رحيل رمز فلسطيني
رحيل ليلى شهيد في 18/2/2026 ليس مجرد فقدان لشخصية عظيمة، بل وداع لرمز نضالي فلسطيني متميز، دمجت بين الفكر والسياسة والثقافة والدبلوماسية، لتكون نموذجا ملهما للأجيال الفلسطينية والعربية.
حياتها كانت شهادة حية على قدرة الإنسان على حمل وطنه في العقل والقلب، وعلى أن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية، بل مشروع حضاري وفكري وإنساني.
لم تكن ليلى شهيد سفيرة فحسب، بل قارئة دقيقة للواقع الفلسطيني والعالمي، ومترجمة ماهرة لرواية فلسطين إلى لغة يفهمها العالم، بلا شعارات فارغة أو عاطفة مفرطة، بل بعقلانية وحضور إنساني انعكس بوضوح في مسيرتها السياسية والدبلوماسية.
الطفولة والنشأة: بيروت والوعي الفلسطيني المبكر
ولدت ليلى في بيروت في 13/7/1949، بعد عام من النكبة الفلسطينية الأولى، في عائلة فلسطينية عريقة. والدها، الدكتور منيب شهيد، فلسطيني من أصول إيرانية من مدينة عكا، درس الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، وعمل طبيبا وأستاذا في مستشفاها. أما والدتها، سيرين جمال الحسيني، فقد اضطرّت للهجرة مع عائلتها بعد نفي الانتداب البريطاني للحاج أمين الحسيني عام 1939 وملاحقة سلطات الاحتلال البريطاني لرفاقه.
نشأت ليلى في بيئة تعددية ثقافيا ودينيا في رأس بيروت، ورغم عدم عيشها في المخيمات التي سكنها نحو 350 ألف فلسطيني، كانت على تماس مباشر بقصص النكبة والتهجير القسري.
منذ طفولتها التحقت بالكلية البروتستانتية، وأكملت فيها دراستها الابتدائية والثانوية، قبل أن تنتقل إلى الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1968، حيث بدأ وعيها السياسي يأخذ شكله الأبرز.
الانخراط في النضال والنشاط الطلابي
اختارت ليلى التخصص في علم الإنسان والاجتماع (الأنثروبولوجيا)، وفي خضم النكبة الثانية عام 1967 وهزيمة الجيوش العربية أمام جيش الدولة الصهيونية في ستة أيام، تبلور وعيها السياسي والثقافي.
كان حضورها لافتا في الأنشطة الطلابية السياسية والاجتماعية والثقافية، وشغفها بفكرة فلسطين المرتبطة بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية واضحا.
أسهم القصف الصهيوني لمطار بيروت عام 1968 وتدمير أسطول الطيران المدني اللبناني/الشرق الأوسط، في تنمية وعي ليلى بوحدة المصير الفلسطيني واللبناني والعربي. كما لاحظت تباين مقاربات الطلبة اللبنانيين للحدث، وفاجأها منطق تيار انعزالي طائفي يسعى لفصل لبنان عن محيطه العربي كسبيل للنجاة. وأسهم التفاعل الطلابي مع النقاش المتنامي حول قضايا التحرر والعدالة في حفز الوعي النقدي لدى الشباب الفلسطيني واللبناني والعربي، فبدؤوا يطرحون الأسئلة المركزية المتعلقة بالصراع والهوية وظروف تشكل الواقع العربي وأسباب توالي الهزائم.
تولت ليلى رئاسة تحرير مجلة The Outlook في الجامعة، التي وفرت مساحة للطلاب للتعبير الحر عن آرائهم حول مختلف القضايا السياسية والاجتماعية المحلية والقومية. وبرز حضورها في الحوار المفتوح في ركن الهايد بارك، الذي أقامه الطلاب على غرار الهايد بارك الشهير في لندن، ووفّر منبرا مهما للنقاش الحر التعددي فكريا وإثنيا ودينيا وسياسيا واجتماعيا.
برز ذكاؤها الحاد وقدرتها على الإقناع دون إذلال والحزم دون سحق، وتميزت بأناقة التفكير قبل المظهر، والحرص على إثراء النقاش بالحجة دون السيطرة.
أثناء دراستها الجامعية، تطوعت مع عدد من الطلاب الفلسطينيين واللبنانيين في مركز الإعلام الخارجي الفلسطيني ببيروت، للإسهام في إعداد مواد إعلامية للتعريف بالقضية الفلسطينية وترجمتها للغات الأجنبية. كما شاركت في تقديم الدعم المباشر للاجئين الفلسطينيين في المخيمات في التعليم والرعاية الاجتماعية والتوعية السياسية، مؤسِّسة قاعدة صلبة لمسيرتها الفكرية والدبلوماسية.
الدراسة العليا والانخراط الفكري والسياسي
بعد حصولها على البكالوريوس والماجستير، انتقلت ليلى إلى باريس للحصول على الدكتوراه في الأنثروبولوجيا، والتحقت بالكلية التطبيقية للدراسات العليا (École Pratique des Hautes Études)، حيث كان موضوع بحثها عن التركيب الاجتماعي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
لكن انخراطها في العمل الطلابي والسياسي، وانتخابها لرئاسة الاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا عام 1976، وتطوعها للعمل في مكتب المنظمة في باريس خلال فترة حرجة تعرض فيها نشطاء فلسطينيون للاغتيال، جعلها تتخلى عن استكمال الدكتوراه. فقد اغتيل ممثل المنظمة محمود الهمشري عام 1972، وباسل الكبيسي عام 1973، ثم لاحقا عز الدين القلق وعدنان حماد عام 1978، إلا أن ذلك لم يثنها عن الاستمرار في العمل الفلسطيني.
خلفيتها الأكاديمية والأنثروبولوجية منحتها قدرة نادرة على قراءة المجتمع الفلسطيني بعين علمية دقيقة، وترجمة ذلك إلى خطاب إعلامي وسياسي ودبلوماسي رصين، قادر على مخاطبة الجمهور الأوروبي بوضوح ومصداقية، وليس بالعاطفة وحدها.
تزوجت ليلى من الكاتب المغربي المرموق محمد برادة عام 1977، وانتقلت للعيش في المغرب، وبالرغم من ذلك أعادت الانتفاضة الأولى في أواخر عام 1987 توجيهها إلى العمل السياسي والفلسطيني بعمق أكبر.
بدايات الدبلوماسية ومسيرة التمثيل الرسمي
في العام 1989، عينها ياسر عرفات كأول امرأة دبلوماسية فلسطينية، وأسند إليها منصب أول سفيرة لفلسطين في إيرلندا. ثم تولت منصب سفيرة فلسطين في هولندا والدنمارك في الفترة 1990–1993، وبعدها في فرنسا من 1993 حتى 2005. وبعد انتهاء مهمتها في فرنسا، عُرض عليها منصب رئاسة مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة، لكنها فضلت العمل في أوروبا، معتبرة أن العلاقة الأوروبية العربية ذات بعد استراتيجي وثقافي.
لاحقًا، عينت ليلى سفيرة فلسطين في بروكسل من 2005 إلى 2015 وممثلة لفلسطين لدى الاتحاد الأوروبي، حيث كان لها دور بارز في الدفاع عن القضية الفلسطينية، ومواجهة ازدواجية المعايير الدولية واستثناء إسرائيل من نفاذ القوانين والاتفاقيات الدولية، لتصبح صوت فلسطين في المؤسسات الأوروبية الكبرى، مجسدة رؤية دبلوماسية قائمة على القانون والمصداقية.
بعد تقاعدها عام 2015 وابتعادها عن العمل السياسي والدبلوماسي المباشر، واصلت ليلى نشاطها الثقافي والفكري، وترأست جمعية أصدقاء معهد العالم العربي في باريس، مركزة على دعم الإنتاج الثقافي العربي، وتقديم فلسطين كقضية حضارية وفكرية بعيدا عن الصور النمطية أو تصوير الفلسطيني كضحية فقط. كما كانت عضوة في مجلس أمناء جامعة بيرزيت، ونائبة لرئيس مجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
المواقف السياسية الكبرى
• نقل صورة مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982: رافقت المثقف والشاعر الفرنسي جان جينيه، المعروف بكتاباته المناهضة للاستعمار ودفاعه عن المهمشين، ومن بينهم الفلسطينيين. وكان من أوائل من زار المخيمين بعد أيام قليلة من المجزرة، وكتب نصه الشهير «أربع ساعات في شاتيلا» (Quatre heures à Chatila) منتقدا الصمت الدولي والتواطؤ السياسي واللغوي، ونشر في صحيفة لوموند الفرنسية في نوفمبر 1982، وأدرج لاحقا في كتابه أسير عاشق (Un captif amoureux) الصادر بعد وفاته عام 1986. بهذه الزيارة وحواراته، حول جينيه فلسطين إلى اختبار للعدالة، وبيّن علاقة المثقف بالحقيقة خارج الاصطفاف الرسمي للدول، محوّلًا شهادته إلى فعل مقاومة ضد النسيان.
• الدفاع عن حقوق الفلسطينيين خلال الانتفاضة الثانية وحصار غزة.
• شرح القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية، وتوضيحها للجمهور الأوروبي.
• إعادة تشكيل صورة الفلسطيني كفاعل عقلاني ملتزم بالحق والعدالة والشرعية الدولية، وليس مجرد ضحية أو مقاتل.
• استخدام الإعلام كأداة لصناعة وعي عالمي دقيق عن فلسطين في دبلن، أمستردام، كوبنهاغن، باريس وبروكسل، وعملت في قلب المؤسسات الأوروبية لمواجهة البيروقراطية والازدواجية في تطبيق القانون الدولي، مجسدة أعلى درجات الصرامة والذكاء السياسي، لتثبت أن الدبلوماسية ليست مجرد علاقات بروتوكولية، بل أداة لتشكيل الرأي العام وصناعة التأثير.
الصوت الشخصي والحضور الإنساني
لم تكن ليلى مجرد دبلوماسية، بل إنسانة كاملة الحضور، يتميز كل جانب فيها بالعمق والرصانة:
• الهدوء والرصانة: كل لقاء معها كان درسا في الوعي والوفاء للقضية.
• الذكاء الحاد: فهم عميق للتوازن بين السياسة والثقافة.
• الكرامة: لم تطلب تعاطفا، بل اعترافا بالحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير وفق القانون الدولي.
• العلاقات الشخصية: تواصلت مع المفكرين والأدباء والسياسيين والإعلاميين، إضافة إلى العائلة والأصدقاء والزملاء عبر عقود.
الإرث الفكري والثقافي والسياسي
تركت ليلى شهيد إرثًا متعدد الطبقات:
• السياسي: دمج فلسطين ضمن خطاب الشرعية والقانون الدولي.
• الفكري والفلسفي: قراءة القضية الفلسطينية من منظور نقدي بعيدًا عن التبسيط السياسي.
• الإعلامي: استخدام المنابر الإعلامية لتشكيل وعي عالمي دقيق، مع الحفاظ على الدقة العقلانية، والجرأة في المناظرات مع سفراء إسرائيل. برز حضورها خلال حرب غزة (27/12/2008 - 18/1/2009)، حيث كانت تظهر شبه يوميا في القنوات الفرنسية، مدافعة عن الرواية الفلسطينية ومستنكِرة القصف الإسرائيلي باعتباره استهدافا غير متناسب للمدنيين.
ما ميّز خطابها آنذاك هو استخدام لغة فرنسية سياسية وثقافية قريبة من الجمهور المحلي، وتحويل النقاش من “أمن إسرائيل” إلى القانون الدولي وحقوق المدنيين، مع الاستناد إلى الإحصاءات وتقارير الأمم المتحدة بدل الخطاب الشعاري.
الدبلوماسية الثقافية
في الدراسات الإعلامية والسياسية الأوروبية، يُطلق توصيف “الدبلوماسي المثقف” على من لا يكتفي بنقل المواقف الرسمية أو التفاوض السياسي، بل ينتج معنى ثقافي للقضية التي يمثلها ويؤثر في الرأي العام عبر الفكر والفن والنقاش الثقافي.
برعت ليلى في استخدام الثقافة كأداة دبلوماسية، في باريس ثم بروكسل، من خلال دعم مشاريع ثقافية كبرى مثل المواسم الفلسطينية الفنية، حيث أصبحت السينما والموسيقى والشعر وسائل للوصول إلى جمهور لم يكن يتابع السياسة، بما يُعرف في العلاقات الدولية بـ” القوة الناعمة”، التي قد يسبق تأثيرها الثقافي التأثير السياسي.
ساهمت ليلى في تحويل الدبلوماسية الفلسطينية في أوروبا من خطاب سياسي دفاعي إلى حضور ثقافي طويل المدى، جعل القضية جزءا من النقاش الفكري الأوروبي، دون أن تفقد أصالتها الحضارية، مستشهدة بالأدب والفلسفة الفرنسية، ومتحدثة بلغة قريبة من نخبة تؤثر تقليديا في الرأي العام الفرنسي، فلم يُنظر إليها كـ” ضيفة أجنبية”، بل كجزء من المجال الثقافي نفسه.
تحويل الخطاب من الأيديولوجيا إلى القانون الدولي
في المناظرات، خصوصًا على قنوات مثل التلفزيون الفرنسي الدولي (TV5 Monde)، تجنبت ليلى اللغة التعبوية، وركزت على اتفاقيات جنيف وحقوق الإنسان ومسؤولية حماية المدنيين، وهو أسلوب مألوف للمشاهد الأوروبي ويمنح مصداقية أعلى للجمهور غير المنحاز.
الحضور الهادئ مقابل التوتر السياسي
في البرنامج الشهير Internationales على القناة الخامسة، أظهرت ليلى قدرة لافتة على مخاطبة الغرب، وتجلى ذلك في آخر أيام عملية “الرصاص المصبوب” على قطاع غزة (18/1/2009)، في الحوار مع دانيال شيك، السفير الإسرائيلي في فرنسا. تمكنت ببراعة من تركيز النقاش على عدد الضحايا المدنيين، شرعية العمليات العسكرية الإسرائيلية، ومسألة الحصار والاحتلال. تصاعد التوتر بعد تبادل الاتهامات المباشرة، وعند هذه النقطة غادر السفير الإسرائيلي الاستوديو على الهواء، في واحدة من أندر الحالات لانسحاب دبلوماسي رفيع المستوى من برنامج مباشر.
رأى المعلقون الفرنسيون أن الانسحاب أعطى انطباعًا بأن الرواية الإسرائيلية لم تعد مهيمنة بالكامل، فتوسّعت مساحة الصوت الفلسطيني، واستضافت القنوات الفرنسية أكاديميين فلسطينيين وناشطين حقوقيين وصحفيين عرب، وانتقل النقاش إلى البعد الإنساني، مع التركيز على الحياة اليومية في غزة وأثر الحصار والحرب على المدنيين.
لقد شكّل حضور ليلى نقطة انعطاف مهمة في الإعلام الفرنسي والغربي، إذ استطاعت موازنة النقاش بهدوء وحجة، ما جعل الكثير من المشاهدين يتعاطفون مع طريقة طرحها حتى إن لم يتبنوا موقفها السياسي بالكامل. وأصبحت بين أواخر التسعينيات وحتى قرابة 2010 واحدة من أكثر الشخصيات الفلسطينية حضورا وتأثيرا في الإعلام الأوروبي، مساهِمة في نقل صورة القضية الفلسطينية من إطار أمني صرف إلى نقاش أخلاقي وثقافي أوسع داخل فرنسا.
