الرئيسية » مقالات » فيحاء عبد الهادي »   22 كانون الأول 2025

| | |
صوت النساء الفلسطينيات لا يغيب
فيحاء عبد الهادي

 

 

تزامنًا مع الحملة الدولية "16 يومًا لإنهاء العنف ضدّ المرأة" هذا العام، التي بدأت يوم 25 تشرين الثاني/نوفمبر (اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء) وتنتهي يوم 10 كانون الأول/ديسمبر (اليوم العالمي لحقوق الإنسان)؛ وإيمانًا من نقابة الصحفيين الفلسطينيين بأن للصحفيات الحق في الحياة والأمان وحرية التعيبر، وأن الحقيقة لا يمكن حجبها؛ أطلقت شعارًا دالًا: "صوتها ما غاب"، هادفة إلى تسليط الضوء على استهداف الصحفيات الفلسطينيات، بالقتل والملاحقة، والعنف الرقمي والميداني، والمطالبة بمحاسبة الاحتلال على جرائمه، عبر تحرّك عربي ودولي؛ ولا أدلّ على ذلك من قتل/استشهاد سبع وثلاثين صحفية فلسطينية، إبّان الإبادة الجماعية في غزة، وتعرّض الصحفيات بشكل يومي، عبر الفضاء الرقمي؛ للملاحقة والتشهير ومحاولة تكميم الأفواه.

*****

صوت المرأة الفلسطينية لم يغب، على امتداد تاريخ القضية الفلسطينية.

أدركت المرأة الفلسطينية منذ أوائل القرن الماضي؛ أن جذر العنف الذي تتعرّض إليه كامرأة، ويتعرّض إليه شعبها بأسره؛ هو الاحتلال الإسرائيلي الاستعماري؛ فناضلت ضد المخططات الصهيونية التي هدفت إلى تطهير الفلسطينيين عرقيًا، واحتلال أراضيهم، وناضلت ضد الانتداب البريطاني، الذي ساهم في تنفيذ المخططات الصهيونية، وفي خضمّ نضالها ربطت بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي (بمعناه الإنساني).

علا صوت المرأة الفلسطينية منذ ذلك التاريخ؛ نظّمت المظاهرات السياسية، ووزّعت المنشورات، وأصدرت البيانات والعرائض الاجتجاجية، ولعبت دورًا تحريضيًا، وشكّلت حلقة اتصال، لنقل الرسائل السرية، وكتبت في الصحف، وألّفت الكتب، وأعدّت برامج إذاعية، وكتبت وأخرجت المسرحيات، وأقامت معارض فنية، وأسّست جمعيات ومنظمات نسائية، ونظمت المحاضرات، والدورات التدريبية على الإسعاف الأولي، وأعلت صوت شعبها في المحافل العربية والدولية.

واتسعت مشاركتها السياسية، فشاركت ضمن الثورة الفلسطينية المسلحة، التي انطلقت العام 1965، وساهمت في العام ذاته، في تأسيس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، الذي هدف إلى تمثيل النساء الفلسطينيات في الوطن وفي الشتات.

*****

لم يغب صوت المرأة الفلسطينية في السبعينيات والثمانينيات:

اتسعت مشاركة المرأة السياسية، وتعددت أدوارها. انتبهت الفلسطينيات، في السبعينيات، إلى أهمية تأطير أنفسهن كنساء، لطرح قضايا نسوية؛ فتأسّست الأطر النسوية، التي انبثقت من التنظيمات السياسية، المنضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية، وحاولت الوصول إلى الجمهور الأوسع من النساء لتنظيمهن سياسيًا، وطرح قضاياهن الخاصة كنساء؛ في المدن والقرى والمخيمات.

تراكم وعي نسوي، وتطوّر؛ ليتأسّس في الثمانينيات عدد من المراكز والمؤسّسات ومراكز الأبحاث النسوية المتخصِّصة، المعنيّة بطرح القضايا النسوية، وتنفيذ برامج توعوية ونفسية وبحثية وتدريبية؛ لتمكين النساء، وزيادة مشاركتهن السياسية، وإحداث تغيير مجتمعي.

وطغى صوت النساء على الصعيد الاجتماعي (النوع الاجتماعي)، على نضالهن على الصعيد السياسي (التحرر الوطني)؛ مما ادّى إلى تراجع في دور النساء في الانتفاضة الثانية، العام 2000.

*****

لم يغب صوت المرأة الفلسطينية منذ التسعينيات:

تأسَّس "منتدى المنظمات الأهلية الفلسطينية لمناهضة العنف ضد المرأة"، عام 2000، بمبادرة عدد من المؤسسات الأهلية الفلسطينية، التي تعمل في مجالات تمكين المرأة بشكل عام، ومناهضة العنف ضدها بشكل خاص. 

وتأسست "وزارة شؤون المرأة" نهاية العام 2003، واعتبرت المرجعية الحكومية لقضايا المرأة، وتمكينها، فأشرفت على تنفيذ عدد من الدراسات والبرامج والمشاريع الخاصة بتمكين المرأة، وتعزيز صمودها، ودعم مشاركتها في مواقع صنع القرار، والحدّ من العنف ضدها، وتواصلت وتفاعلت مع المؤسسات الإقليمية والدولية لرفع صوتها تحت الاحتلال.

بينما واصل "الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية" عمله بين صفوف النساء، وتطوّر دوره النسوي، وبادر إلى تأسيس "الائتلاف النسوي الأهلي لتطبيق القرار الأممي 1325 في فلسطين"، العام 2011؛ كإطار تنسيقي لتطبييق القرار وفق حالة المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال.

*****

لم يغب صوت المرأة الفلسطينية إبّان الإبادة الجماعية في قطاع غزة؛ بل من الواضح أن الاستهداف المباشر للنساء، التي تجسّد في الإبادة الجندرية، والإبادة الإنجابية، والآثار الاجتماعية الكارثية على النساء؛ عمّقت الوعي الاجتماعي والحقوقي لدى المنظمات النسوية؛ فربطن ربطًا عضويًا ما بين التحرّر الاجتماعي والتحرر الوطني، ووقفن وقفة نقدية تجاه عدم تطبيق القرار 1325، في فلسطين، وتجاه غياب آليات المساءلة على الصعيد الدولي، كما يظهر ضمن البيان، الذي أصدره الائتلاف الفلسطيني لقرار 1325، والاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، يوم 31 تشرين الأول/أكتوبر 2025، الذي نصّ على وجوب تحقيق الحماية للمرأة الفلسطينية، والمساءلة، وعدم الإفلات من العقاب؛ انسجامًا مع بنود القرار.

كما تجسد هذا الوعي، عبر الحملة التي أطلقها "الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية"، مع "منتدى مناهضة العنف ضد المرأة" ضمن فعاليات حملة 16 يومًا، هذا العام، التي ربطت بين الحقوق السياسية والنسوية: الحق في الحرية وإنهاء الاحتلال، والحق في الحياة والكرامة والأمان، وطالبت بإقرار قانون حماية الأسرة من العنف، وتفعيل القوانين الوطنية، التي تضمن العدالة والمساواة وعدم التمييز.

 وعلى المستوى الرسمي؛ أطلقت "وزارة شؤون المرأة" شعارًا منسجمًا مع الشعار العالمي للحملة هذا العام، شملت قطاع غزة، ومخيمي جنين وطولكرم في الضفة الغربية: "متحدون لإنهاء العنف الرقمي ضد النساء والفتيات"، الذي يشمل: الابتزاز، والتحرش، والتشهير، والاختراق، وما ينتج عنه من آثار نفسية واجتماعية ومهنية. وبيّنت العلاقة بين العنف الرقمي في فلسطين وبين الاحتلال الإسرائيلي، الذي يفرض قيودًا ورقابة مشددة على المحتوى الرقمي، ويعتقل الفتيات والنساء، وفقًا لهذا المحتوى، ويعرّضهن "للعنف الممنهج،

بما في ذلك الاغتصاب، والاعتداء الجنسي، والهجوم على المرافق الصحية الإنجابية، وقتل الأجنة، والحرمان من مستلزمات النظافة والسلامة الشخصية".

*****

كيف يمكن أن يعلو صوت النساء أكثر فأكثر؛ ليكون قادرًا على التأثير والتغيير، فلسطينيًا وإقليميًا ودوليًا؛ ليس بالتشخيص الدقيق فحسب؛ بل بالضغط للتنفيذ، في ربط عضوي بين الأمان الشخصي وأمان الوطن، بين العدالة السياسية والعدالة الجندرية.

كيف يمكن أن تضغط النساء لإقرار قانون حماية الأسرة من العنف، وتنفيذ برامج تساهم في تعافي المرأة جسديًا ونفسيًا، وتمكينهن اقتصاديًا؟

تنتهي حملة 16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة، وتتواصل حملة على مدار العام للنضال النسوي السياسي لمناهضة العنف الاحتلالي الاستعماري ضد الشعب الفلسطيني بأسره، وفي القلب منه النساء.

faihaab@gmail.com

www.faihaab.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

مشاركة: