّصرف للشّعب الفلسطيني في وطنه ، وإقرارا بِصدْق الرِّواية الصَّهيونيّة المُزَيَّفة ، وتنازلا عن  78% من فلسطين التَّاريخيَّة ، وموافقة  بذلك على  مُقايَضة  حُقوق ثُلثيْ الشّعب الفلسطيني داخل الوطن وفي الشَّتات بحقوق منقوصةٍ للثّلث  المُتبقّي )  تقتضي  تلقائيّاً : انسحاب إسرائيل  الكامل  من الأراضي الفلسطينيّة التي احتلّتها عام 1967 ، وهو أقلّ  من نصف ما خصّصتْه الشّرعيّة الدّوْلِيّة في قرارالتَّقْسيم  رقم 181  الذي على أساسه نالت إسرائيل شرعيّتها . وانكفاؤها داخل  حُدودٍ  جغرافيّةٍ  مُحدَّدة ، واعترافها رَسْمِيّاً وعمليّاً بحقوق الشّعب الفلسطيني في وطنه فلسطين ، وإنهاء التّمْييز العُنصري ضد فلسطينيّي إسرائيل، والاعتراف ، كذلك، بمَسْؤوليَّتها عن  مُشْكلة اللاّجئين ، والقبول بحَلّها  وفقا للقرار الأممي رقم 194 ،  واسْتعادَتها  ل620   ألفاً  من مُسْتوطنيها المُقيمين في الضِّفَّة الغربيّة (بما في ذلك القُدس الشَّرقيّة )  واسْتيعابهم داخل  تُخومِها ،  وإلغاء قانون العوْدة  الفريد  والتَّخلي رسْمِيّاً  وعَمَلِيّاً  عن مُخطّطات اسْتجلاب اليَهود وذُرِّيتهم من غيْر اليَهود وتوْطينهم ،  ذلك أنّ تواصل  الاسْتيطان  الكولونيالي في   دوْلة إسرائيل المحدودة المساحة  والموارد ، بِمَثابَة إعلانٍ  عن اسْتمرار حرْب  الإبادة  ضِدّ الشَّعب الفلسطيني،  الذي ما يزال يَختبِرُ ويْلاتِها ،  وضِدّ  دُول الجِوارالعرَبيَّة .

 الأمر الذي يَتَناقض عَمَليّاً  مع عقيدتها  الصّهيونيّة ، ويُلْزِمها بالتّخلّي عن  خاصّيّتها الاستيطانيّة  الإجلائيّة - الإحلاليّة ،  وتحَوّلِها إلى دولةٍ طبيعِيّة  وتوقّفها ، بذلك ، عن  أداء  وظيفتها  كقاعدة استعماريّة غربيّة  متقدِّمة .  أي التَّخَلّي عن دوريْها الخاصّ  والعامّ   معاً .  الأمر الذي  يَبْدو  مُتَعذرا   قبل  إحداث   تَحَوُّلٍ  استراتيجيّ  في  مَوازين  القُوى المَحلِّيّة  والإقليميّة  والدّوليّة  يُجْبِرها على  ذلك  .

 فيما دَولة الحَدِّ  الأقْصى الفلسطينيّة  ، التي  حدّدت إسرائيل شروط  القبول بقِيامها  ، قبل أن تتراجع قياداتها  وتعلن رسميّاً رفضها  لحلّ  الدّولتين على أرض فلسطين ،فقد كانت ترتكز على الشّروط التّالية :-

1- الاعتراف الفلسطيني  بإسرائيل دولة  قوميّة  للشّعب اليهودي .

2 – أن تكون لإسرائيل حدود قابلة للدفاع عَنها  / لا عودة لحدود 1967 / .

3-  أن تبقى القدس المُوحَّدة عاصمة إسرائيل  .

4-  أن تبقى الكُتل الاستيطانيّة اليهوديّة الكُبْرى في الضفّة الغربيّة خاضعة للسِّيادة الإسْرائيليّة  .

5- أن تحتفظ إسرائيل بِحقّ المرابطة  العَسْكريّة على طول  نهر الاردن ( الحدود الفلسطينيّة –  الاردنيّة ) .   

6 -  أن يتمّ حلُّ قضيّة اللاجئين الفلسطينيّين خارج تُخوم دولة إسرائيل .

7-  أن تُقام الدّولة الفلسطينيّة  نتيجة حلٍّ تفاوضيٍّ  ومعاهدة  سلام .

8-  أن تكون الدّولة الفلسطينيّة منزوعة السِّلاح ( من دون جيش ، ومن دون سيطرةٍ على  الأجواء  وتخضع منافذها الحدودِيّة – البرِّيّة والبحرِيّة والجَوِّيّة -  لرقابة إسرائيليّة  فعّالة ) . 

9- أن تؤدي التّسوية السِّياسيّة الى إنهاء الصِّراع الفلسطيني – الإسرائيلي  وتضع حدّاً  للمطالب المُتبادَلة  وأن تحظى بتأييدٍ عَرَبيٍّ  وإسلاميٍّ  ودوليٍّ  .

وتحظى الشُّروط الإِسْرائيليَّة  بِمُؤازرةٍ أمريكيّة  وتفهُّمٍ أوروبيّ ( رغم  تعارض المطالب الإسرائيلية مع قرارات الشّرعيّة الدّوليّة التي ما تزال تلتزم بها تلك الدّول ، بل ورغم مخالفة  المُطالبة  بالاعتراف بيهوديّة إسرائيل  لِدَساتير الدّول الغربيّة  التي ترتكز على المُواطنة  والفَصْل بَيْن الدّين  والدَّوْلة )  وذلك ، كَيْ تَحْفَظ  لإسرائيل دوريْها  الخاصّ  والعامّ .  مع  وجود بعض الفوارق الهامشيّة  بين المواقف الإسْرائيليّة والغربيّة  لتسْهيل تسويق عمليّة التسْوية  ، كإمكانيّة استئجارإسرائيل لمنطقة الأغوار لعشرات السنين  ، وإذا ما تعذّر ذلك ، الاستعاضة عن  الوجود العسكريِّ الإسرائيليِّ المُباشِر على الحدود الفلسطينيّة - الاردنيَّة  بوجودٍ عسكريٍّ يشترك فيه  النّاتو  أو قوّاتٍ أمريكيّة ،  وإمكانيّة إجراء تَعْديلاتٍ حُدوديّة  تُفْضي إلى اسْتِكْمال التَّطهير العِرقي ، فَتُخَلِّص إسرائيل مِنْ مُعْظم مُواطنيها الفلسطينيّين الذين تعذّر ترحيلهم /خمس السكّان/ عبر تبادلٍ في الأراضي  والسّكان ، يَسْتَبدل المُسْتوطنات  والمُسْتَوْطنين في الضفّة الغربيّة  بضمِّها إلى الدّولة الاسرائيليّة، بإلحاق  فلسطينيّي الدّاخل 1948  مع  بعض الأراضي المُقيمين عَليْها  بالدّولة الفلسطينيّة. والإبقاء على القُدْس مُوحَّدة تحت السِّيادة الإسرائيليّة ، مع إمْكانِيّة  منْح الفلسطينيّين حقّاً مُقيَّداً ، بإدارة أحيائهم ، ومنح الأردن حقّ الإشراف على  المُقَدَّسات الإسلاميّة  بعد اقتطاع  الأجزاء التي  يتمّ الادّعاء بيهوديّتها  .

وبذلك ، يتّضح ممّا تقدّم  بأنّ الحلّ القائم على تَقاسُم الوطن عِبْر التّفاوض  بين الحَرَكَة الوطنيّة الفلسطينيّة والحَرَكة الصّهيونيّة برعايةٍ أمريكيّة ودعمٍ أوروبيٍّ وغطاءٍ عربيٍّ يستعصي على كلا الطرفيْن  الفلسطينيّ  والإسرائيليّ في المدى المنظور ، بغضِّ النّظر عمَّن يَحْكمُ إسرائيل  اليمين أم اليسار ، وعمَّن يقود  الفلسطينيّون  المُتشدّدون أم المُعتدلون . إذ  لَمْ تَخْتَلف نتائج  التفاوض عندما كان يتولاها  اليسار أم اليمين ، الحمائم أم الصّقور،  ولم يتجاوز جوهر الحَلّ الإسرائيلي  للصِّراع  مَفْهوم الحُكْم الذّاتي للسُّكّان الفلسطينيين دون الأرض .                                                                      

غير أنّ  تعذّرَ إمكانيّة قيام الدّولةِ الفلسطينيّة ، تَفاوضيّاً ، لا يجب أن يَدْفع الفلسطينيّين  لتعديل  مطلبِهِم  بإنهاء الاحْتِلال الإسرائيلي  للأراضي الفلسطينيّة التي تمّ احْتِلالها عام 1967 وإقامة  دَوْلتهم عليْها ، فهذا المطلب  بات  يَحْظى  بتعاطف وتأييد المُجْتَمع  الدَّولي ( 177 دولة ) .  ولتسريع  تحقيقها  يتوجّب فلِسطينِيّا التقاط الفُرصة التّاريخيّة التي يُتيحها الحراك الشّبابيّ الرّاهن ،  بمُساعدته  واحتضانه وتعزيز مقدرته على  تكثيف ضرباته  ضِدّ المُسْتَوطنين  وجيش الاحتلال ، وتوسيع نطاق المُقاومة الشعبيّة، وتطوير أساليبها ، وتفعيل  المُقاطعة المحليّة والدّوليّة  لدولة الاحتلال  وعزلها ، والعمل  مع  قُوى التّحرر والسّلام الإسرائيليّة والدَّوْلِيّة  المُناهضة  للصّهيونيّة  ،  وملاحقة  قادة إسرائيل  قضائيّاً  ومحاسبتهم  على جرائم الحرب .

 فالاحتلال باهظ الكلفة هو ما دفع  إسرائيل للانسحاب من جنوب  لبنان ،  وهو ما دَفَعَها لإعادة الانتِشارِ خارج  قِطاعِ غَزّة ، وهو ، فقط ،  ما سيدْفع إسرائيل إلى الانسحاب غير المَشْروط  من القدس الشرقيّة والضّفّة الغربيّة وإنهاء حصار قطاع  غزّة ،  وبذلك ، تتوفّر الظّروف الموضوعِيّة  لإقامة  الدّولة الفلسطينيّة  في الأراضي الفلسطينيّة  المُحَرّرة .

مشاركة: