
1. الملخص التنفيذي
(Executive Summary)
تتمحور الاستراتيجية الجيوسياسية لسلطات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية حول إفراغ المناطق المصنفة (ج) -والتي تشكل 62% من المساحة الإجمالية بموجب اتفاقية أوسلو الثانية الانتقالية لعام 1995، التي قسّمت أراضي الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق إدارية وأمنية هي (أ) و(ب) و(ج)- عبر عملية "هندسة قسرية للمجال". ولا يستهدف هذا المخطط الاستعماري تفكيك التجمعات في منطقتي (أ) و(ب)، بل يهدف بالأساس إلى تقويض مقومات الوجود البشري والتنموي في المنطقة (ج) وتطويقها، لدفع سكانها وهجرتهم نحو الكانتونات السكنية المغلقة في (أ) و(ب)، لضمان السيطرة المطلقة على الأرض والموارد.
تُفكك هذه الورقة الفجوة البنيوية القائمة بين الخطاب السياسي الرسمي للسلطة الفلسطينية المتمحور حول شعار "تعزيز الصمود"، وبين الممارسات التنموية الميدانية السائدة التي غلب عليها طابع "الإغاثة الاستهلاكية المؤقتة" والمشاريع قصيرة الأجل. ومع ذلك، تُشدد الورقة على أن هذه الفجوة وشح الإمكانيات لم تؤديا إلى اقتلاع المجتمع المحلي؛ فبالرغم من قصور الأدوات التنموية الرسمية، إلا أن قرية "المغير" لا تزال تبدي تماسكاً ورسوخاً ميدانياً مدفوعاً بصلابة بنيتها الاجتماعية ومبادراتها الذاتية التي حالت دون تمرير سيناريوهات التهجير القسري والنزوح نحو مناطق (أ) و(ب).
من خلال اتخاذ قرية "المغير" (شمال شرق رام الله) كدراسة حالة، وتفكيك تجربة "حديقة يعقوب" الريادية كنموذج للصمود المبني على الأساليب الزراعية الحيوية والمكثفة في الحيز المخنوق، تسعى الورقة إلى تبيان كيف يمكن للمقاربات الزراعية التطبيقية واستغلال الموارد المتاحة بكفاءة أن تتحول إلى رافعة تنموية تعزز الثبات الشعبي، وتنقله من حالة "الصمود الدفاعي/الانتظاري" إلى مرحلة "الصمود التنموي والإنتاجي المستدام" الذي يحمي الأرض ويحافظ على الوجود البشري في الميدان.
2. خلفية السياسات وتحليل السياق الجغرافي والجيوسياسي
تشكل المناطق المصنفة (ج) نحو 62% من مساحة الضفة الغربية بموجب اتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995، وهي تمثل العمق الاستراتيجي الحيوي، والجزء الأكبر من السلة الغذائية والخزان المائي الجوفي لدولة فلسطين المستقبلية. في هذا الفضاء، لا يتعامل الاحتلال الإسرائيلي عبر أدوات عسكرية وأمنية تقليدية فحسب، بل يمارس استراتيجية ثابتة وممنهجة يمكن تسميتها بـ "الهندسة القسرية للمجال" (Coercive Spatial Engineering). وتُعرّف هذه الهندسة بأنها ممارسة سلطوية توظف منظومة كاملة من الأوامر العسكرية، والتخطيط الهيكلي الاحتكاري، والسيطرة المطلقة على الموارد الطبيعية (الأرض والمياه).
إن المطلع الجيوسياسي الأساسي للاحتلال في المنطقة (ج) لا يستهدف تفكيك التجمعات الفلسطينية أو مواجهتها في منطقتي (أ) و(ب) المكتظتين بالسكان، بل يهدف بالأساس إلى منع أي تمدد فلسطيني في المنطقة (ج)، وخنق تجمعاتها وتحويلها إلى جزر معزولة، لدفع سكانها في نهاية المطاف نحو الهجرة الطوعية أو النزوح القسري والاندماج في كانتونات السكن المغلقة في (أ) و(ب). هذا السلوك يتيح للاحتلال السيطرة على الأرض والموارد بأقل كلفة ديمغرافية ممكنة، وبناء تمدد استيطاني متصل يقضي على أي إمكانية للتواصل الجغرافي الفلسطيني.
وتعتبر قرية "المغير" نموذجاً حياً ومثالاً صارخاً لتطبيق هذه الهندسة القسرية؛ حيث تقع القرية في منطقة حافة جغرافية حساسة تفصل بين المرتفعات الوسطى للضفة الغربية وسفوح الأغوار. هذا الموقع الجيوسياسي الفريد جعلها مستهدفة بشكل مباشر لربط الكتل الاستيطانية المحيطة بها؛ حيث يطوقها من الجهة الشمالية التجمع الاستيطاني "جوش شيلو" (Gush Shilo)، ومن الجهة الجنوبية مستوطنة "كخاف شاحر" (Kochav HaShachar)، بالإضافة إلى الحصار المطبق الذي تفرضه تسع بؤر استيطانية رعوية تابعة لعصابات "شباب التلال" تطوق القرية من الجهات كافة وتخنق منافذها. تهدف السياسة الإسرائيلية في المغير إلى نزع الصفة الإنتاجية (الزراعية والحيوانية) عن القرية، وتحويلها من وحدة إنتاجية ذاتية العطاء والاتصال بمحيطها، إلى مجرد تجمع سكاني محاصر، مما يجعل البقاء في الحيز (ج) معركة صمود يومية يخوضها أهالي القرية في مواجهة مخططات الإخلاء الصامت والتمدد الاستيطاني.
3. تفكيك الموقف الراهن: ديناميكيات الاستلاب المزدوج في قرية المغير
تبلغ المساحة الإجمالية لحوض قرية المغير حوالي 43,000 دونم. ويوضح التوثيق الميداني طحن هذه المساحة الممتدة عبر استراتيجية استلاب ثنائية المحاور (الأرض والمياه) تعمل بالتوازي لتقويض مقومات الوجود البشري:
أولاً: محور الاستلاب الترابي (الأرض والحيز الجغرافي)
إغلاق ومصادرة 98% من الأرض: صادر الاحتلال وأغلق ما يقارب 42,000 دونم بموجب الأمر العسكري رقم 378، وذلك تحت حجج أمنية وذرائع واهية مثل "مناطق عسكرية مغلقة لدواعي أمنية". تم تجيير هذه المساحات بالكامل لصالح التوسع الاستيطاني وتأمين التمدد الحيوي للتجمع الاستيطاني "جوش شيلو" ومستوطنة "كخاف شاحر"، وإطلاق يد البؤر الرعوية التسع التابعة لعصابات "شباب التلال" التي تطوق القرية من الجوانب كافة.
الاستيلاء على الآبار الزراعية: طالت المصادرة الميدانية عشرات آبار تجميع مياه الأمطار التي حفرها أهالي القرية والمزارعون على كامل مساحة الحوض (43,000 دونم) لاستخدامها في الزراعة النباتية والحيوانية؛ حيث منع الاحتلال والمستوطنون بقوة السلاح دخول المواطنين إلى أراضيهم، وتم الاستيلاء على هذه الآبار وشل قدرة القرية على استغلال مياه الحصاد المائي الزراعي.
الحيز المتبقي وانهيار قطاع المواشي بنسبة 80%: انحصر التواجد الفلسطيني الفعلي في 2% فقط (حوالي 1,000 دونم) المخصصة للمخطط الهيكلي السكاني والحواكير المنزلية الضيقة. ونتيجة لفقدان المراعي والآبار الممتدة، تعرض قطاع الثروة الحيوانية وتربية الماشية في القرية إلى انهيار مروع بلغت نسبته 80% مقارنة بالقدرة الإنتاجية التاريخية السابقة، مما تسبب في إفقار العائلات وتدمير الركيزة الأساسية للاقتصاد المحلي والاكتفاء الذاتي للقرية.
