في شرط القراءة: المعنى قبل الإدارة
لا ينطلق هذا المقال من موقع توصيف حدثي، ولا من رغبة في إنتاج خطاب تعبوي أو إدانة أخلاقية مكتفية بذاتها، بل من محاولة تفكيك غزة بوصفها عقدة دلالية داخل نظام الحداثة الغربي المادي العنصري المهيمن.
وعليه، فإن استخدام مفاهيم مثل “الرمز”، “المعنى”، “الهيمنة”، أو “الإبادة” لا يُقصد به نزع الطابع المادي أو السياسي عما يجري، ولا تحويل الواقع إلى استعارة لغوية، بل على العكس: الكشف عن الكيفية التي يُدار بها العنف الحديث عبر اللغة، والسرديات، وأنماط الفهم المسموح بها.
كما لا يفترض المقال وعيا فلسطينيا واحدا، ولا مجتمعا متجانسا، ولا قداسة للمعاناة أو للموت. وهو لا يدافع عن الفعل السياسي القائم، ولا يمنحه شرعية تلقائية، بل يسائل شروط إنتاج المعنى تحت الإبادة، ومخاطر تحويل الرمز - سواء عبر التقديس أو عبر التفريغ - إلى أداة لإدامة العنف بدل مقاومته.
ولا يقدّم، أيضا، برنامجا سياسيا أو حلولا تقنية، لأن منطقه التحليلي لا يتعامل مع غزة بوصفها “مشكلة قابلة للحل”، بل بوصفها اختبارا تاريخيا وأخلاقيا يكشف حدود منظومة الحداثة الغربية المادية العنصرية في قدرتها على استيعاب معنى لا يخضع لمنطق الإدارة والاحتواء. ومن ثم، فإن أي قراءة تختزل هذا المقال في موقف أيديولوجي جاهز، أو في دعوة رمزية مجردة، تكون قد أعادت إنتاج ما يسعى المقال نفسه إلى نقده.
أولا: غزة، الرمز الذي يتعذر احتواؤه
ليست غزة مجرد رقعة جغرافية صغيرة محاصرة، ولا مجرد ملف أمني أو إنساني متكرر على طاولات السياسة الدولية. ما يجري في غزة يتجاوز منطق الحرب التقليدية، لأنه يمسّ مستوى أعمق: مستوى الرمز حين يعجز النظام العالمي عن احتوائه، ويُقصد بالنظام العالمي، كما سبقت الاشارة، ليس مجرد منظومة دول أو مؤسسات، بل نظام الحداثة الغربي المهيمن بوصفه بنية معرفية ومادية عنصرية، قامت تاريخيا على نزع الإنسانية عن غير الأوروبي، وتحويل العالم إلى موضوع إدارة وهيمنة، حيث يُقاس الحق بقدرته على الاندماج في منطق المنفعة والقوة، لا بكونه حقًا بذاته.
غزة اليوم ليست خطرة لأنها تملك فائض قوة، بل لأنها تملك فائض معنى. وهذا بالضبط ما يجعلها غير قابلة للإدارة.
ثانيا: النموذج الذي خرج عن السيطرة
في تاريخ الصراعات، غالبا ما تسعى القوى الكبرى إلى احتواء الرموز قبل احتواء الجغرافيا. الرمز إن جرى تدجينه، صار أداة تهدئة، وإن فشل احتواؤه، تحوّل إلى تهديد وجودي. غزة تمثل هذا النوع الثاني. لقد حاول الكيان الصهيوني ومعه نظام الحداثة الغربي المهيمن حصر غزة في واحدة من ثلاث سرديات:
- سردية الإرهاب: لتجريدها من أي معنى أخلاقي.
- سردية الضحية الإنسانية: لنزع بعدها السياسي.
- سردية إعادة الإعمار: لتحويلها إلى ملف تقني قابل للإدارة.
لكن غزة أفلتت من السرديات الثلاث. فهي ليست مجرد “مشكلة أمنية”، ولا “مأساة إنسانية” صامتة، ولا “مشروع إعادة إعمار” ينتظر التمويل. إنها مكان تتكسر فيه اللغة السياسية السائدة. يتجلى هذا الفشل بوضوح في اللغة الأممية ذاتها، حين يُستبدل توصيف القصف المنهجي لأحياء كاملة بمصطلحات من قبيل «الوضع الإنساني المتدهور»، وحين تُختزل مجازر يومية في بيانات تحث على «ضبط النفس» و«تسهيل دخول المساعدات»، وكأن المشكلة تقنية لا سياسية، وكأن القتل خلل لوجستي لا جريمة مستمرة.
ثالثا: غزة وفشل الهيمنة
وفق منطق الهيمنة، كما صاغه أنطونيو غرامشي، لا تستقر السلطة بالقوة وحدها، بل حين تنجح في فرض تفسيرها للعالم باعتباره “العقل السليم”. ما يربك النظام العالمي اليوم أن غزة لا تُفسَّر بسهولة. لا يمكن اختزالها في معادلة نصر أو هزيمة، ولا في ميزان ردع، ولا حتى في خطاب أخلاقي إنساني منزوع السياسة. لهذا تُباد غزة مرارا: ليس لأنها تشكل خطرا عسكريا حاسما، بل لأنها تفشل النظام في إنتاج رواية مستقرة عنها.
تجدر الإشارة أيضا إلى أن “النظام العالمي” ليس كتلة صلبة متجانسة، بل حقل متوتر من القوى المتعارضة: قانون يُعلن مبادئ لا تُنفّذ، مؤسسات تُصدر تقارير لا تملك سلطة، دول تتبنى خطاب الحقوق وتمارس النفي العملي لها. ما تكشفه غزة ليس قوة هذا النظام، بل هشاشته البنيوية: عجزه عن التوفيق بين لغته المعيارية وممارساته الفعلية.
رابعا: بين كربلاء وغزة: الرمز المفتوح
كثيرًا ما تُقارن غزة بكربلاء، بوصفها رمز مظلومية معاصرة. لكن الفارق الجوهري أن كربلاء، عبر التاريخ، خضعت لعمليات تأويل أغلقتها داخل مشاريع سلطة، بينما غزة ما زالت رمزا مفتوحا.
كربلاء، في نسخها المؤدلجة، تحولت من لحظة نقد للظلم إلى أداة لإنتاج شرعية جديدة. أما غزة، حتى الآن، ترفض أن تُغلق سرديتها: لا تقبل أن تكون مجرد “ملحمة استشهاد”، ولا تقبل أن تكون مجرد “ورقة تفاوض”، ولا تسمح بأن تُختزل في وظيفة إقليمية. وهذا الانفتاح هو مصدر قوتها، ومصدر استهدافها في آن واحد.
خامسا: الوعي تحت الإبادة
تحدث فرانز فانون عن المجتمعات التي يتشكل وعيها تحت القصف، حيث يتحول الجسد إلى موقع سياسي، وحيث لا يكون العنف مجرد وسيلة، بل لغة. غزة تجسد هذا التحليل بوضوح، لكنها تكشف أيضا حدوده. حذّر فانون من لحظة يصبح فيها العنف هوية مكتفية بذاتها.
في غزة، لم يعد الجسد مجرد ضحية، بل حامل معنى: طفل يشرح للكاميرا أنه «لم يعد يخاف من الموت لأنه صار طبيعيا»، أو أمّ ترفض مغادرة بيت مهدد بالقصف لأنها «لا تريد أن تموت بلا عنوان». هذه العبارات البسيطة ليست خطابا سياسيا، لكنها تكشف كيف يُعاد تشكيل الوعي تحت الإبادة، لا بوصفه تمجيدا للموت، بل محاولة يائسة للتمسك بالمعنى. ما يجعل غزة مقلقة للنظام العالمي أنها ما زالت تقاوم هذا التحويل: ما زالت تطالب بالحياة لا بالشهادة فقط، وبالمعنى لا بالتمجيد الفارغ.
لا يعني الحديث عن الرمز، ولا عن فائض المعنى، نفي الواقع الاجتماعي لغزة أو تناقضاته الداخلية، ولا تحويل المجتمع إلى كتلة وعي متجانسة. بل على العكس، إن ما يمنح الرمز هذه الكثافة هو كونه يتشكّل داخل شروط مادية قاسية: فقر، حصار، تفكك عائلي، صراع على الموارد، وتفاوتات اجتماعية حادة. غير أن النظام المهيمن يعجز عن التعامل مع هذه الشروط إلا بوصفها معطيات تقنية، بينما يُقلقه أن تتحول هذه الشروط نفسها إلى وعي ومعنى غير قابلين للإدارة.
سادسا: حين يصبح الرمز أكبر من حامليه
حذّر مالك بن نبي من اللحظة التي تصبح فيها الفكرة أكبر من الأدوات التي تحملها. غزة وصلت إلى هذه اللحظة. الرمز الفلسطيني في غزة تجاوز الفصائل والسلطة والمحاور الإقليمية، ووصل إلى الوعي العالمي. وهذا ما يزعج الجميع، وليس الاحتلال الصهيوني وحده. الرمز حين لا يخضع لوصاية، يصبح خطرا على كل من يدّعي تمثيله.
سابعا: غزة، مأزق التاريخانية
عبد الله العروي كان واضحا: المشكلة ليست في التراث أو الرمز، بل في إخراجه من التاريخ وتحويله إلى معيار مطلق. غزة تضعنا أمام هذا الامتحان القاسي: إما أن نُقدّسها ونحوّل الموت فيها إلى قدر، أو نُفرغها من معناها ونحوّلها إلى ملف إغاثي، وكلا الخيارين خيانة للرمز. البديل الوحيد هو إعادة غزة إلى التاريخ دون نزع بعدها الأخلاقي: أن تكون مكانا للحق في الحياة، لا مسرحا للموت المؤبد.
لا يسعى هذا التحليل إلى إحلال قداسة جديدة محل قداسة قديمة، ولا إلى تحويل غزة إلى مطلق أخلاقي خارج التاريخ. فالرمز، متى انفصل عن قابلية النقد، يتحول من أداة مقاومة إلى بنية قمع رمزي جديدة. اللغة العالية هنا لا تهدف إلى رفع غزة إلى مقام مطلق أو إلى تبرير أي فعل، بل لإبراز التوتر بين الرمز المفتوح والواقع الملموس. الغاية هي إظهار قوة المعنى وفائضه، لا تقديسه، ولذا يبقى الرمز تحت مجهر النقد والوعي. والمقصود هنا ليس حماية الرمز من التفكيك، بل حمايته من الإغلاق: أي إبقاؤه في حالة توتر دائم مع السياسة والتاريخ والواقع، لا فوقهم.
ثامنا: السؤال الذاتي الفلسطيني
غزة لا تختبر العالم وحده، بل تختبر الفلسطيني أيضا. هل يستطيع الرمز أن يبقى مفتوحا دون أن يتحول إلى عبء على حامليه؟
هل يمكن لغزة أن تظل حاملة للمعنى دون أن تُستنزف باسم هذا المعنى؟
السؤال الفلسطيني اليوم ليس فقط كيف نمنع احتواء الرمز، بل كيف نمنع تحوّله إلى قيد أخلاقي يُجمّد السياسة ويؤبّد الموت؟
والسؤال الذاتي الفلسطيني لا يفترض وعيا واحدا أو تجربة موحّدة، بل ينبثق من تعدد مؤلم في التجارب والمواقع والانتماءات. غير أن ما يوحّد هذه التباينات، في لحظة غزة، هو اضطرار الجميع إلى مواجهة السؤال نفسه: كيف نعيش دون أن يتحول المعنى إلى عبء، ودون أن تتحول السياسة إلى إدارة للموت؟
تاسعا: لماذا تُباد غزة؟
غزة لا تُباد لأنها الأقوى، ولا لأنها الأخطر عسكريا، بل لأنها تقاوم التحويل إلى معنى مُدار. هي رمز لم يُحتوَ، وعقيدة لم تُؤدلج بالكامل، ومعنى يرفض أن يُختزل. وغزة، بهذا المعنى، ليست نهاية سردية، بل بدايتها: امتحان مفتوح للعالم كله، هل يستطيع النظام العالمي القائم أن يتعامل مع رمز لا يمكن تدجينه؟ أم أن مصير كل رمز حر هو الإبادة؟
عاشرا: ما بعد الإبادة: المعركة على المعنى
حين يتحدث العالم عن اليوم التالي «ما بعد الإبادة» في غزة، فإنه غالبا ما يقصد ضبط الأمن، وإدارة السكان، وترتيبات الحكم، وإعادة الإعمار. لكن السؤال الحقيقي الذي يتجنبه هذا الخطاب هو: ما الذي سيُفعل بالرمز؟
فما بعد الإبادة ليس مرحلة تقنية، بل لحظة صراع على المعنى. هل ستُعاد غزة بوصفها:
• جغرافيا مُدارة بلا ذاكرة، كما يحلم ويخطط ترامب وصهره كوشنير عبر تحويلها إلى ريفيرا الشرق الأوسط؟
• ملفا إنسانيا منزوع السياسة، كما يتعامل النظام السياسي الفلسطيني الممتثل، والنظام العربي، والإقليمي، والدولي؟
• أم نموذجا يجب تفكيكه بالإبادة والتدمير كي لا يتكرر، كما يعمل الكيان الاستعماري الصهيوني الاحلالي ونظام الحداثة الغربي المادي العنصري المهيمن؟
وفق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، لا تقتصر الإبادة على القتل المباشر، بل تشمل أيضا الأفعال التي تُلحق ضررا جسديا أو نفسيا جسيما بجماعة ما، أو تفرض عليها ظروف حياة تؤدي إلى تدميرها كليا أو جزئيا.
في هذا السياق، تكتسب الدعوى المنظورة أمام محكمة العدل الدولية دلالتها الأعمق: فهي لا تختبر فقط أفعالا عسكرية بعينها، بل تختبر قدرة النظام القانوني الدولي على منع تحويل “ما بعد الإبادة” إلى مرحلة إفلات من المعنى والمساءلة.
في هذا السياق، لا تعني السياسة خطة جاهزة أو هندسة مؤسساتية سريعة، بل القدرة على منع تحويل الإبادة إلى حالة طبيعية، ومنع اختزال الحياة إلى شروط بقاء بيولوجي. السياسة هنا تبدأ حيث يُرفض الحل السهل، وحيث يُصرّ على أن العدالة ليست بندا تفاوضيا، بل شرطا لأي معنى قابل للاستمرار.
حادي عشر: أفق عملي مشروط: المخاطر والفرص
حتى أدوات الهيمنة المعلنة، مثل مجلس الوصاية الأمريكي “مجلس السلام”، تواجه حدودا صارمة. الانقسامات داخل الولايات المتحدة، والتصدعات مع الحلفاء الأوروبيين وكندا، وصعود أقطاب دولية وازنة، وتململ الأطراف في جنوب العالم، تجعل أي محاولة لاحتواء غزة، أو شن الحرب على إيران مكلفة، ومفتوحة المآلات، ومشروطة بالقيود الداخلية والتوازنات الدولية. وفي هذا الإطار، الفرصة الوحيدة المتاحة: أن يظل الرمز الفلسطيني حيا، وذاكرة غزة حية، بحيث يُجبر النظام الدولي على التكيف، لا على فرض واقع مفروض بالقوة.
أي فشل داخلي للهيمنة الغربية هو فرصة لتمكين فلسطيني محدود، لكنها حقيقية في الحفاظ على المعنى والذاكرة.
ثاني عشر: خطوط حمراء معرفية- سياسية
الأفق العملي الوحيد الممكن بعد الإبادة ليس خطة جاهزة، بل حدود لا يجوز تجاوزها:
• ألا تُعاد غزة إلى السياسة بوصفها مساحة إدارة بلا عدالة.
• ألا يُفصل الإعمار عن المساءلة القانونية.
• ألا يُطلب من الفلسطيني التخلي عن ذاكرته كي يُسمح له بالبقاء.
ما دون ذلك ليس «حلا»، بل إعادة إنتاج للإبادة بأدوات ناعمة.
ثالث عشر: ضد القراءة المُطمئنة
لا يدّعي هذا المقال امتلاك الحقيقة الكاملة عن غزة، ولا يقدّم نفسه بوصفه قراءة نهائية أو سردية بديلة مكتملة.
ما سعى إليه هو إبقاء السؤال مفتوحا في وجه محاولات الإغلاق: إغلاق المعنى عبر الإدارة، وإغلاق السياسة عبر التقنية، وإغلاق الذاكرة عبر التسوية.
ومن هنا، فإن قيمة التحليل لا تُقاس بقدرته على تقديم أجوبة جاهزة، بل بقدرته على مقاومة تحويل الإبادة إلى أمر مفهوم، قابل للتكيّف، أو قابل للنسيان.
كما أن تفكيك الرمز في هذا السياق لا يعني نزع شرعيته أو استبداله برمز آخر، بل كشف الشروط التي يتحول فيها الرمز من أداة مقاومة إلى عبء أخلاقي، ومن لغة حياة إلى تبرير غير مقصود للموت.
وغزة، كما تُطرح هنا، ليست معيارا فوق التاريخ، ولا نموذجا يُستنسخ، بل لحظة كاشفة تُجبر السياسة، إن أرادت أن تبقى سياسة، على إعادة تعريف ذاتها خارج منطق الإدارة والاحتواء.
وعليه، فإن ما يُسمّى باليوم التالي “ما بعد الإبادة” لا يُختبر بترتيبات الحكم، ولا بخطط الإعمار وحدها، بل بقدرة العالم - والنظام القانوني والأخلاقي الذي يدّعي تمثيله - على منع تحويل النجاة البيولوجية إلى بديل عن العدالة، والبقاء إلى ثمن للصمت. فإذا فشل هذا الامتحان، فإن الخطر لا يكمن في مستقبل غزة وحدها، بل في مصير كل معنى يرفض أن يُدار، وكل حياة ترفض أن تُقاس بمدى قابليتها للاحتواء.
