8
    

 يحضر شهر أيار/النكبة/التطهير العرقي، منذ العام 1948، ويحضر شهر حزيران/النكسة/الهزيمة، منذ العام 1967، ولا ننسى.

يحضر أيار وحزيران، هذا العام، في ظل عدوان إسرائيلي استعماري شرس، يتصاعد كل يوم، في قطاع غزة والضفة ولبنان.

ومهما حدث اليوم، من إبادة جماعية، وعدوان، ومجازر يندى لها جبين الإنسانية؛ لا ينسى الشعب الفلسطيني ما حدث من تطهير عرقي، وتهجير، ومجازر وحشية بالأمس. لا ينسى نكبته الأولى في أيار، العام 1948، ولا نكبته الثانية في حزيران، العام 1967.

وفي الوقت الذي لا ينسى الفلسطينيون من تسبّب في هذه الإبادة، وهذا العدوان الهمجي، ومن سانده، ومن دعمه؛ لا ينسوا من قاوموا، ومن صمدوا، ومن دافعوا، ومن استشهدوا، دفاعًا عن بلادهم، كما لن ينسوا من ساندهم، وأنصفهم، ودعمهم، في نضالهم العادل، لانتزاع حريتهم، واسترداد حقوقهم المشروعة، في العودة والاستقلال وتقرير المصير. 

*****

روت "حياة عزت أديب الدجاني" - التي ولدت العام 1942، حكاية تهجيرها طفلة من القدس، العام 1948، إلى أريحا، وحكاية صمود عائلتها في وجه التهجير، العام 1967، ضمن شهادة وثّقها "مركز الرواة للدراسات والأبحاث".

وبينما تحدثت باقتضاب عن الأحداث التي تظلل ذاكرتها، منذ العام 1948؛ تحدثت بإسهاب عما شهدته وعاشته شابة، في أريحا، وخاصة عن دور المرأة الفاعل، منذ العام 1967.

تذكر أنها اقامت مع عائلتها في بيت جدها في أريحا، بعد تهجيرها طفلة من القدس، وأن بيت الجدّ احتوى على عدد من العائلات الصديقة إضافة لعائلتها، حيث ظلوا فترة طويلة، حتى تدبّر كل منهم أمره. وتذكر أن هناك من أعمامها من هجّر إلى  عمان، ومن استأجر بيتًا، أما هي وعائلتها وعمّاتها؛ فقد بقيوا في بيت جدها، حيث دبّروا أمورهم المعيشية اعتمادًا على دخل الوالد، الذي كان يعمل على سيارة امتلكها، واعتمادًا على بيارتهم، التي كانوا يزرعونها ويبيعون منتوجها.

وصفت حال المهجّرين من حيفا ويافا، والذين عاشوا ظروفًا معيشية قاسية ومأساوية، في مخيمات: عقبة جبر، والنويعمة، وعين السلطان، وكانوا يتلقون بعض المساعدات من الصليب الأحمر، ووكالة الغوث. كما وصفت عمل النساء المهجّرات في التحطيب، وفي تلقيط الخبيزة والحشائش من البساتين، وكيف كنّ يشتغلن في المزارع، حتى يستطعن تدبير أمورهم المعيشية.

*****

فاجأ العدوان الإسرائيلي العام 1967 الفلسطينيين، وفاجأ التربوية: "حياة الدجاني"، التي كانت تشغل موقع نائبة مديرة مدرسة تابعة لوكالة غوث اللاجئين، في مخيم عقبة جبر، حتى أنها وقفت وهي تحمل الأعلام العربية، مع الكثيرين، في استقبال من كانوا يظنونه جيشًا عراقيًا.

وكان أن باشر جيش الاحتلال الإسرائيلي، بطرد آلاف المهجّرين إلى الأردن، عبر التخويف والترهيب والقتل والمجازر، كما حدث العام 1948 في دير ياسين؛ داس سياراتهم بالدبابات، كما سرق الكثير من أصحاب البقالات، ومن مقنتيات البيوت، بما فيها الوثائق الرسمية، وقصف بيوتهم وعماراتهم بالصواريخ؛ حيث تهدّم معظمها بالكامل، ومنها ما تصدّع، مثل بيت حياة الدجاني، التي ذكرت إحدى الحوادث، التي رأتها بعينيها، حين نزل صاروخ فوق عائلة، بينما كانت تنزح إلى عمان، حيث نجا من العائلة طفل واحد، وكبر وتزوج، وكوّن عائلة كبيرة. وكان من "دار حداد"، ووصفت منظر الناس وهم يقطعون الشريعة، والطائرات تقصفهم وترديهم قتلى.

لكن والدها رفض أن ينزح، وقال: "أنا تهجّرت من القدس، وموش مستعد أنزح على عمان، وأرتمي بالمدارس. هان لقينا مأوى، في عمان ما في، خلينا ببيتنا، عشنا عشنا وإذا متنا بنموت بأرضنا".

 ورغم طرد حدّ ثلاثين ألف فلسطيني/ة من الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان، لكن بعض العائلات النازحة إلى الأردن، تمكنت من العودة إلى بيوتها، عبر قطع مياه الشريعة (نهر الأردن)، في الوقت الذي قتل الجيش الإسرائيلي فيه العديد من الفلسطينيين، أثناء محاولتهم قطع مياه النهر.

*****

شهدت حياة الدجاني على دور المرأة الفلسطينية الفاعل العام 1967، خاصة أنها انتسبت إلى "جمعية سيدات أريحا"، التي افتتحت صفوفًا لمحو الأمية، ونظّمت دورات للتثقيف الصحي، واهتمت بالمعتقلين، كما اهتمت بأهلهم، وخاصة أمهات الأسرى، حيث قدّمت الجمعية لهن حوالي سبع عشرة خلية نحل، ودرّبتهن على استعمالها، من أجل أن تمكنهن اقتصاديًا، كما ساعدت الطلاب في الدراسة.

وشهدت على حرب رمضان 1973، وكيف كانت الصواريخ تنزل على عين السلطان، وتقع كلها حول البيت في البستان، وكيف سرق جيش الاحتلال سياراتهم واستخدمها، ومع ذلك لم تخف حياة الدجاني ولا أفراد عائلتها: "كإنُّه الخوف راح مِنّا، كان تُمرُق الدبّابة كُنا نِنبَطِح في البستان، ونتخبّى تحت الأسِرَّة، بعدين لَمَّا نفيق، كُلنا نجتمع مع سوا نضحك ونلعب".

تدرّبت النساء على حمل السلاح، ولا عجب إذ شعرن أنهن يحتجن إلى ذلك، للدفاع عن أنفسهن في وجه أي اعتداء، وشعرن أنهن يحتجن إلى التدرّب على الإسعافات الأولية، كي يستطعن تضميد أي جراح تصيبهن أو تصيب أحد أفراد الأسرة. وهذا ما دعى الشابة حياة، وخمسة عشر فتاة أخرى للتدرّب على استخدام الأسلحة، وعلى الإسعافات الأولية، قبل العام 67.

أحبّت حياة الدجاني العمل التطوعي منذ نعومة اظفارها، حيث تطوّعت للعمل في مراحل زمنية مختلفة، منذ ممارستها مهنة التعليم العام 1967، حيث كانت تعلّم من يريد التعلّم، هي ومجموعة من المعلمات، حتى أثناء إغلاق المدارس، وتنظّم لهن رحلات ترفيهية، ورحلات تعليمية، يلعبن خلالها ألعابًا تكشف مواهبهن وتصقلها، ويتعلّمن فن التطريز، وكيفية تقطير الزهور، وكيفية جمع النفايات، ووضعها في برميل، ودفنها في الأرض، إلى أن تتخمّر، كي تستخدم سمادًا للمزروعات.

 كما تطوّعت في جمعية تنظيم وحماية الأسرة، وشاركت في الهيئة الوطنية للمؤسسات الأهلية، وانتسبت إلى لجنة المرأة للعمل الاجتماعي، وساهمت في تأسيس فرع الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في أريحا، نهاية الثمانينيات، مع المناضلة الراحلة "سلوى أبو خضرا".

ورغم تقاعدها من مهنة التدريس؛ إلّا أنها استمرّت في العمل التربوي التطوّعي، في خدمة وطنها وأبناء شعبها: "أتمني لآخر يوم أن أعطي حَتّى نخلق جيل متعلّم".

faihaab@gmail.com

www.faihaab.com

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.