ثانياً: محور الخنق الهيدرولوجي والتمييز المائي
يتكامل استلاب الأرض مع سياسة التعطيش والتمييز العنصري في إدارة الموارد المائية، والتي تفاقمت بقرارات سياسية مباشرة من قِبل "سموتريتش" لتقليص كميات المياه المخصصة للفلسطينيين:
المفارقة في السيطرة على الينابيع: يتمايز واقع الموارد المائية المحيطة بالقرية بين نوعين من السيطرة:
1. السيطرة الكلية (عين الرشاش وعين المغير): أحكم المستوطنون سيطرتهم الكاملة والقاطعة على هذين النبعين المحليين بالرغم من ضعف تدفقهما، وحرموا أهالي القرية ورعاتهم من سقاية مواشيهم لتصبح حصة الفلسطينيين منهما (صفر لتر).
2. الاستهداف الحيوي (عين سامية والآبار المركزية): تمثل "عين سامية" الحوض المائي المركزي الاستراتيجي الذي يغذي شبكة مياه محافظتي رام الله والقدس؛ والضخ الفلسطيني عبر هذه الشبكة ما زال مستمراً وقائماً رغم التقلصات الحادة التي فرضها "سموتريتش"، إلا أن هذا المصدر القومي يتعرض لاعتداءات وتخريب ممنهج من قِبل المستوطنين بهدف تعطيل ضخ الشبكة وخلق أزمات مائية متتالية للمجتمعات الفلسطينية.
حصار الشبكة وأزمة "اليومين": تواجه المغير حصاراً حاداً في المياه التي تضخ عبر الشبكة المحلية، حيث تصل المياه إلى القرية يومين فقط في الأسبوع، بينما تنقطع باقي أيام الأسبوع. في المقابل، يستهلك المستوطنون في البؤر والمستوطنات المحيطة كميات مياه تصل إلى سبعة أضعاف ما يستهلكه المواطن الفلسطيني، مما يوضح حجم الفجوة والتمييز المائي الممنهج.
مبادرة المجلس القروي للإسناد: لمواجهة كلفة صهاريج المياه باهظة الثمن، تحرك مجلس قروي المغير عبر الضغط على شبكة مياه القدس واستحصل على نقطة مياه بالقرب من المجلس، يملأ منها المزارعون صهاريجهم بأسعار التكلفة كخطوة دعم زراعي واجتماعي هامة، إلا أن هذه المبادرة تصطدم مباشرة بمعضلة شح المياه وعدم توفرها في الشبكة سوى ليومين في الأسبوع.
ثالثاً: "حديقة يعقوب" كنموذج تطبيقي للصمود الزراعي والحيوي
في قلب هذا الحصار وضمن الحيز المتبقي، برزت تجربة "حديقة يعقوب" (على مساحة 60 متراً مربعاً) كمختبر حي يهدف إلى إثبات الجهد والقدرة الفلسطينية الذاتية على الإنتاج، واختبار مدى تكيف واستدامة 12 صنفاً نباتياً مختاراً بعناية تحت ظروف شح الموارد المائية والجغرافية المفروضة قسراً. وترتكز التجربة ميدانياً على ثلاثة محاور رئيسية:
1. استراتيجية إدارة مياه الآبار المنزلية المدمجة: تعتمد الحديقة بشكل أساسي على مياه الأمطار المجموعة في الآبار المنزلية لخفض تكلفة الإنتاج الزراعي وتوفير مياه الشبكة الشحيحة. ولأن مياه الأمطار المجمعة لا تكفي لتغطية كامل الموسم الزراعي، يتم رفد البئر وتغذيته من مياه الشبكة عند توفرها؛ هذا التمازج والخلط بين مياه الأمطار ومياه الشبكة أثبت فاعلية عالية في تخفيف تركيز الكلور والمواد الكيماوية المضافة في مياه الشبكة، مما حافظ على جودة المياه وسلامة التربة ونمو النباتات.
2. الزراعة العمودية المكثفة (Vertical Farming): تمثل النقطة المركزية والرافعة الفنية للتجربة؛ حيث جرى استغلال المساحة المتناهية الصغر عمودياً عبر أنظمة هندسية ذكية للتمدد الرأسي. هذا الأسلوب أتاح مضاعفة القدرة الاستيعابية للحيز، وحقق عوائد إنتاجية مكثفة وعالية الكثافة بمقاييس المساحة الأفقية الضيقة، مما يثبت إمكانية تحقيق حد مقبول من الاكتفاء الذاتي في حيز مخنوق جغرافياً.
3. الزراعة البينية بين أشجار الزيتون: طورت التجربة أسلوب الزراعة البينية عبر زراعة البقوليات بين أشجار الزيتون في الأراضي المتاحة. يحقق هذا النمط الزراعي الحيوي هدفين: تعزيز بنية التربة عبر تفعيل التثبيت الطبيعي لنيتروجين الهواء في الجذور، وإنتاج "السماد الأخضر" الطبيعي الذي يغذي أشجار الزيتون ويحسّن جودتها دون أي تكاليف مالية للأسمدة الكيماوية.
أثبتت تجربة حديقة يعقوب كمختبر حي أن الصمود لا يحتاج إلى خطابات استهلاكية، بل إلى إدارة تنموية ذكية للموارد المحلية المتاحة (دمج مياه الآبار، والزراعة العمودية المكثفة، والزراعة البينية لحماية الزيتون). ومع ذلك، تظل هذه المبادرة الشعبية والذكية بحاجة إلى مأسسة رسمية قادرة على تعميمها كنموذج تنموي صامد على طول خطوط التماس.
4. تقدير التداعيات والمخاطر (Risk Assessment)
إن استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه في قرية المغير، وبقاء الفجوة العميقة بين الخطاب السياسي الرسمي والأداء التنموي الميداني، يحمل في طياته مخاطر وتداعيات حرجة تهدد الوجود البشري والسياسي في مناطق التماس (ج)، ويمكن تلخيص هذه التداعيات في النقاط التالية:
تثبيت سيناريو "التهجير الصامت" وتفريغ الحيز (ج): عندما يرى المزارع والمواطن في المغير أن قطاع المواشي قد انهار بنسبة 80%، وأن مياه الشبكة لا تصله إلا يومين في الأسبوع بينما ينعم المستوطن بسبعة أضعاف حصته، تصبح كلفة البقاء الفيزيائي والاقتصادي فوق طاقة الاحتمال. هذا الخنق الممنهج سيدفع جيل الشباب والعائلات تدريجياً وبشكل غير معلن نحو الهجرة الداخلية إلى مراكز المدن (المنطقتين أ و ب) بحثاً عن الاستقرار والعمل، وهو ما يحقق جوهر المخطط الاستعماري بإخلاء المنطقة (ج) ديمغرافياً دون الحاجة لتطهير عسكري مباشر.
خسارة الأرض قانونياً عبر تفعيل "ذرائع البور": يستغل الاحتلال الإسرائيلي عبر أدواته القانونية والعسكرية الأراضي التي هُجر أصحابها ومنعوا من الوصول إليها أو سقاية زراعتها ليصنفها كـ "أراضي بور" غير مستغلة، تمهيداً لتحويلها نهائياً إلى ما يسمى "أراضي دولة". إن غياب الدعم الحكومي والمؤسساتي لابتكارات الصمود الزراعي (مثل تعميم نموذج الزراعة العمودية أو توفير حلول مائية بديلة) يسرّع من وتيرة فقدان الحيازة القانونية لما تبقى من الـ 43,000 دونم.
تكريس التبعية الاقتصادية والغذائية للمستوطنات: إن تدمير البنية الإنتاجية الزراعية والحيوانية في قرى التماس يحولها من وحدات ذاتية الاكتفاء إلى "كانتونات مستهلكة" تعتمد كلياً على شراء الغذاء والموارد، بل والاضطرار للعمل داخل سوق الاحتلال والمستوطنات المحيطة ("جوش شيلو" وكخاف شاحر) لتأمين القوت اليومي، مما يضرب في الصميم فكرة "الصمود التنموي" ويحول المجتمع المحلي إلى مجتمع تابع اقتصادياً ومعيشياً لأدوات السيطرة الإسرائيلية.
5. البدائل السياساتية ومصفوفة التكاملية (Policy Alternatives)
لا تقف هذه الورقة عند حدود المفاضلة التي تقصي خياراً لصالح آخر، بل تطرح ثلاثة بدائل متكاملة ومترابطة، يمثل دمجها وتنفيذها بالتزامن رافعة حقيقية لتعزيز صمود قرية المغير في وجه التمدد الاستعماري:
البديل الأول: التدخل الإغاثي الطارئ والدعم القانوني (نمط الاستجابة الحالية)
يقوم هذا البديل على الاستمرار في تقديم الدعم الإغاثي والمساعدات الطارئة والمتقطعة للسكان لمواجهة تداعيات اعتداءات المستوطنين وعصابات "شباب التلال". ويشمل ذلك توفير الأعلاف الطارئة لمربي الماشية المتضررين من فقدان 98% من أراضيهم الرعوية، وتعويض المزارعين، وتقديم الدعم القانوني الفوري لمواجهة أوامر الهدم والإخطار العسكرية الإسرائيلية داخل نطاق الـ 2% المتبقية.
البديل الثاني: الضغط الدبلوماسي والإستراتيجي المائي والتخطيطي
يتجه هذا البديل نحو خوض معركة سياسية وحقوقية على مستويين مركزين:
1. المستوى المائي: الضغط على سلطة المياه الفلسطينية ومصلحة مياه محافظة القدس لاستثناء قرية المغير من منظومة "التوزيع العادل والمداورة" المعمول بها في المحافظة، وفتح المياه وتدفقها نحو القرية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع بدلاً من يومين فقط، كإجراء إسنادي استثنائي لمواجهة الهجمة الاستيطانية الممنهجة وعقيدة التعطيش التي يفرضها "سموتريتش".
2. المستوى الجيوسياسي والدبلوماسي: تفعيل ضغط دبلوماسي دولي وحقوقي لاستعادة الأراضي المصادرة بموجب الأمر العسكري 378، أو على الأقل انتزاع مساحات حيوية منها لتمكين الهيئات المحلية والمؤسسات من إقامة مشاريع تنموية وزراعية عامة تحمي الحيز الجغرافي من القضم والتهويد.
البديل الثالث: التنميط والتكامل التنموي المرن (نموذج حديقة يعقوب)
يقوم على مأسسة وتعميم الممارسات التنموية الصامدة والذكية التي أثبتتها تجربة "حديقة يعقوب" كمختبر حي. ويركز هذا البديل على الإرشاد والتعميم الزراعي لتقنيات الزراعة العمودية المكثفة للتغلب على خنق الحيز الأفقي، ونشر أسلوب الزراعة البينية للبقوليات بين أشجار الزيتون لإنتاج السماد الأخضر وتغذية التربة، ودعم مرونة المزارعين في التعامل مع شح المياه عبر الإدارة المثلى لخلط مياه الأمطار بمياه الشبكة داخل الآبار المنزلية لتقليل نسب الكلور وخفض تكاليف الإنتاج الزراعي.
مصفوفة التكاملية والتوجه السياساتي المقترح
تتبنى هذه الورقة خيار دمج البدائل الثلاثة في مسار تنفيذي متزامن ومتكامل، حيث لا يمكن لأي بديل أن يحقق الصمود الاستراتيجي منفرداً، وتتوزع الأدوار والمستهدفات وفق المصفوفة التالية:
1. المسار الإغاثي والحقوقي (البديل الأول):
الأداة التنفيذية: المؤسسات الأهلية، والوزارات السيادية، والاتحادات الزراعية.
المستهدف الميداني: توفير شبكة أمان عاجلة وتوفير الأعلاف والتعويضات والدفاع القانوني.
