الرئيسية » مقالات » غانية ملحيس »   23 كانون الثاني 2026

| | |
كيف نحمي الناس دون أن نُشرعن القيد؟ وكيف نستفيد من الدعم دون أن نبيع القرار؟ وكيف نُبقي فلسطين قضية تحرر لا “أزمة تُدار”؟
غانية ملحيس

 

ملخص تنفيذي

السؤال المطروح في الحالة الفلسطينية اليوم ليس مجرد سؤال أخلاقي أو دعوة وجدانية، بل نقد لنموذج عالمي لإدارة الشعوب المحتلة أو الخاضعة عبر الإغاثة والتمويل الدولي. الهدف هو تفكيك الآليات البنيوية التي تحوّل الضرورة الإنسانية إلى أداة للسيطرة وإعادة تشكيل الواقع السياسي، مع الحفاظ على حق الفلسطينيين في القرار الوطني وحماية حياتهم.

1. حماية الناس دون منح الشرعية للوصاية 

•  حماية الناس واجب إنساني، لكنها لا تعني القبول بالقيد السياسي أو المجالس الوصائية.

•     القاعدة العملية:

•     فصل الإنقاذ الطارئ عن أي شرعية سياسية.

•     الخبز أو السلال لا تمنح تفويضا.

•     المساعدات الإغاثية لا تنتج حقا سياسيا.

أمثلة واقعية:

•     متوسط انتظار توزيع السلال الغذائية: 12 يوما.

•     نسبة الأسر المستفيدة تقل عن النصف.

•     شروط الاستحقاق تشمل بيانات شخصية لدى جهات متعددة، ما يعكس تحكم الجهات المانحة أكثر من تلبية الاحتياجات الإنسانية.

 

2. الاستفادة من الدعم دون بيع القرار الوطني

•     الدعم الإغاثي الدولي حق مشروع لكنه قد يتحوّل إلى أداة سيطرة إذا لم يُحصر في الإطار الطارئ فقط.

•     القواعد الأساسية لمنع الاستحواذ على القرار:

•     حصر أي دعم في الاستجابة الطارئة، لا الإدارة السياسية.

•     منع إنشاء مؤسسات ذات طابع سيادي أو تمثيلي.

•     رفض لغة “المرحلة الانتقالية” بلا أفق تحرري واضح.

•     إبقاء القرار الوطني خارج شروط التمويل وأجنداته.

مقارنة دولية وظيفية:

•     البوسنة بعد دايتون، العراق بعد 2003، هايتي بعد الزلزال: استخدمت الإغاثة لتحويل الملفات السياسية إلى إدارة مؤقتة، بعيدة عن الحقوق والسيادة الفعلية.

3. الفعل الفلسطيني متعدد المستويات

•     ليس رهينا لقيادة مركزية واحدة، بل يشمل:

•     الأفراد والمبادرات المجتمعية.

•     مؤسسات المجتمع المدني والنقابات المهنية.

•     الأطر القانونية ووسائل الإعلام المستقلة.

•     شركاء التضامن الدولي.

•     الهدف: نزع الشرعية عن مشاريع الإدارة المؤقتة، وحماية القرار الوطني، وضمان عدم تحويل الضرورة إلى أداة للسيطرة.

4. إفشال المجالس الوصائية

•     لا يكفي الرفض اللفظي أو الإدانة الأخلاقية، بل يجب:

•     نزع أي صفة تمثيلية عنها.

•     حصر الدور في الإطار الوظيفي الإغاثي المؤقت فقط.

•     كشف منطق “البديل الإنساني” سياسيا وإعلاميا.

•     ربط أي تدخل بالقانونين الدولي والإنساني.

•     منع تحول المؤقت إلى دائم عبر تقييد الزمن، وتحويل أي تمديد إلى قضية سياسية.

•     نقل الصراع من القبول السلبي إلى المشروطية الصارمة.

5. إبقاء فلسطين قضية تحرر لا أزمة تُدار

•     الاستراتيجيات الإنسانية يجب أن ترتبط بالحق في تقرير المصير والمساءلة القانونية.

•     أي مقاربة تفصل الإغاثة عن الإبادة أو إعادة الإعمار عن المسؤولية، تعزز الواقع القائم بدلا من تحرير الفلسطينيين.

•     مبدأ أساسي: حماية الحياة دون التخلي عن الحقوق الوطنية.

6. اعتراضات متوقعة

•     دعاة الواقعية السياسية قد يقولون: “قبول المساعدات هو الخيار الوحيد لإنقاذ حياة الناس.”

•     الرد التحليلي: كل خطوة نحو الإغاثة دون شرط وطني قد تُحوّل إلى أداة للسيطرة، وتعيد إنتاج القيد السياسي، ولا تعالج المسؤولية القانونية الدولية عن الاحتلال والإبادة.

7. أسئلة للنقاش

•     كيف يُقاس النجاح في زمن الإغاثة، حين تصبح الضرورة اليومية أداة ضغط سياسية؟

•     متى تتحول النجاة إلى قبول واقع يفرغ الحقوق الوطنية من معناها؟

•     من يملك حق تعريف “الممكن” في سياق الاحتلال والإدارة الدولية؟

•     كيف يمكن للفعل الفلسطيني أن يوازن بين حماية الناس والحفاظ على القرار الوطني دون قيادة مركزية واضحة؟

 

المقال الكامل 

 

كيف نحمي الناس دون أن نُشرعن القيد؟ وكيف نستفيد من الدعم دون أن نبيع القرار؟ وكيف نُبقي فلسطين قضية تحرر لا “أزمة تُدار”؟

 

المقال لا يُطرح بوصفه مجرد موقف أخلاقي أو دعوة وجدانية، بل كتحليل نقدي لمنطق إداري وسياسي واسع. ما يُناقش هنا هو نموذج متكرر عالميا: كيفية إدارة القوى المحتلة أو الوصائية للشعوب الخاضعة عبر الإغاثة والتمويل، بحيث تُحوّل الضرورة الإنسانية إلى أداة للضبط والسيطرة، وتُستنزف السيادة والقرار الوطني تدريجيا. 

يهدف المقال إلى تفكيك الآليات البنيوية لإدارة “الأزمات الإنسانية” في سياقات الاستعمار والاحتلال، ولفتح مساحة فكرية لفهم كيف تتحول النجاة اليومية إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع السياسي.

السؤال المطروح اليوم في الحالة الفلسطينية ليس سؤالا أخلاقيا مجردا، ولا تمرينا نظريا في النقاء السياسي، بل سؤال وجودي يتصل مباشرة بحياة الناس وبمستقبل القضية معا. نحن نعيش لحظة ما بعد الإبادة، التي ما تزال وقائعها مستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس والنقب والجليل وسائر أنحاء فلسطين الانتدابية، رغم قرار وقف إطلاق النار منذ العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وحيث يتواصل القتل والحصار ويتقاطع الجوع مع السياسة، والإغاثة مع الهيمنة، والنجاة اليومية مع محاولات إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني ليقبل بما كان يرفضه تاريخيا.

في هذه اللحظة تحديدا، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إدارة ما عجزتا عن حسمه ميدانيا: شراء الوقت، تسكين الألم بتجزئة القتل قصفا وتجويعا، وتحويل فلسطين من قضية تحرر وطني إلى “أزمة إنسانية مزمنة” تُدار عبر مجالس ولجان ومؤسسات وتمويل مشروط، ولغة تقنية منزوعة السياسة والإنسانية. هنا يكمن الخطر الحقيقي، وهنا يجب أن يبدأ التفكير.

أولا: حماية الناس من القتل ليست مرادفا لتبييض القيد

حماية الناس واجب وطني وأخلاقي لا نقاش فيه. لكن الخلط المتعمّد بين حماية الحياة وتشريع الواقع الميداني والسياسي القائم هو جوهر الخدعة. فالإغاثة في سياق استمرار الإبادة ليست حلا سياسيا، بل ضرورة إنسانية قسرية. والمشكلة لا تكمن في قبول الإغاثة، بل في تحويلها إلى بوابة للقبول بقواعد الاشتباك الذي تحددها إسرائيل المفوضة أمريكيا وغربيا بالعمل القذر، وفقا لتعبير المستشار الألماني، ولإعادة تعريف الصراع الوجودي واختزاله في ملف الأمن والإغاثة.

متوسط انتظار توزيع السلال الغذائية يتجاوز 12 يوما في بعض المناطق المحاصرة.

•     نسبة الأسر التي حصلت على المساعدات تقل عن النصف.

•     شروط الاستحقاق تشمل تسجيل البيانات الشخصية لدى أكثر من جهة، والتوافق مع معايير محددة للتمويل الدولي، ما يعكس التحكم بالضرورة الإنسانية وليس فقط الاستجابة لها.

حين يصبح “مجلس السلام الأمريكي الصهيوني" الذي يقرر المسموح والممنوع، أو المجلس التنفيذي الذي يضم مسؤولين دوليين وعربا ويقوم بدور الوسيط السياسي - الإداري بين القرار والتنفيذ لمنع الانفجار، أو لجنة التكنوقراط الفلسطينية المسؤولة عن إدارة الحياة اليومية للناجين من الإبادة وفق السقف المحدد المسموح به" خشبة الإنقاذ ويقدمون بوصفهم خلاصا، لا أدوات طوارئ. وحين يُعاد توصيف غزة كـ“ملف إنساني” منفصل عن سياق الاستعمار الاستيطاني الصهيوني العنصري الإحلالي في كامل فلسطين الانتدابية وجوارها العربي، نكون أمام عملية إعادة هندسة للوعي قبل أن تكون إعادة إعمار للحجر. 

هنا يصبح القبول غير المشروط بالمجالس واللجان شكلا من أشكال التطبيع مع القيد، وليس حماية من نتائجه.

القاعدة هنا واضحة: نحمي الناس حين نفصل بين إنقاذ الحياة ومنح الشرعية. الخبز لا يمنح تفويضا، والمساعدات الإغاثية لا تُنتج حقا سياسيا، والضرورة الحياتية لا تتحول إلى عقد إذعان. وذلك انسجاما مع مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة والعهدين الدوليين، بوصفه حقا غير قابل للتصرف، لا يجوز تعليقه تحت ذريعة الضرورة الإنسانية، ولا استبداله بترتيبات إدارية أو وصائية مؤقتة، مهما بلغ حجم الكارثة.

ثانيا: الاستفادة من العون الإغاثي دون بيع القرار الوطني.

تظهر التجارب الدولية أن ما يحدث في فلسطين اليوم ليس استثناء، بل يعكس نمطا متكررا في إدارة الشعوب المُستعمَرة أو المحتلة عبر ما يُسمّى بالأزمات الإنسانية. في البوسنة بعد اتفاق دايتون، وفي العراق بعد 2003، وكذلك في هايتي بعد الزلزال، استخدمت الإغاثة والتمويل الدولي لتفكيك السيطرة المحلية وتحويل قضايا سياسية صعبة إلى ملفات إدارية مؤقتة، تُدار ضمن أطر خارجية، بعيدا عن الحقوق والسيادة الفعلية للسكان. هذه المقارنة الوظيفية لا تقلل من خصوصية الحالة الفلسطينية التي تواجه استعمارا فريدا استيطانيا صهيونيا عنصريا إحلاليا وظيفيا، لكنها تضعها ضمن سياق عالمي مفيد لتحليل المخاطر البنيوية لتمويل “المؤقت الإغاثي".

العون الإغاثي الدولي المرافق للتواطؤ والعجز والصمت - حين يأتي - ليس بريئا، لكنه ليس مرفوضا تلقائيا، بل هو استحقاق واجب النفاذ. 

السؤال ليس: هل نقبل العون المنقذ للحياة؟ بل: كيف نمنع تحوّله إلى أداة سيطرة؟

الخبرة الفلسطينية، وخصوصا تجربة السلطة الفلسطينية، تقدّم درسا قاسيا. فقد تحوّل التمويل المؤقت، الذي رافق نشوء السلطة الفلسطينية  في أعقاب اتفاق أوسلو،  إلى بنية دائمة، وصارت “الإدارة الانتقالية المحددة بخمس سنوات ” نظام حكم مؤبد  ممتثل منزوع السيادة، سوِّغ شعبيا بإنجازات ظاهرية،  وبنى مؤسساتية عاجزة عن البقاء الذاتي: أجهزة أمنية متعددة بلا قدرة على حماية المواطنين أو الممتلكات أو المقدسات من تغوّل المستوطنين وجيش الاحتلال، فيما استخدم شعار “الأمن والاستقرار” ذريعة لضبط السكان وملاحقة المقاومة، تحت سقف أكثر من ألف حاجز عسكري وآلاف البوابات  الحديدية التي تطوّق الفلسطينيين وتفتح الأرض للمستوطنين.

ففي ظل المؤقت نشأ جيش من الموظفين (200.000 موظف نصفهم في أجهزة الامن) تركوا العمل المنتج، للحاق بركب الوظيفة الحكومية الآمنة، تستنزف رواتبهم - التي لا تغطي احتياجاتهم المعيشية الأساسية - الجزء الأكبر من الإنفاق العام، الذي يفوق قدرة الاقتصاد الوطني الضعيف على تمويله. وتعتمد في تغطية العجز على إيرادات المقاصة التي يتحكم   بها الكيان الصهيوني، بالمنح أو بالحجب المشروط بالامتثال. وعلى التمويل الدولي المقيد بالإذعان. فقد أعفى اتفاق أوسلو الاحتلال الإسرائيلي من أعباء تمويل إدارة شؤون السكان الفلسطينيين القابعين تحت سيطرته، ونقلها للمجتمع الفلسطيني وللنظام العربي والدولي. 

وفي ظل المؤقت نشأت عشرات المؤسسات العامة، التي حملت مسميات سيادية: رئاسة ورئاسة وزراء ومجلس تشريعي بلا سيادة على الأرض والموارد ولا حتى على الحركة داخل مناطق الحكم الذاتي المحتلة وخارجها دون إذن من الاحتلال، وزارة خارجية تشرف على سفارات وممثليات يفوق عددها دولا مستقلة ذات سيادة، تتقن المراسم أكثر مما تبني القوة السياسية، وتُقيد فعل الجاليات الفلسطينية، وتُنسب أي تحوّل دولي لضغط الشارع العالمي إلى “مهارة” السفراء.  ووزارة للتخطيط بلا تخطيط فعلي لمجتمع يرزح تحت استعمار استيطاني عنصري إحلالي. ووزارات للاقتصاد والصناعة والزراعة تقوض الترابط بين الانتاج والاستهلاك المحلي، وتعمّق الارتهان المعيشي للاقتصاد الإسرائيلي. وأخرى للتجارة تنشط في منح الوكالات التجارية ورخص الاستيراد، وتفاقم العجز التجاري. وللمالية تمول عجز الحساب الجاري بزيادة العجز التجاري والاقتراض الداخلي والخارجي، ونظام ضريبي يساوي بين الفقير والغني. ووزارات للتعليم والصحة تتراجع خدماتها في ظل خصخصة قطاعي التعليم والصحة بذريعة الكفاءة، وتتسبب في تغريب النشأ وفصله عن تاريخه وتراثه الحضاري، وفي تعميق الفجوات الطبقية والمجتمعية. وقطاع خاص تمكن من الصمود وتجاوز قيود الاحتلال قبل أوسلو، وتحول بعدها للاستثمار الاستهلاكي والريعي، وبنوك تجمع المدخرات وتستثمر غالبية أرصدتها في الخارج، وتغذّي القروض الاستهلاكية عوضا عن الاستثمار الانتاجي.

وخلال المؤقت تحول العمل التطوعي الفلسطيني بشقيه الفردي والمؤسسي، الذي حمى الصمود الوطني والتماسك المجتمعي تحت الاحتلال، فأصبح بعد أوسلو مؤسسات المجتمع المدني، وأنشئت آلاف المؤسسات غير الحكومية التي ترتبط بعلاقات مباشرة مع الممولين في الدول الغربية، وتتنافس فيما بينها على مصادر التمويل المشروط بالامتثال، وتستوعب عشرات آلاف الموظفين الملتزمين بالتوقيع على شروط "مكافحة الإرهاب"، وتستنسخ البرامج والأولويات التي تصوغها المؤسسات الغربية بمعزل عن حاجات المواطنين، بذريعة تمكين المجتمع الفلسطيني، فعززت تفكيكه.

 في ظل الحكم الذاتي الانتقالي المؤقت بخمس سنوات والمتواصل للعقد الرابع على التوالي، تحوّل النظام السياسي الفلسطيني المنقسم في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى أداتي ضبط وإدارة، وتحولت معه مؤسسات المجتمع المدني الممول إلى نظام يُدار بالمال، ويُضبط بالرواتب، ويُوظَّفون معا في نهاية المطاف لإدارة الاحتلال بدل تفكيكه.

 

ثالثا: ما يميز المعركة الفلسطينية اليوم هو أنها ليست رهينة قيادة مركزية موحدة، بل فعل متنوع ومتعدد المستويات.

الفاعلون يمتدون من الأفراد والشبكات المجتمعية، إلى المؤسسات الشعبية، والنقابات المهنية، والأطر القانونية، ووسائل الإعلام المستقلة، وصولا إلى الفعل التضامني الدولي. كل مستوى فاعل يمكن أن يساهم بطريقة تراكمية في نزع الشرعية عن مشاريع الإدارة المؤقتة، وتثبيت الحق في القرار الوطني، وحماية حياة الناس. هذه القراءة تؤكد أن القدرة على الفعل حاليا تتوزع، ولا تُترك في يد طرف واحد، وأن القوة تكمن في تنسيق الأدوار ضمن أفق استراتيجي تحرري مشترك، دون الحاجة إلى قيادة مركزية أو تفويض كامل.

لتفادي تكرار النموذج الذي تلا أوسلو، لا بد من تحديد قواعد صلبة:

•   حصر أي دعم في إطار الاستجابة الطارئة لا الإدارة السياسية.

•   منع تشكّل مؤسسات ذات طابع سيادي أو تمثيلي.

•   رفض لغة “المرحلة الانتقالية” بلا أفق تحرري واضح.

•   إبقاء القرار الوطني خارج شروط التمويل وأجنداته.

بكلمة واحدة: نستهلك المال ولا نستهلك القرار. نأخذ ما يحفظ الحياة، لا ما يعيد تعريف الحقوق الثابتة وصياغة القضية.

 

رابعا: إفشال المخططات التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية يكون بنزع الشرعية عنها دون التخلي عن الناس؟

إفشال المخططات لا يتحقق بالرفض اللفظي المجالس واللجان التي يشكلها الغزاة، ولا بإدانتها الأخلاقية، بل بتجريدها من شرعيتها. فهذه المجالس والمؤسسات لا تقوم على التفويض الشعبي ولا على الإجماع الدولي، ولا على الشرعية القانونية، بل على قابلية محلية للامتثال، وعلى الزمن بوصفه حليفا سياسيا. لذلك فإن المعركة الفلسطينية الراهنة مركبة: على الشرعية، والوظيفة، والزمن، والمعنى.