فلسطين في العقل قبل الأرض
توقف قلب ليلى شهيد، الذي أثقلته حرب الإبادة الجماعية المتواصلة للعام الثالث على التوالي، وانكشاف وحشية النظام العالمي وتكيفه مع سياسة الإماتة / النيكروسياسة، دون أن تنل من يقينها بحتمية انتصار قوة الحق على حق القوة.
أكثر ما يؤلم في رحيلها المبكر فقدان صوت فلسطيني عالمي، مثل فلسطين في العقل قبل الأرض، في الوعي قبل الجغرافيا، وفي العدالة قبل السياسة المباشرة.
لكن رحيلها لا يدفعنا فقط إلى استذكار سيرة استثنائية، بل إلى مساءلة اللحظة الفلسطينية ذاتها: أي نمط من التمثيل نريد لفلسطين في عالم يتآكل فيه القانون الدولي، وتتآلف فيه القوة مع الخطاب، وتُعاد فيه صياغة الشرعية وفق ميزان المصالح لا ميزان العدالة؟
لم تكن ليلى نموذجا لدبلوماسية دفاعية تسعى إلى تلطيف صورة أو استدرار تعاطف، بل مثّلت نمطا أندر: دبلوماسية تستند إلى المعرفة، وتؤمن بأن الشرعية لا تُستجدى، بل تُبنى، وأن الخطاب ليس صدى للحدث، بل أداة لإعادة تشكيله في الوعي العالمي.
في زمن تصاعدت فيه السياسات التي تبيح الإماتة وتعيد تعريف المدني بوصفه “ضررا جانبيا”، أصرت ليلى على إعادة النقاش إلى قواعده الأصلية: اتفاقيات جنيف، مسؤولية حماية المدنيين، وحق الشعوب في تقرير المصير. لم تكن هذه إحالات تقنية، بل كانت استعادة لمعنى القانون نفسه، وتذكيرا بأن النظام الدولي، رغم ازدواجيته، ما يزال يحمل إمكانًا أخلاقيًا يمكن استدعاؤه ومساءلته.
هنا تحديدا تكمن أهميتها التاريخية: لقد مثّلت مرحلة كان فيها الصوت الفلسطيني قادرا على مخاطبة الغرب من داخله، بلغته، ومفاهيمه، ومنابره، دون أن يتنازل عن روايته أو يُخفّف من حدّتها الأخلاقية.
لم تدخل المجال الثقافي الأوروبي كضيفة عابرة، بل كطرف فاعل في تشكيل النقاش حول العدالة، الاستعمار، والمسؤولية التاريخية. وبهذا المعنى، لم تكن “سفيرة قضية”، بل صانعة معنى لها.
وداعا ليلى
إن إرثها لا يُختزل في المناصب التي تقلدتها، ولا في المناظرات التي خاضتها، بل في النموذج الذي جسدته: نموذج الدبلوماسي المثقف، الذي يدرك أن السياسة دون معرفة تتحول إلى انفعال، وأن الثقافة دون موقع تمثيلي تتحول إلى عزلة، وأن فلسطين، لكي تبقى حيّة في العالم، تحتاج إلى من يحملها بوصفها فكرة عدل قبل أن تكون جغرافيا نزاع.
برحيلها، ينتهي فصل من فصول الدبلوماسية الفلسطينية التي خاطبت العالم من موقع الندية الأخلاقية. لكن النموذج الذي تركته يظل معيارا يمكن القياس عليه، ونقطة ارتكاز لإعادة التفكير في معنى الحضور الفلسطيني في المجال الدولي.
وداعا ليلى… لم تمثّلي شعبا فحسب، بل صنتِ كرامة روايته. تغمدك الله بواسع رحمته وأسكنك فسيح جناته مع الأنبياء والصديقين.