الأثر على الصمود: تثبيت المزارع في لحظة الخطر المباشر ومنع الانكسار الاقتصادي الفوري.
2. المسار الدبلوماسي والاستراتيجي (البديل الثاني):
الأداة التنفيذية: المستوى السياسي، وسلطة المياه، ومصلحة مياه القدس، والمنظمات الدولية.
المستهدف الميداني: استحصال ضخ مائي متواصل 24 ساعة، وانتزاع حقوق الأراضي والمخططات الهيكلية.
الأثر على الصمود: حماية العمق الاستراتيجي للقرية (الـ 43,000 دونم) وكسر سياسة التعطيش الممنهجة.
3. المسار التنموي المرن (البديل الثالث):
الأداة التنفيذية: المجلس القروي، والإرشاد الزراعي، والمبادرات الشعبية.
المستهدف الميداني: تعميم تقنيات الزراعة العمودية، والزراعة البينية، وإدارة المياه الذكية (نموذج حديقة يعقوب).
الأثر على الصمود: تحقيق حد مقبول من السيادة الغذائية الذاتية وتقليل التبعية للمستوطنات في الحيز المتبقي.
6. التوصيات المحددة والإجرائية (Actionable Recommendations)
بناءً على الرؤية التكاملية المقترحة، تطرح هذه الورقة جملة من التوصيات الإجرائية الموجهة إلى أصحاب القرار والمؤسسات ذات العلاقة، لضمان صياغة خطة إسناد وطنية شاملة تتعدى البُعد الزراعي التقليدي نحو تثبيت كافة الشرائح الاجتماعية (المزارع، العامل، والموظف) كمنظومة صمود متكاملة:
أولاً: إلى المستوى السياسي السيادي والجهات الحكومية (مجلس الوزراء، سلطة المياه، ووزارتا العمل والمالية والاقتصاد)
الاستثناء الإستراتيجي المائي والخدماتي للمغير: إصدار قرار عاجل من سلطة المياه ومصلحة مياه محافظة القدس لضمان ضخ المياه عبر الشبكة لقرية المغير على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع (24/7) لكسر عقيدة التعطيش، بالتوازي مع إعفاء القرية من بعض الرسوم الحكومية والخدماتية كأداة تثبيت اقتصادي عاجلة.
تثبيت الموظف العمومي (عبر الحوافز وعلاوة الصمود): إقرار "علاوة صمود" خاصة استثنائية لموظفي القطاع العام والتعليم والصحة من أبناء القرية أو العاملين فيها، وضمان انتظام رواتبهم وتسهيل مواصلاتهم وحركتهم، لقطع الطريق على فكرة الهجرة الوظيفية والسكنية نحو مراكز المدن والحفاظ على المؤسسات الحيوية داخل القرية.
الاستثمار الإستراتيجي المشغّل للعمالة (بدائل عمال المستوطنات): الانتقال من برامج التشغيل المؤقتة إلى دعم إقامة مشاريع عامة كبرى داخل القرية (مثل مصانع إنتاج وتصنيع غذائي ومزارع كبرى عالية الكثافة). تهدف هذه المشاريع إلى استيعاب وتشغيل أعداد كبيرة من العمال، وتوجيه الإنتاج ليس فقط للاكتفاء الذاتي بل للتسويق الإقليمي والتصدير، مما يساهم في فك التبعية للاحتلال ويعزز الترابط الاقتصادي والثقافي بين أبناء الوطن عموماً.
تفعيل المسار الدبلوماسي وحماية الحوض: تفعيل ضغط دبلوماسي دولي وحقوقي لفتح ملف المصادرات والأوامر العسكرية (الأمر 378) التي تطبق على الـ 43,000 دونم، لانتزاع مساحات حيوية تمكّن الهيئة المحلية من بناء وتوسيع هذه المنشآت الإنتاجية والمناطق الحرفية.
ثانياً: إلى مجلس قروي المغير والمبادرات المحلية واللجان الزراعية
مأسسة مخرجات البحث والتجربة الزراعية: تبني المجلس القروي لمخرجات وتوصيات التجربة والبحث الزراعي الميداني المجرى في القرية، وتشكيل جبهة عمل مشتركة ومستمرة تجمع بين المجلس، واللجنة الزراعية في القرية، ولجان العمل الزراعي، والنشطاء المحليين، لنقل ونشر تقنيات الزراعة العمودية المكثفة وإدارة المياه المدمجة في الحواكير المنزلية لرفع القدرة الإنتاجية وتوسيع رقعة الحدائق المنزلية القائمة.
تأسيس مرصد تنموي لاقتصادات الصمود: إنشاء "مرصد اقتصادي زراعي تنموي" محلي في القرية ليكون نموذجاً يُعمم على كافة مناطق التماس. يتولى هذا المرصد إعداد دراسات مستمرة، وقياس الأبعاد والمؤشرات التنموية تحت الحصار، ورصد الاحتياجات الحقيقية للفئات المختلفة ورفعها لصناع القرار.
تأسيس "صندوق الصمود والتكافل القروي": إنشاء صندوق محلي تحت إشراف المجلس، يُساهم فيه المقتدرون والمؤسسات، يهدف إلى تقديم قروض إنتاجية ميسرة وحالات دعم طارئة للعمال والموظفين في ظل الأزمات المالية، لمنع الانكسار المعيشي المفاجئ لأي عائلة.
تطوير الاقتصاد التعاوني والتمكين النسوي: رعاية المجلس والجمعية الزراعية لتأسيس تعاونيات إنتاجية تدمج البُعد النسوي (مثل الجمعيات والروابط النسوية في القرية) للتركيز على الإنتاج الغذائي والزراعي والحيواني المنزلي والبلدي، وتسويقه ضمن منظومة اقتصادية محلية متكاملة تخلق فرص عمل مباشرة للنساء وجيل الشباب.
ثالثاً: إلى المؤسسات الأهلية، والتنموية، والاتحادات النقابية والزراعية
التمويل الموجه للاستدامة والتثبيت البشري: إعادة توجيه التمويل الأهلي نحو مشاريع البنية التحتية المجتمعية؛ كترميم المنازل القائمة، ودعم الطاقة الشمسية المنزلية لتخفيض كلفة الطاقة، وتمويل المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر للعمال والشباب العاطلين عن العمل داخل نطاق القرية.
شبكات الأمان القانوني والاجتماعي الشاملة: توفير المؤسسات والاتحادات لبرامج دعم ومناصرة قانونية ونقابية متكاملة تحمي الرعاة والعمال، وتقدم ورشاً تدريبية مهنية ترفع من كفاءتهم وتساعدهم في إطلاق مبادرات تشغيل ذاتي مستقلة داخل القرية.
تعزيز الصمود الثقافي والتبادل الميداني: تنظيم وإطلاق برامج زيارات دورية وممنهجة (سياحة ثقافية وإسنادية) من مختلف المحافظات والجامعات والمؤسسات إلى قرية المغير ومناطق التماس. تهدف هذه البرامج إلى رفع المعنويات، وتبادل الخبرات والتجارب الميدانية، وتفعيل منظومة "التسوق الإسنادي" عبر الشراء المباشر للمنتجات البلدية وزراعات الصمود من المزارعين والتعاونيات النسوية في القرية لتثبيتهم في أرضهم.
7. المصادر والمراجع
المصدر الميداني الأساسي: المعايشة اليومية والمشاهدة الحية للباحث المقيم في قرية المغير، وتوثيقه المباشر لواقع الاستلاب والممارسات اليومية على الأرض.
البيانات المحلية: السجلات الشفوية والرسمية الصادرة عن مجلس قروي المغير (الخاصة بالمخطط الهيكلي، وأرقام شبكة المياه، وأضرار الثروة الحيوانية).
الشهادات الحية: الرصد المباشر لشهادات مزارعي القرية، ورعاة الماشية، والنشطاء القائمين على التجارب والمبادرات الزراعية التنموية في الميدان.
هارون بشاره
باحث في السياسات التنمويه