في غزة كل بيت له حكاية؛ الجدران، الأسقف، النوافذ، الأبواب، الكراسي، الستائر، أصص الزرع، الحقائب، الألعاب، شمّاعة الملابس، حبل الغسيل، المكواة، طبق الطعام، الملعقة، السكينة، الشوكة، آنية الطبخ، المقلاة، الملح، السكر، الدقيق، القمح، الزيت والزيتون والزعتر.
*****
وفي غزة كل من في البيت له/لها حكاية.
في حكاية "بثينة عبد الرؤوف صبح" - مديرة "جمعية وفاق لرعاية المرأة والطفل" -؛ يتقاطع الخاص مع العام، خاصة حين تتحدث عن بيتها، وعن مقرّ عملها، الذي تعتبره بيتها الثاني.
لم تبدأ بالحديث - حين قدّمت شهادتها، كي يوثقها "مركز الرواة للدراسات والأبحاث" -، عن نزوحها/تهجيرها مع ابنتها، يوم 29 نيسان، 2024، من تل السلطان/رفح إلى مصر؛ بل بدأت بوصف ما حدث ويحدث من جرائم ضد الإنسانية، اقترفها جيش الاحتلال الإسرائيلي، في غزة، بعد السابع من أكتوبر 2023، حيث قارنت بين العدوان المتكرّر على غزة قبل هذا التاريخ، وخاصة عدوان العام 2014، وبين العدوان الأخير، الذي وصفته بأنه ليس عدوانًا فحسب؛ بل حرب إبادة جماعية، أخذت الأخضر واليابس، وحرب تجويع، وإذلال، وقتل، وتدمير، وحرق، وهدم، وتهجير قسري.
وصفت شوارع رفح التي ازدحمت بالخيام والنازحين؛ بعد تهجير سكان الشمال إلى الجنوب؛ بأنها أصبحت لا تحتمل؛ إذ لم يعد هناك وسائل نقل، وشحّت المياه، ولم تعد المؤسسات التنموية والحقوقية والنسوية والإغاثية قادرة على تأدية عملها؛ لكن معظمها لم يعدم وسيلة؛ إذ عمل من خلال البيوت.
تحدثت عن عدم قدرتها على الوصول إلى مقرّ الجمعية التنموية التي تديرها - والتي كانت المؤسسة النسوية الوحيدة الموجودة في رفح -؛ لأنها كانت في منطقة تماسّ مع الاحتلال الإسرائيلي: "ما كنت أشتغل إغاثة. حوّلت عملي بالأسبوع الأول من الإبادة، صرنا نقدّم الإستجابات، ونقدّم الخدمات العاجلة للنّاس، ونركز على التنمية الاقتصادية. إغاثة وتنمية مع بعض".
أدركت جمعية وفاق أن استهداف المستشفيات، والمراكز الصحية، ومراكز الأمومة والطفولة، والعيادات، حتى عيادات الأونروا، بالإضافة إلى سوء التغذية؛ يؤدي إلى تدهور الصحة الجسدية والنفسية للنساء، وانعدام الصحة الإنجابية؛ مما يعكس سياسة ممنهجة ضد النساء بوصفهن نساء يحملن بذور الحياة، وضد الأطفال والطفلات بوصفهم أمل الغد، ممن يعوّل عليهم/ن لحمل الراية؛ لاستكمال المسيرة الوطنية التحرّرية، وما يدلّل على استهداف النساء بسبب جنسهن؛ تعرضهن للتحرّش من قوات الاحتلال: "تفتيش غير لائق حيث أجبرهم الجيش على خلع ملابسهم، ووضعوا أيديهم على المناطق الحساسة، وفتّشوهم بطريقة مؤذية تخدش الحياء".
كل هذا دفع الجمعية إلى التركيز، عبر الأخصائيات - اللواتي عملن رغم المعاناة الخاصة والعامة - على تقديم الدعم النفسي، والاستشارات الصحية للنساء، داخل مراكز الإيواء، كما أن الجمعية قدّمت الملابس للنساء والأطفال، والطرود الغذائية للنازحين، وحقائب الطرود الصحية، وحقائب الكرامة، وحقائب الأمومة، والمكملات الغذائية، ووزّعتها على النساء الحوامل والمرضعات، ونظّمت نشاطات تفريغ انفعالي للأطفال، ووفرت ألعابًا تعليمية، وقرطاسية للأطفال والشباب، واستعانت الجمعية بطبّاخين كي تطبخ وجبات ساخنة، وسلال خضرة، وتوزّعها على الخيام، بالإضافة إلى أنها بَنَت 120 وحدة حمّام للسيدات (كل وحدة 3 حمّامات) بين الخيام، بعد أن تبيّنت معاناة النساء الكبيرة من انعدام الخصوصية، وبالذات عدم وجود حمّامات آمنة.
*****
سلّطت شهادة بثينة الضوء على فاعلية النساء إبّان الإبادة؛ كيف يقضين النهار كله في التفكير بكيفية تجهيز الطعام، وكيف يخبزن باستخدام الصاج والحطب، بعد تدمير محطات الوقود والكهرباء، وكيف يزرعن بعض احتياجاتهن اليومية، حول الخيام، مثل الجرجير والنعنع والبقدونس والفلفل الأخضر، وكيف يصنعن شيئًا من اللاشيء، وكيف يواجهن التحديات الكبرى التي تحيطهن، في محاولة للحفاظ على عائلاتهن، أو ما بقي منها.
كما كشفت شهادة بثينة ما هو مسكوت عنه من السلبيات التي نتجت عن تكدّس النازحين/ات في مراكز الإيواء؛ حيث رصدت الأخصائيات الاجتماعيات، من جمعية وفاق، اللواتي يعملن في المراكز/المدارس؛ تعرّض النساء إلى التحرّش والابتزاز، والبنات الصغيرات في سنّ المراهقة إلى الإسقاط، في مركزين من مراكز الإيواء التي تأوي نازحين؛ مما دعا الجمعية إلى الضغط من أجل إغلاقهما: "وتمّ فعلًا إغلاق المركزين، وبلّغنا مديرية التعليم. موجود هذا الطابور الخامس، هذه الفئة البغيضة، اللي بتحاول أخذ قوت شعبنا، بتخطيط وتحت مظلة الاحتلال الإسرائيلي".
*****
وحين روت بثينة قصة نزوحها؛ أعربت عن حزنها وألمها وندمها الكبير لمغادرتها غزة، رغم معاناتها من ورم في الحنجرة، وحاجتها الماسة لاستكمال علاجها الذي بدأته في غزة.
تحدّثت بألم عن ضغط أولادها عليها، بعد المعاناة النفسية التي مرّت بها العائلة، وخاصة بعد اجتياح خان يونس، ومشاهدة صور شباب ملفوفين بالنايلون، ومدفونين وهم أحياء في مقابرها. جافاها النوم، وهي تتخيل اعتداء الجنود على ابنتها، وقتل أولادها، خاصة أن ابنها تعرّض للقصف مرتين، وهو يساعد الناس.
لم تستطع بثينة التحمل، ورضخت لقرار عائلتها، فسجّلت اسمها للسفر إلى مصر مع شركة "هلا".
حملت تقاريرها الطبية، وجواز سفرها، وهويتها، وأوراق بيتها، بالإضافة إلى شال مطرّز واحد، من بين مقتنياتها من التطريز الفلسطيني، الذي تعتزّ به، وغادرت غزة إلى القاهرة."الأمر صعب صعب، عملية النزوح القسرية إللّي تعرّضنا إلها! إنّك تطلعي من بلدك أصلًا ومِش عارفة مصيرك بِدك ترجعي واللاّ لا؟ ما نتمناه الآن هو رجوعنا إلى غزّة بَسّ يفتح المعبر، ولا دقيقة بَقعُد، حتى لو ضلّت الحرب، حتى ولو هدنة بسيطة، مِش رح أضلّ في مصر، ح أرجع على طول، مِش لأني بِدّيش مصر أو بِدّيش الأردن، بِدّي أرجع لبلدي، لَولادي، لَحياتي، حتى لو كانت فيها معاناة ومخاطرة؛ بسّ هي حياتي".