1: نزع الشرعية عبر الفصل بين الوظيفة والتمثيل

الشرط الأول لنجاح “المجالس الفوقية” هو أن تعامل بوصفها مرجعية سياسية أو تمثيلية. لذا فإن الخطوة المركزية تتمثل في نزع أي صفة تمثيلية عنها، وحصر أي دور لها في الإطار الوظيفي الإغاثي والخدمي المؤقت. عمليا، يعني ذلك:

•   رفض الاعتراف بمجلس الوصاية "السلام" والمجالس واللجان المنبثقة عنه كبديل عن الأمم المتحدة أو عن منظمة التحرير الفلسطينية.

•   رفض أي خطاب يتعامل معه كـ“إطار دولي شرعي جديد”.

•   التعامل معه - عند الضرورة - بوصفه قناة تمويل لا مرجعية سياسية.

بهذا المعنى، يصبح مجلس الوصاية “السلام” ومؤسساته مجرد أدوات تقنية بلا قدرة على إنتاج شرعية، لا “نظاما بديلا”.

2: تفكيك منطق “البديل الإنساني” سياسيا وإعلاميا.

يستمد مجلس الوصاية “السلام” قوته من ادعائه أنه بديل عملي عن “فشل السياسة”. لذلك يجب كشف التناقض البنيوي بين الإغاثة والوصاية. القاعدة الخطابية هنا:

كل مشروع إنساني يتجاوز الشرعية الدولية، هو مشروع سياسي مقنّع. ويُترجم ذلك عمليا عبر:

•   ربط أي حديث عن الإغاثة بسؤال الإبادة والمحاسبة.

•   رفض فصل إعادة الإعمار عن المسؤولية القانونية.

•   إعادة إدخال مفردات الاحتلال، الاستعمار، والعقاب الجماعي في كل نقاش تقني. بهذا، يُسحب من المجلس ادعاؤه بأنه “غير سياسي”.

3: نقل الصراع من القبول إلى المشروطية

بدل الانقسام بين “قبول” و“رفض”، يجب نقل الصراع إلى مستوى الشروط. فمجلس الوصاية ينكشف حين يُجبر على العمل تحت شروط لا يستطيع تلبيتها مثل:

•   الالتزام العلني بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

•   عدم استبعاد أي مسار للمساءلة القانونية.

•  رفض أي صيغة أمنية أو سياسية مرافقة للإغاثة.

بهذا، يُدفع المجلس إلى أحد خيارين: إما القبول بشروط تُفرغه من مضمونه، أو الانسحاب وانكشاف طبيعته الوصائية.

خامسا: كسر شرط الزمن - منع تحوّل المؤقت إلى دائم

الوقت هو رأس مال مجلس الوصاية. فكل يوم استقرار تحت سقفه يُراكم شرعيته. لذلك فإن منع تحويل المؤقت إلى دائم يمرّ عبر تقييد الزمن. وهنا تبرز أدوات حاسمة:

•   المطالبة العلنية بسقف زمني لأي دور إغاثي.

•   رفض أي تمديد تلقائي أو غامض.

•   تحويل كل تمديد إلى قضية سياسية خلافية، لا إجراء إداري.

كلما بقي مجلس الوصاية في حالة “مؤقتة مكشوفة”، فشل في التحوّل إلى أمر واقع.

سادسا: إعادة تدويل الصراع لا تدوير الاحتلال

مجلس الوصاية “السلام” يسعى إلى إخراج القضية الفلسطينية من الإطار الدولي وإعادتها كملف إداري فوقي. إفشال ذلك يمرّ عبر العكس تماما: إعادة تدويل الصراع. ويتحقق ذلك عبر:

•   تفعيل المسارات القانونية الدولية بدل تجاوزها.

•   ربط أي تدخل إنساني بالإطار الأممي.

•   الاستثمار في مواقف القوى الدولية الرافضة للأحادية الأمريكية. بهذا، يُعاد وضع المجلس في موقعه الحقيقي: كجسم خارج الإجماع الدولي.

سابعا: إبقاء فلسطين قضية تحرر، لا أزمة تُدار

أخطر ما يجري اليوم ليس فقط على الأرض، بل في اللغة. حين تُستبدل مفردات التحرر بمفردات “الإدارة”، وحين تُختزل السياسة في تحسين شروط العيش تحت السيطرة، نكون أمام هزيمة ناعمة، أعمق من الهزيمة العسكرية.

القضية الفلسطينية ليست أزمة إنسانية طارئة، بل صراع تحرري مع مشروع استعماري استيطاني عنصري إحلالي. وأي مقاربة تفصل الإغاثة عن الإبادة، أو إعادة الإعمار عن المساءلة، أو الحياة اليومية عن الحق في تقرير المصير، هي مقاربة تُنقذ الواقع القائم لا الإنسان الفلسطيني. إبقاء القضية حيّة يتطلب:

•   ربط كل خطاب إنساني بسياقه السياسي والقانوني.

•   إبقاء مطلب المحاسبة حاضرا مهما اشتدت الحاجة.

•   رفض تحويل الصمود إلى تكيف، أو النجاة إلى قبول بالأمر الواقع.

•   الاستثمار في التضامن الدولي بوصفه رافعة سياسية لا حملة تعاطف عابرة.

ثامنا: معركة الزمن، معركة الوعي

ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وحلفاؤهم ليس حلا، بل وقتا. لترميم الصدوع الداخلية، ووقت لإعادة ترتيب الإقليم، وتطبيع الواقع الجديد، واستنزاف الذاكرة الفلسطينية. لذلك، أخطر ما يمكن أن يحدث هو استقرار الحياة تحت سقف الإغاثة، وتحول المؤقت إلى دائم، والضرورة إلى قدر. المطلوب فلسطينيا ليس الرفض العدمي، ولا الانخراط التكيفي، بل إدارة الصراع على الوعي والزمن: قبول ما يحفظ الحياة، ورفض ما يُميت السياسة. 

اعتراضات متوقعة:

قد يقول أنصار “الواقعية الإنسانية” إن قبول المساعدات والتعامل مع مجلس الوصاية وتفرعاته الفوقية هو الخيار الوحيد المتاح لإنقاذ حياة الناس. ولكن هذه الحجج لا تكفي: فهي تغفل أن كل خطوة نحو “الإغاثة دون شرط” قد تُحوّل إلى أداة للسيطرة، وتعيد إنتاج القيد السياسي، كما أنها لا تعالج المسؤولية القانونية الدولية عن الإبادة والاستعمار. إدراك هذه الاعتراضات واجهاضها لا يعني التنازل عن حماية الحياة، بل ضمان أن النجاة اليومية لا تتحول إلى إذعان للسيطرة والشرعنة.

تاسعا: نحمي الناس حين نرفض المقايضة بين الخبز والحق.

ونستفيد من الدعم حين نمنع تحوّله إلى وصاية. ونُبقي فلسطين قضية تحرر حين نصرّ على أن الاحتلال لا يُدار، بل يُفكك.

في زمن ما بعد الإبادة، لم تعد المعركة فقط على الأرض، بل على المعنى. وأخطر أشكال الهزيمة ليست سقوط المدن، بل قبولنا بإدارة ما كان - وما يزال - يجب مقاومته.

لهذا، ليست المعركة بين إنقاذ الحياة والحفاظ على الحق، بل بين إغاثة تُبقي السياسة حيّة، وإدارة تُميت القضية باسم النجاة

 عاشرا: أسئلة للنقاش:

•     كيف يُقاس النجاح في زمن الإغاثة، حين تصبح الضرورة اليومية أداة ضغط سياسية؟

•     متى تتحول النجاة إلى قبول واقع يفرغ الحقوق الوطنية من معناها؟

•     من يملك حق تعريف “الممكن” في سياق الاحتلال والإدارة الدولية للمجتمع الفلسطيني؟

•     كيف يمكن للفعل الفلسطيني أن يوازن بين حماية الناس والحفاظ على القرار الوطني دون قيادة مركزية واضحة؟

 

 

مشاركة: