الرئيسية » مقالات » فيحاء عبد الهادي »   27 كانون الثاني 2026

| | |
الصمود المقاوِم: حتى نكون
فيحاء عبد الهادي

 

"سنكون يومًا ما نريد"، هذا ما ما آمن به شعبنا الفلسطيني العظيم، وعبّر عنه شعريًا المبدع محمود درويش.

وحتى يتحقّق ما نريد؛ يكون لزامًا علينا أن نقف أمام التحديات الكبرى التي تواجهنا؛ فلسطينيًا، وإقليميًا، ودوليًا، لنتساءل: هل نحن قادرون على مواجهتها؟ وإذا كنا قادرين، كيف نفعل ذلك؟

كيف نكون على مستوى التحديات التي يطرحها المحتلّ المستعمر الإسرائيلي، الذي يواصل الإبادة الجماعية في غزة، والتطهير العرقي في الضفة، ويمعن في القتل، والاعتقال، والتعذيب، والخطف، والحرمان من الحقوق الأساسية؛ لتنفيذ مخططاته، الهادفة إلى الضمّ، والتهجير، والإبادة، في كل شبر من فلسطين التاريخية.

هذا بالإضافة إلى العدوان على لبنان، وسوريا، والمؤامرات على السودان، والعراق، واليمن.

ولا ننسى الخريطة التي رفعها نتنياهو بالأمم المتحدة، والتي تحدثت عن إسرائيل الكبرى، التي يشير لها علم دولة الاحتلال، من النيل إلى الفرات. أطماعهم ومؤامراتهم لا تنتهي، ولا بد من حلّ جذري للصراع.

*****

كيف نكون على مستوى التحديات التي تواجهنا؟ في ظل الانقسام الفلسطيني والعربي، وضعف مؤسّسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتآكل الشرعية والتمثيل الفلسطيني، وغياب التوافق بين مكوّنات الشعب الفلسطيني، على رؤية واستراتيجية وبرنامج سياسي؟!

حتى نكون على مستوى التحديات؛ نحتاج إلى تغيير جذري، على غير صعيد، بعد أن نقف وقفة نقدية أمام بنياننا، وأدائنا، وأساليب عملنا؛ نضع اليد على الجرح، ونسمي الأشياء بأسمائها، ونباشر في العلاج.

نحتاج أن نحمي جبهتنا الداخلية، ونعزّز صمود شعبنا عمليًا، من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية طارئة، تدعم النازحين، وتمنع الانهيار الاجتماعي، وتحارب اليأس، لتفشل مخططات الاحتلال، التي تهدف إلى تفكيك المجتمع من الداخل.  

ولا ننسى أن الفقر شكّل أحد أبرز التحديات التي واجهت الشعب الفلسطيني العام 2025، نتيجة العدوان المتواصل، والإبادة الجماعية؛ مما أدّى إلى "تراجع حاد في النشاط الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، وتآكل شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما انعكس في ارتفاع كبير على معدلات الفقر في الضفة وغزة على حد سواء".   

نحتاج إلى حوار جدي، بين أبناء الوطن الفلسطيني جميعًا، يفضي إلى توافق على رؤية وبرنامج وخطة عمل وطنية عامة، تشمل السياسة والاقتصاد والثقافة، في الوطن وفي الشتات؛ مما يستجيب لتحديات المرحلة بالغة الخطورة.       

نحتاج أن نمتّن تحالفاتنا العربية والدولية، وأن نبني على المدّ الدولي، الداعم لقضيتنا ببعدها التحرّري، وأن نعمل مع النشطاء المتضامنين معنا، للضغط على حكوماتهم؛ لوقف إطلاق النار بشكل فعلي، ووقف أشكال الإبادة كافة، والامتناع عن تسليح دولة الاحتلال، ومقاضاة مجرمي الحرب، أمام المحكمة الجنائية الدولية.

كم هو مهم أن نطوّر أدواتنا الإعلامية، والتوثيقية، ومنصاتنا الرقمية، وأن نرفع الوعي بالرواية الفلسطينية التاريخية! وكم هو مهم أن نعمّق علاقتنا مع الحراكات العالمية - التي تناضل ضد الاستعمار، والاحتلال الأجنبي، والعنف، والاستغلال، والفقر، وتغير المناخ، واللامساواة، والتمييز، والعنصرية، والإفلات من العقاب -، ونؤسّس تكتلات إقليمية وعالمية، تعمل على قضايا مشتركة على أصعدة عديدة؛ لأن قضيتنا هي اختبار عالمي لقيم الحق والعدل والكرامة الإنسانية، وحين لا يستطيع القانون الدولي حماية الشعب الفلسطيني؛ فهو يخذل شعوب العالم جميعًا.

*****

كم هو مهم أن تبقى ذاكرتنا حيّة! وأن نستلهم دروس "الصمود المقاوم"، هذا المفهوم الذي تبلور في الثمانينيات من القرن الماضي، والذي شمل "التنمية الإستراتيجية، وأشكالًا شتّى من المقاومة غير العنيفة والعصيان المدني"، والذي ساهم في تبلور الانتفاضة الأولى، العام 1987.

نذكر تأكيد المفكر "إدوارد سعيد" في كتابه "بعد السماء الأخيرة: حيوات فلسطينية – 1986"، على أهمية تدعيم الذات من خلال العمل؛ لأنه تعبير قوي عن الصمود، وشكل من أشكال المقاومة، الذي يحول دون الهزيمة، في ظل غياب الحلول الاستراتيجية السياسية.

يتّسع نطاق الصمود المقاوم، فيبدأ من الفردي اليومي الصامت، ليصل إلى الصريح الجماعي، حيث المظاهرات والاعتصامات، وأشكال شتى من الاحتجاجات.

 مثال على الفردي اليومي: إصرار العديد من الغزّيين الذي أجبروا على النزوح، على إقامة أوتاد خيمتهم على أنقاض منازلهم المدمّرة، وإصرار العديد من الطلاب على الدراسة، وتقديم الامتحانات، رغم ظروفهم بالغة القسوة، وبناء وإعادة بناء منازل في الضفة؛ رغم خطر الهدم، والتنقل؛ رغم تكثيف الحواجز وخطر اعتداءات المستوطنين، وزراعة الأرض، والحفاظ على الذاكرة.

كما يتجلّى الصمود المقاوم بممارسة الكتابة، والفن التشكيلي، والبودكاست، والأفلام الوثائقية، والعمل الصحفي، والمبادرات الرقمية، واستخدام منصات التواصل الاجتماعي، لنشر الإنتاج المعرفي.

أما أشكال الصمود المقاوم الجماعية، فمنها العمل كشبكات اجتماعية، مثال: عمل مؤسسة التعاون لتقديم الإسناد للشعب الفلسطيني، من غزة، إلى القدس والضفة، إلى لبنان، عبر خدمات اجتماعية وإنسانية، وبرامج تنموية، وتعليمية، وصحية، وثقافية، تعزّز قدرات المؤسّسات والشباب، وتجعلهم قادرين على  تقديم حلول إبداعية للتحديات التي تواجههم. 

ومنها العمل كأشكال احتجاج نضالية، مثال: مقاومة أهل يانون عام 2002 لترحيلهم، عبر مقاومة شعبية، تم دعمها بحملة دولية تضامنية، نجحت بإعادة العائلات التي هجّرت إلى منازلها.

*****

هناك العديد من القصص الملهمة من الحركات الشبابية، مثل حركة المقاطعة BDS، والحراكات النسوية، مثل "النسويات السود في أمريكا"، و"التحالف النسوي للتغيير الاجتماعي"، و"المسيرة العالمية للنساء"، والمبادرات الرقمية، والمنصات الشبابية، التي تضمّ كتابًا من غزة، ومخيمات لبنان، والشتات؛ منها مؤسسات  تنتج سرديات بصرية لتغيير الرواية السائدة في الإعلام الغربي، ومنها ما يضم أطرًا شبابية، تربط النضال الفلسطيني بالنضال العالمي.

لقد أصبحت فلسطين رمزًا للحرية والعدالة في العالم، وأصبحت الكوفية شعارها. هناك أكثر من بارقة أمل. العالم الحرّ يتغيّر، هناك الحركات المناهضة للعنصرية وللصهيونية في أوروبا وأمريكا وأمريكا اللاتينية. حركات الشباب تصل الى أماكن غير مسبوقة، وهذه مقدّمة تغيير واسع، لم يتحقق حتى الآن؛ ولكنه بطريقه للتحقق؛ طالما تشبث الشعب الفلسطيني بأرضه وبأهدافه الوطنية، غير القابلة للتصرّف.

الصمود المقاوم هو شعار المرحلة الراهنة، فإذا كانت قوى الظلم لا زالت هي المسيطرة، إلّا أن صمود شعبنا، وإصراره على الحياة، ودور الشعب الفلسطيني وأحرار العرب والعالم بتوفير عناصر الصمود له؛ هو الدور الأهم في هذه المرحلة.

faihaab@gmail.com

www.faihaab.com

 

 

مشاركة: