الملخص التنفيذي
يمثل هذا الجزء لحظة انتقال داخل مسار السلسلة: من تحليل الواقع الفلسطيني وفهم آليات السيطرة التي كشفتها الإبادة المتواصلة، إلى سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بإمكان الفعل ذاته. فبعد أن بينت الأجزاء السابقة كيف يعمل النظام المهيمن على تفكيك السياسة والمعنى والمجتمع، وظهرت بدايات تشكّل حقل فكري نقدي داخل النقاشات الفلسطينية، لم يعد السؤال ما الذي حدث فقط، بل: متى يصبح الفعل الجماعي ممكنًا، وكيف يمكن أن يستمر دون أن يتحول إلى بنية مغلقة تعيد إنتاج ما يسعى إلى مقاومته
ينطلق الجزء التاسع من هذه اللحظة، لا بوصفه دعوة تنظيمية أو برنامجًا سياسيا، بل محاولة لفهم الشروط التي تسمح بانتقال المعرفة من مستوى الفهم إلى مستوى القدرة الاجتماعية القابلة للممارسة داخل شبكة فلسطينية ممتدة بين الداخل والشتات
وفي هذا الإطار يطرح الجزء التاسع سؤاله العملي حول إمكان الفعل الجماعي واستمراريته، عبر ثلاث طبقات أساسية
1 تحديد العوائق البنيوية والسياسية والاجتماعية للفعل الجماعي، مثل الضغوط الاحتلالية، الانقسام، التكيّف المعرفي، وانغلاق المبادرات.
2التأسيس: شروط جاهزية المجتمع للفعل الجماعي من خلال بناء شبكات حوارية، فضاءات نقدية، مسؤولية مشتركة، وشبكة يقظة جماعية تضمن استمرار التجديد والتعلم.
3التحذير: إدراك المخاطر المحتملة للحامل الجماعي المفتوح، مثل الانغلاق الإداري، الروتين، والإرهاق الجماعي، مع اقتراح آليات للوقاية والحفاظ على التوتر البنيوي المنتج.
يركز الجزء التاسع على هندسة التوتر كأداة دائمة، بحيث يظل النقد حيا والتنظيم مرنا، وقادرا على مواجهة التحديات، والحفاظ على تكامل دور الداخل والشتات في إنتاج المعرفة وتحويلها إلى فعل جماعي.
كما يناقش اللامركزية كآلية مقاومة، وكيف يمكن للفعل الجماعي أن يبدأ من مبادرات صغيرة مستمرة، وليس فقط عبر مراكز تقليدية أو أحداث ضخمة. ويحاول أن يقدم تصورا عمليا للفعل الجماعي الفلسطيني: تحويل الفهم والنقد إلى ممارسة مستمرة، تضمن استمرارية التجربة، التجديد، والقدرة على العبور للمستقبل.
المقال الكامل
أولا: لماذا الجزء التاسع؟ - ربط التحليل بالفعل
يمثل الجزء التاسع محاولة لوصل التحليل والفهم الذي تم في الأجزاء السابقة للسلسلة بالممارسة العملية في الواقع الفلسطيني، داخل شبكة جماعية لمقاومة الإدارة والسيطرة.
الأجزاء الخمسة الأولى وضعت ما كشفته الإبادة الجماعية المتواصلة في قطاع غزة ومخيمات وقرى الضفة الغربية للعام الثالث على التوالي في سياقها البنيوي، وبينت آليات عمل نظام الحداثة الغربي المادي العنصري المهيمن، حيث تتحوّل السياسة والقانون واللغة والوصاية إلى أدوات لإدارة سياسة الإماتة (النيكروسياسة) وليس لمنعها. والجزء السادس أظهر تحول العمل الفكري الفردي عبر النقد والاشتباك الفكري بين الكتاب إلى بدايات تشكل الحقل الفكري، بينما طرح الجزء السابع السؤال المحوري المشترك: “ماذا عرفنا؟ وماذا نفعل بما عرفناه؟”. وكشف الجزء الثامن بوادر جاهزية المجتمع الفلسطيني لتجسيد المعنى بعد دخول العمل الفكري الفردي إلى ساحة التداول العام.
يحاول الجزء التاسع الإجابة على السؤال الذي تبلور عبر الاشتباك الفكري مع خالد عطية ونائل التونسي: متى يكون الفعل الجماعي ممكنا؟ وكيف يمكن الحفاظ على استمراريته ومنع تجويفه وحماية استقلالية الفكر والمجتمع؟
في السياق الفلسطيني، هذا التوازن أقل قدرة على إعادة إنتاج شروطه الداخلية: المعرفة تتباعد عن القرار، المجتمع عن مؤسساته، والنقد عن قدرته على التحول إلى فعل تاريخي. لقد أصبح بناء حامل اجتماعي فلسطيني قادر على التجدد المستمر، دون أن يتحول إلى سقف جديد للمعنى، حاجة وجودية، وأداة لعبور المستقبل، لا إطارا جديدا لإغلاقه.
الفعل هنا ليس مجرد انتقال إلى التنظيم، بل هو انتقال المعنى من التحليل والفهم إلى قدرة جماعية قابلة للاختبار داخل الواقع. أي انتقال من الفهم بوصفه وعيا إلى الفهم بوصفه قدرة اجتماعية.
في التجربة الفلسطينية الحديثة، لم تعد النقاشات تدور فقط حول موازين القوة السياسية أو العسكرية، بل حول معنى الفعل ذاته وحدود التمثيل ودور المجتمع في إنتاج المبادرة خارج الأطر التقليدية التي أخفقت.
لقد أظهرت الانتفاضات، الحراكات الشبابية، والمبادرات الثقافية والتعليمية أن الأزمة لم تعد أزمة قيادة فقط، بل أزمة شكل الفعل القادر على حمل المعنى التحرري، بما يعكس مفهوم الحقل الجماعي الذي يحمي المعنى ويختبره عمليا. ولم يعد السؤال مقتصرا على كيفية بناء حامل سياسي جديد داخل شروط عالم قائم، بل بطبيعة العالم نفسه، وقدرته على استمرار إنتاج الشروط التي جعلت الحوامل التاريخية ممكنة. فالحداثة لم تكن مجرد منظومة أفكار أو تفوق تقني، بل قدرة على إبقاء توتر حي بين الفكر والسياسة والمجتمع، بحيث لا يبتلع أحدهما الآخر، ولا يتحول المعنى إلى إدارة نهائية مغلقة.
السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن للفعل الجماعي الفلسطيني أن يمارس السياسة والفكر معا، دون أن يتحول النجاح إلى إغلاق للتوتر النقدي الذي أنشأ الحامل أصلا؟
ثانيا: العوائق الحالية أمام الفعل الجماعي
الفعل الجماعي الفلسطيني يواجه سلسلة من العوائق البنيوية والسياسية والاجتماعية التي يجب إدراكها قبل أي خطوة عملية. هذه العوائق تحدد مدى قدرة الحامل على الاستمرار في التجريب والنقد أثناء النشاط الجماعي، وتشمل:
1.2 استمرار امتصاص الانكشاف من قبل النظام:
• السلطة، الاحتلال، والوصاية الدولية تحاول نزع السياسة وفرض السيطرة على المعنى، وتحويل المعرفة نفسها إلى أدوات ضد المجتمع.
• مثال: محاولات السيطرة على وسائل الإعلام أو المشاريع الشبابية التي تحاول تطوير محتوى مستقل، تُقابل بضغط إداري أو رقابي.
• آلية مقاومة: إدماج جلسات مراجعة نقدية داخل كل نشاط بحيث يظل النقد البنيوي حيا ويمنع الحامل من الانزلاق نحو برامج روتينية أو إدارة مغلقة.
2.2 تحديات الفعل الجماعي:
• الفعل الجماعي يواجه تداعيات الإبادة المستمرة، التواطؤ الدولي، الضغط الأمني، الانقسام السياسي، التحكم بالمساعدات، والحصار.
• آلية مواجهة: مشاريع تعليمية أو ثقافية تتحدى قيود الاحتلال والحصار باستخدام أساليب مبتكرة مثل التعليم عن بعد أو ورش عمل متنقلة. توسيع النشاط ليشمل الشتات الفلسطيني، للمحافظة على شبكة تجريبية واسعة ومفتوحة.
3.2 خطر التكيّف المعرفي الفردي والجماعي:
• المعرفة بدون ممارسة تصبح مجرد مادة استهلاكية.
• مثال: مجموعات تحليل إعلامي تنتج محتوى ثقافي، لكنها تفقد تأثيرها إذا توقفت عند النقاش النظري فقط.
• آلية حل: إدراج جلسات تقييم نقدية دورية لكل مشروع لضمان تحويل المعرفة إلى فعل جماعي والحفاظ على التوتر النقدي.
4.2 الحاجة لتحديد الأدوار الواقعية لكل مكون من المجتمع:
• المثقفون، الشباب، المؤسسات والفصائل، يجب أن يعرف كل منهم دوره في الفعل الجماعي.
• مثال: المبادرات التي تربط المثقفين بالجامعات والمجتمع المدني والشباب في الداخل والشتات، تتيح توزيع الأدوار بوضوح، ما يحافظ على التوازن بين الفكر والفعل.
ثالثا: التأسيس - شروط الجاهزية للفعل الجماعي
إذا كانت العوائق تحدد حدود الممكن، فإن التأسيس يحدد شروط تجاوزه
1.3 شبكة الحقل الفكري الجماعي
الحوار المستمر، المراجعة المتبادلة، وتجريب المعاني الجديدة يجب أن تكون عمليات تطبيقية وليست مجرد نقاش نظري.
أمثلة:
• حلقات نقاش شبابية تربط المثقفين بالشباب والمجتمع المدني داخل الوطن وخارجه لمناقشة القضايا السياسية والاجتماعية مع جلسات تقييم أسبوعية لكل نشاط.
• مبادرات تعليمية وثقافية في الشتات الفلسطيني (الأردن، لبنان، أوروبا، أمريكا الشمالية والجنوبية الخ) تتبادل التجارب مع الداخل، للحفاظ على التوتر النقدي ومنع الانغلاق الفكري.
2.3 فضاءات نقدية مفتوحة
الفضاءات المفتوحة لا تعني النقاش النظري فقط، بل تشمل تطبيق الأفكار عمليا وتجريبها.
أمثلة:
• مجموعات شبابية تعمل على تحليل الإعلام الفلسطيني وإنتاج محتوى ثقافي، مع إعادة تقييم مستمرة لما تم إنتاجه.
• مشاريع تعليمية تربط المدارس والجامعات بالمجتمع المدني وبالشتات لاختبار الأفكار في بيئات مختلفة.
3.3 مسؤولية مشتركة
المسؤولية تشمل تحويل الأفكار إلى نشاط جماعي قابلة للقياس والتقييم، وليس الفهم الفردي فقط.
أمثلة:
• المبادرات التعليمية تتضمن مشاركة جميع الأفراد في تقييم المشروع وتعديل الأفكار والمشاركة في الورش العملية.
• مجموعات الشتات تُشارك في جلسات مراجعة نقدية دورية لضمان دمج التجارب الجديدة مع الداخل.
4.3 بناء شبكة يقظة جماعية
متابعة التجاوزات وتحليل الفعل الجماعي وتحويل المعرفة إلى قوة مقاومة، بحيث تظل التجربة مفتوحة.
أمثلة:
• فرق شبابية ترصد السياسات المحلية وممارسات الاحتلال، وتشارك نتائجها للنقاش العام.
• الشتات يساهم بمتابعة الأحداث الدولية، ما يخلق شبكة متعددة المواقع للحفاظ على التوتر النقدي والقدرة على التجدد.
5.3 تدريب على الممارسة السياسية ضمن القيود الواقعية
المشاريع الجماعية تُطبق المعرفة في الواقع الفعلي، ضمن حدود الاحتلال، الانقسام، والحصار، مع اختبار قدرة الحامل على التجدد.
مثال: مشاريع شبابية صغيرة عابرة للفصائل، مبادرات ثقافية وتعليمية وإعلامية مشتركة تربط الداخل بالشتات، وتجري تقييما نقديا دوريا لكل خطوة.
6.3 خطوات عملية متدرجة
التحول من النقاش الفكري إلى النشاط والمشروع التجريبي، مع دمج آلية مراجعة نقدية مستمرة في كل مرحلة.
أمثلة:
• ورشة نقد إعلامي، إنتاج مادة إعلامية، مبادرة توعية مجتمعية، مع جلسات تقييم أسبوعية أو شهرية.
• مشاريع ثقافية تربط الداخل بالشتات، وتراجع النتائج وتعدل المشاريع بشكل مستمر.
رابعا: التحذير - المخاطر المحتملة
المخاطر هنا ليست طارئة، بل ناتجة عن نجاح الحامل نفسه. حتى بعد تأسيس شبكة جماعية نقدية ومفتوحة، يظل الفعل الجماعي الفلسطيني معرضا لمخاطر قد تؤدي إلى فقدان التوتر النقدي، الانغلاق، أو التحول إلى برامج روتينية. إدراك هذه المخاطر مبكرا يمكن من صياغة استراتيجيات وقائية داخل كل مشروع جماعي.
1.4 المعرفة بلا ممارسة
المعرفة دون تطبيق تتحول إلى محتوى يُقرأ فقط، بلا تأثير فعلي.
مثال: مجموعات تحليل قد تنتج مواد تعليمية وثقافية، لكنها تصبح برامج نظرية إذا لم يتفاعل الداخل مع الشتات، وإن لم يتم اختبارها عمليا.
2.4 الانعزال الفكري أو السياسي
الانغلاق على دوائر محدودة يقلل من تأثير الحقل الجماعي ويعيق تجدد الحامل.
مثال: مجموعة شبابية تعمل فقط في منطقة جغرافية محددة دون ربطها بباقي المناطق داخل الوطن والشتات، فتفقد التنوع النقدي والتجريبي.
3.4 الإرهاق الجماعي والتكيّف
العجز أمام القيود الأمنية والسياسية والاقتصادية قد يحوّل المقاومة إلى سلبية مكتسبة، ويضعف الدافعية للفعل الجماعي.
مثال: مبادرة تعليمية أو ثقافية تواجه قيود الاحتلال والانقسام، وتراجع المشاركة بعد صعوبات متكررة.
4.4 الانحراف نحو برامج إدارية روتينية
التركيز على التنظيم الروتيني يحوّل الحامل من فضاء للتجريب إلى إدارة للحركة فقط.
مثال: ورش تعليمية تتوقف عند جدول نشاط دون قياس الأثر واختبار نقدي مستمر.
خامسا: الربط بين التحليل، التأسيس، والتحذير
لكي يصبح الفعل الجماعي الفلسطيني فعالا ومستداما، يجب النظر إليه كشبكة مترابطة بين ثلاث طبقات أساسية: التحليل، التأسيس، والتحذير. كل طبقة تغذي الأخرى، وتشكل قاعدة للحامل الجماعي المفتوح والقادر على التجدد.
1.5 التحليل: كشف العقبات
المشاكل البنيوية والسياسية والاجتماعية التي تواجه الفعل الجماعي مثل امتصاص الانكشاف من قبل النظام، القيود الأمنية والسياسية، التكيّف المعرفي. وعدم وضوح توزيع الأدوار.
2.5 التأسيس: بناء شروط جاهزية الفعل الجماعي
وضع البنية العملية للحقل الجماعي، حلقات نقاش مفتوحة، فضاءات نقدية قابلة للتطبيق، مسؤولية مشتركة، شبكة يقظة جماعية، وتدريب على الممارسة العملية.
مثال: حلقات نقاش تربط الشباب والمثقفين والمؤسسات التعليمية والثقافية في الداخل والشتات، مع جلسات تقييم نقدية دورية.
3.5 التحذير: إدراك المخاطر المحتملة
• يحدد التهديدات التي قد تفقد الحامل قدرته على التجدد، تحويل المعرفة إلى سلعة استهلاكية، الانعزال الفكري أو السياسي، الإرهاق الجماعي، والتحول إلى برامج إدارية روتينية.
مثال: المبادرات الثقافية او التعليمية إذا اقتصرت جغرافيا، أو توقفت عند النشاط الروتيني، ولم تتفاعل مع التجمعات الفلسطينية في الداخل والشتات تصبح نشاطا شكليا بلا أثر.
تكامل الطبقات الثلاث (التحليل، التاسيس، والتحذير) يضمن حاملا جماعيا قادرا على الاستمرار في التجريب، الحفاظ على التوتر النقدي، وتحويل المعرفة إلى فعل جماعي ملموس
سادسا: خطوات ملموسة للمجتمع الجاهز للفعل الجماعي
لكي يصبح المجتمع الفلسطيني جاهزا للفعل الجماعي المقاوم، يجب تحويل التحليل والفهم والنقد إلى نشاط عملي متكامل. يشمل الداخل والشتات، لضمان شبكة جماعية مفتوحة وحية. هذه الخطوات لا تمثل برنامجا نهائيا، بل تمارين أولية داخل عملية تشكّل الحامل.
1.6 إنشاء حلقات نقاش مفتوحة ومتعددة المستويات
ربط المثقفين، الشباب، المجتمع المدني، والفصائل ضمن شبكة حوارية مستمرة، بحيث يشارك كل عنصر في مراجعة نقدية وتجريب عملي.
مثال: حلقات نقاش بين الداخل والشتات، لمراجعة المبادرات التعليمية والثقافية والاجتماعية أسبوعيا.
2.6 تحويل الأفكار إلى مشاريع جماعية صغيرة قابلة للتجريب
المشاريع الصغيرة تختبر الفعل والتطبيق العملي، وتجنب تحويل المعرفة إلى مجرد نقاش نظري.
مثال: مبادرات تعليمية تربط المدارس بالجامعات في الداخل وتربطهم بالشتات، أو مشاريع إعلامية تُقيم أداء المحتوى وتأثيره مع مراجعة نقدية دورية.
3.6 تطوير أدوات متابعة وتحليل مستمرة
متابعة السياسات والممارسات وتحويل المعرفة إلى قوة مقاومة، مع تقييم دوري لكل خطوة.
مثال: فرق شبابية ترصد سياسات وممارسات الاحتلال، بينما يقدم الشتات تحليلات مقارنة للتجارب.
4.6 تشجيع ثقافة النقد والاختلاف داخل الحقل
الحفاظ على الاختلاف الفكري والنقدي يضمن إنتاج معنى جماعي حقيقي.
مثال: مبادرات شبابية تربط النقاش الحر بالمشاريع العملية داخل الوطن وخارجه.
5.6 التزام جماعي بمساءلة الأداء المعرفي والسياسي
كل مشروع يدمج جلسات تقييم نقدية دورية لتعديل النشاطات وضمان استمرار التوتر البنيوي.
مثال: تقييم دوري للمبادرات المجتمعية التعليمية والثقافية والاجتماعية والإعلامية ومراجعة للنتائج لضمان فعالية الفعل الجماعي.
سابعا: تحويل التركيز من جاهزية المجتمع إلى الفعل الجماعي المقاوم
بعد تأسيس الحقل الجماعي وظهور بوادر بجاهزية المجتمع الفلسطيني للفعل، يصبح التحدي الانتقال من الإعداد والتحضير إلى الممارسة العملية. الفعل الجماعي المقاوم ليس مجرد تنفيذ مشاريع، بل شبكة حية تربط التحليل، التأسيس، والتحذير داخل الواقع. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال كيف نستعد، بل كيف نبدأ دون فقدان ما تعلمناه، وكيف نراكم على الإيجابيات.
1.7 الربط بين التحليل العميق والحقول العملية
يبدأ الفعل المقاوم بفهم الواقع المحلي والعربي والإقليمي والدولي، تحليل العوائق، واستكشاف الفرص في الداخل والشتات، ثم الانتقال إلى النشاط العملي.
مثال: مشاريع شبابية داخل الوطن وفي الشتات تدمج نتائج تحليل السياسات المحلية والرقابة الإعلامية والمبادرات التعليمية والاجتماعية والثقافية، وترصد التحولات الدولية، وتربط هذه المعلومات بالبرامج العملية داخل فلسطين وخارجها، ما يخلق شبكة مقاومة متعددة المواقع.
2.7 تكامل المعرفة والفعل
لا قيمة للفعل دون إطار فكري، ولا للقوة الفكرية دون تطبيق عملي جماعي مستمر. يجب أن يكون النشاط التجريبي مشروطا بالتحليل النقدي المستمر لتجنب الروتين والإدارة الجامدة
مثال: مبادرات إعلامية وثقافية تُجري مراجعات نقدية دورية وتجارب صغيرة قبل اعتماد أي مشروع كامل. التعليم عن بعد بين الداخل والشتات يُطبق فيه النقد المستمر، مع تعديل الأنشطة وفق تقييم جماعي.
3.7 إنشاء شبكة جماعية مقاومة
الشبكة الجماعية المقاومة فضاء حي لإنتاج معنى سياسي مستقل، يضمن صيانة الفعل ضمن شروط الواقع المعقد.
مثال: مجموعات شبابية وثقافية تربط المدن والمخيمات الفلسطينية ببعضها وبالشتات، مع ورش عمل ومشاريع تعليمية وإعلامية تحدّث باستمرار، لضمان استمرار التوتر النقدي ومرونة الحامل في مواجهة التحديات.
4.7 المفارقة التاريخية: النجاح يخلق الحاجة لإدارة الحامل
كل حامل ناجح يحتاج إلى تنظيم، قواعد، توزيع أدوار، وإدارة موارد، لكن هذه الإدارة نفسها قد تهدد التوتر النقدي الذي أنشأ الحامل.
مثال: مشاريع شبابية في الداخل والشتات، عند توسعها، تبدأ في إنشاء لجان تنظيمية، ومعايير، وجداول عمل، إذا لم تُدمج مراجعة نقدية مستمرة، قد يتحول الحامل إلى إدارة مغلقة.
ثامنا: المفارقة التاريخية للحامل الاجتماعي والسياسي الفلسطيني
تاريخيا، لم تولد الحوامل السياسية والاجتماعية الكبرى من تنظيمات مكتملة، بل من فضاءات فكرية وثقافية سبقت التشكّل السياسي، مثال ذلك شبكات المعارضة في أوروبا الشرقية أواخر القرن العشرين، وحركات التحرر في أمريكا اللاتينية التي انبثقت من دوائر جامعية وثقافية قبل دخول المجال الحزبي، هذا يوضح أن التوتر الفكري ليس ضعفا، بل لحظة تشكّل تاريخي للفعل.
1.8 المرحلة الأولى: التأسيس - توليد التوتر
• شرط الولادة: الحامل يولد من تقاطع أزمة معنى (الخطاب القائم لم يعد يفسر الواقع)، تراكم نقدي (وعي يتجاوز الأطر السائدة) وانسداد سياسي (تعطل آليات التمثيل).
• خصائص مرحلة التأسيس: كثافة فكرية، سيولة تنظيمية، تعدد المبادرات، وغياب المركز الثابت. في هذه اللحظة، التوتر هنا مصدر طاقة. والنقد شرط للولادة.
• السياق الفلسطيني: ظهرت في انتفاضة الحجارة، المبادرات الاجتماعية والثقافية والتعليمية والصحية والاقتصادية في الضفة وغزة. ودعم الشتات الذي يوسع الأفق النقدي والتجريبي. الحامل يولد كنظام مفتوح بالضرورة.
2.8 المرحلة الثانية: التوسع - النجاح التعبوي
• انتقال الطاقة إلى التعبئة: نجاح الحامل يعكس حاجة اجتماعية حقيقية، ولغة جديدة للفعل، ويخلق شعورا بالتمثيل.
• التحول الصامت: الحاجة للتنسيق، توزيع الأدوار، إدارة الموارد، وهنا تبدأ بذرة المفارقة، فالنجاح يولد ميلا للاستقرار.
• خصائص المرحلة: اتساع القاعدة الاجتماعية، بروز نواة تنظيمية، بداية تشكل مركز قرار، مع استمرار التوتر، لكنه أكثر ضبطا.
3.8 المرحلة الثالثة: التثبيت - التنظيم
• ضرورة التنظيم: إدارة الموارد، حماية الاستمرارية، ضمان وحدة الاتجاه، مواجهة الضغوط الخارجية. التحول من إنتاج التوتر إلى إدارة التوتر يؤدي لتجميد النقد الداخلي واستبدال المجتمع بالتنظيم.
• السياق الفلسطيني: الضغط الاستعماري، الانقسام الداخلي، الرقابة، التمويل المشروط، جميعها تفرض التنظيم.
• التحول البنيوي: النقد يُعاد تعريفه كتهديد محتمل للوحدة، والحامل المفتوح يصبح تدريجيا بنية ذات حدود.
4.8 المرحلة الرابعة: الانغلاق - إدارة التوتر بدل إنتاجه:
هنا لا يحدث سقوط درامي، بل استقرار تدريجي.
• المؤشرات البنيوية: تجميد النقد الداخلي، مركزية القرار، أولوية البقاء على المعنى، تراجع المبادرة من القاعدة
• المفارقة الكبرى: الفشل لا يحدث عند الولادة، بل عند تحويل النظام المفتوح إلى إدارة مغلقة، فينسحب الفكر إلى الهامش ويصبح المجتمع أقل مشاركة.
• الدروس التاريخية: حركات تحرر إفريقية بعد الاستقلال تحولت من أدوات تغيير إلى أجهزة إدارة، ليس نتيجة خيانة الفكرة الأصلية، بل بسبب التحول السريع من الصراع إلى تثبيت الاستقرار قبل ترسيخ النقد الداخلي.
5.8 الزمن التاريخي للحامل
• أسئلة مركزية: هل سرعة التحول في الحالة الفلسطينية أكبر؟ هل الضغط الاستعماري يسرّع الانغلاق؟ هل الشتات يخلق زمنا موازيا يبطئ التصلب؟
6.8 النظام المفتوح داخل شروط السيطرة
• الفرق بين النظام المفتوح والمغلق: النظام المغلق يحمي نفسه ويعتبر النقد تهديدا. بينما النظام المفتوح يسمح بالأفكار الجديدة ويعيد تعريف نفسه عبر المجتمع، مع إدماج النقد باعتباره شرط للبقاء
• الدروس التاريخية: مؤسسات عالمية حافظت على التجديد بسبب إدماج النقد، بينما المؤسسات الأيديولوجية المغلقة انهارت.
7.8 آليات كسر الدورة
• مؤسسات نقد مستقلة، فصل نسبي بين إدارة الموارد وإنتاج المعنى، تداول القيادة، وشبكية بدل مركزية صلبة.
تاسعا هندسة التوتر: من الفهم التاريخي إلى البناء العملي
بعد استعراض المفارقة التاريخية للحامل الفلسطيني، هنا يتحول السؤال من فهم التاريخ إلى محاولة التدخل في مساره. يصبح السؤال المركزي ليس كيف نفسر الانغلاق، بل كيف يمكن تصميم بنية جماعية تمنع تحوله إلى مصير حتمي.
بعد كشف دورة الولادة - التوسع - التثبيت - الانغلاق، يتوجب الانتقال من مستوى القراءة التاريخية إلى مستوى الهندسة العملية للتوتر.
هندسة التوتر لا تعني خلق صراع دائم داخل الحامل، بل بناء شروط تسمح للنقد بالبقاء منتجا دون أن يتحول إلى تفكيك، وللتنظيم بأن يستقر دون أن يتحول إلى جمود، ومنع الاستقرار من التحول إلى نهاية التاريخ داخل الحامل.
1.9 التوتر كوظيفة بنيوية لا كمرحلة انتقالية
التجربة التاريخية تشير إلى أن الحوامل السياسية تفشل عندما تتعامل مع التوتر باعتباره حالة مؤقتة يجب تجاوزها.
في المقابل، الحامل المفتوح يتعامل مع التوتر بوصفه وظيفة دائمة.
في الحالة الفلسطينية يظهر ذلك بوضوح:
• الداخل يعيش ضغط الواقع اليومي تحت السيطرة الاستعمارية.
• الشتات يعيش ضغط المعنى والتمثيل والذاكرة.
• غياب الجسر بين الضغطين يحول كل مساحة إلى عالم منفصل.
هندسة التوتر هنا تعني تحويل هذا الاختلاف إلى مصدر إنتاج معرفي وتنظيمي، لا إلى انقسام.
2.9 توزيع الأدوار بين الداخل والشتات
استمرار الحامل المفتوح يتطلب وضوحا وظيفيا لا مركزية شكلية فقط.
الداخل الفلسطيني: اختبار الأفكار داخل الواقع، إنتاج الخبرة العملية، وكشف حدود الممكن السياسي والاجتماعي.
الشتات الفلسطيني: توسيع الأفق النظري، حماية المساحات النقدية الأقل خضوعا للضغط المباشر، نقل التجربة إلى فضاءات عالمية، ومقارنتها تاريخيا.
العلاقة ليست تمثيلا متبادلا، بل دورة معرفة: التجربة تولد في الداخل، تُفكك نقديا في الشتات، ثم تعود معدّلة إلى الداخل.
3.9 تسلسل بناء الحامل المفتوح
لكيلا يتكرر مسار الانغلاق التاريخي، لا يبدأ البناء بالتنظيم، بل بالتدرج: شبكات قراءة وتحليل مشتركة، مبادرات تجريب صغيرة منخفضة المخاطر، ربط المبادرات أفقيا بدل دمجها قسريا، ظهور تنسيق مرن بعد نشوء الثقة، لا قبلها. وبناء أدوات مشتركة دون إنشاء مركز صلب مبكر. بهذا التسلسل يصبح التنظيم نتيجة للنشاط، لا شرطا مسبقا له.
4.9 آليات الحفاظ على النقد البنيوي
المشكلة ليست في وجود النقد، بل في فقدان مكانه داخل البنية. لذلك يحتاج الحامل إلى آليات دائمة، مثل: مساحات نقد مستقلة لا تخضع للقيادة التنفيذية، تداول دوري للأدوار التنظيمية، الفصل النسبي بين إدارة الموارد وإنتاج المعرفة، واعتبار الاعتراض جزءا من الاستقرار لا تهديدا له. هنا يتحول النقد من أزمة إلى جهاز مناعة جماعي.
5.9 المقارنة التاريخية الموسعة
التجارب العالمية تشير إلى نمط متكرر:
• بعض حركات أمريكا اللاتينية فقدت طاقتها عندما سبقت البيروقراطية المجتمع.
• حركات تحرر إفريقية بعد الاستقلال واجهت صعوبة في الحفاظ على النقد بعد انتقالها إلى إدارة الدولة.
• مثال عالمي واضح على هذه المفارقة ظهر في تجربة حركة التضامن البولندية في ثمانينيات القرن العشرين، التي لم تبدأ كحزب سياسي، بل كشبكة اجتماعية وفكرية مفتوحة جمعت العمال والمثقفين والكنيسة ودوائر ثقافية متعددة. قوة الحركة لم تنبع من مركز قيادي صلب، بل من قدرتها على الحفاظ على توتر حي بين النقد والتنظيم، وبين المجتمع والبنية الناشئة. غير أن اقترابها لاحقا من موقع السلطة كشف المفارقة نفسها التي تواجهها الحوامل التاريخية: كيف يمكن للتحول إلى مؤسسة أن يتم دون فقدان الطاقة النقدية التي صنعتها أصلا.
لا يُستحضر هذا المثال للمقارنة المباشرة، بل لإظهار أن التحدي ليس خصوصية فلسطينية، بل معضلة بنيوية تواجه كل فعل جماعي ينتقل من المجال الاجتماعي المفتوح إلى لحظة التنظيم التاريخي
6.9 التوتر كبديل عن المركز
بدل البحث عن مركز جامع واحد، يمكن للحامل الفلسطيني أن يعمل كنظام متعدد العقد: الداخل ليس هامشا للشتات، الشتات ليس داعما خارجيا فقط، وكل عقدة تنتج معنى جزئيا يكتمل عبر الشبكة. بهذا يصبح الاستمرار ناتجا عن الحركة الدائمة، لا عن ثبات القيادة.
7.9 لحظة البدء: متى تبدأ الحركة؟
الحركة لا تبدأ عند إعلان مشروع كبير، بل عند أول ربط فعلي بين مساحتين كانتا منفصلتين: مجموعة قراءة مشتركة بين الضفة وغزة، وبين الداخل والشتات، تجربة تعليمية صغيرة، أو منصة تحليل تربط التجربة اليومية بالسؤال النظري. البداية إذن ليست حدثا تاريخيا ضخما، بل تراكم وصلات صغيرة تغيّر شكل المجال العام تدريجيا.
عاشرا: هل يمكن تأسيس حامل بلا مركز نهائي؟ أم أن كل حامل محكوم بالدورة التاريخية نفسها؟
في سياق استعمار استيطاني طويل الأمد، لا تكون اللامركزية خيارا تنظيميا حرا بقدر ما تكون واقعا مفروضا بفعل السيطرة الاستعمارية نفسها. غير أن تحويل هذا التفكيك القسري إلى استراتيجية مقاومة يتطلب وجود أفق جامع يمنع تحوّله إلى حالة تطبيع مع الواقع المفروض. هنا ينتقل السؤال من كيفية بناء الحامل إلى طبيعة البنية التي تمنع تحوله إلى مركز مغلق يعيد إنتاج الدورة التاريخية ذاتها التي تم مناقشها سابقا.
1.10 هل اللامركزية أكثر ملاءمة للحالة الفلسطينية؟
في حالة استعمار استيطاني إحلالي عنصري مستمر، لا تحتكر السلطة الاستعمارية المركز الساسي فقط، بل تتحكم كذلك في الجغرافيا، والديموغرافيا، والحركة، والموارد، والقانون. أي أن المجتمع المستعمَر يعيش أصلا في حالة تفكيك مفروض وليست مختارة. لا تظهر اللامركزية كنموذج تنظيمي حديث بقدر ما تعكس شرطا موضوعيا للحياة السياسية والاجتماعية تحت الاستعمار.
2.10 اللامركزية كقوة تحت الاستعمار - مرونة البقاء
حين يُستهدف مركز ما، تستطيع عقد أخرى الاستمرار، مما يمنح المجتمع الفلسطيني قدرة على الاستمرار رغم الضربات المتكررة. الشبكات المتعددة أصعب في الاحتواء الكامل من الهرم الصلب، لأن تعطيل جزء منها لا يؤدي إلى انهيارها كليا. بهذا المعنى، لا تصبح اللامركزية مجرد شكل تنظيمي، بل آلية بقاء تاريخية تفرضها شروط الصراع الطويل، حيث يتحول الانتشار نفسه إلى وسيلة لحماية الفعل الجماعي من الإلغاء الكامل.
3.10 تعدد مسارات الفعل
تفتح اللامركزية إمكان تعدد مسارات الفعل: نضالي، ثقافي، قانوني، مجتمعي، اقتصادي، سياسي، ودبلوماسي. وفي زمن استعمار استيطاني إحلالي طويل الأمد، يسمح هذا التعدد باستمرار الحركة حتى عندما تُغلق بعض المسارات.
لكن المفارقة البنيوية تظهر هنا بوضوح: فالاستعمار نفسه يعمل بطريقة شبكية عبر الحواجز، والقوانين، والتقسيمات الإدارية، والمناطق، وأنظمة التصاريح. وإذا تحولت اللامركزية إلى قبول ضمني بهذه التقسيمات، فإنها تعيد إنتاج البنية التي فرضها الاستعمار بدل مقاومتها. لذلك، تصبح اللامركزية مقاومة فقط عندما تبقى مرتبطة بأفق وطني جامع يعيد وصل الأجزاء ببعضها، أي عندما تبقى وسيلة للحركة لا بديلا عن الوحدة.
4.10 كيف أثّر أوسلو في تسريع تثبيت المركز؟
اتفاق أوسلو لم يؤسس كيانا إداريا فقط، بل أعاد تشكيل منطق المركز ذاته.
قبل أوسلو: كان المركز رمزيا/تحرريا، افق وطني جامع، قيادة في المنفى، وشبكة تمثيل واسعة عابرة للجغرافيا.
بعد أوسلو: أصبح المركز جغرافيا محدودا، وسلطة إدارية تعمل داخل حدود مقيدة، مع ارتباط عضوي بالتمويل والبيروقراطية.
هنا حدث تحول نوعي لم يكسر الدورة التاريخية للحامل، بل سرّع انتقالها:
• تحوّل المركز من أفق تحرري إلى جهاز إدارة يومي.
• ارتباط الشرعية بالقدرة على التفاوض لا بالقدرة على التعبئة.
• تحوّل الطوارئ إلى حالة إدارة دائمة.
بهذا المعنى، لم يُنشئ أوسلو المركز فقط، بل ثبّته داخل جغرافيا مقيدة، وجعل استمراره مرتبطا بالاستقرار أكثر من التوتر، وهو ما سرّع الانتقال من التأسيس إلى التثبيت ثم إلى الانغلاق.
5.10 هل الشتات يمكن أن يكون مركزا موزعا؟
الشتات الفلسطيني ليس هامشا عدديا، بل فضاء سياسيا وثقافيا واسعا. تاريخيا، شكّل الخارج مصدرا للفعل العسكري، والتأثير السياسي والدبلوماسي، والتمويل، والتعبئة.
لكن بعد إعادة تموضع المركز داخل الأرض المحتلة، تحوّل الشتات تدريجيا من موقع شريك أساسي في القرار إلى موقع مراقبة وتأثير غير مباشر، ليس نتيجة ضعف ذاتي، بل نتيجة إعادة تعريف الشرعية السياسية حول مركز جغرافي محدد.
6.10 إمكان الشتات كمركز موزع
لا يشكّل الشتات مركزا بديلا عن الداخل، بل عنصر موازنة داخل شبكة موزعة. ويمكن أن يؤدي ثلاث وظائف أساسية:
• وظيفة المسافة النقدية بحكم عدم خضوعه المباشر لمنطق الإدارة اليومية.
• وظيفة الأفق الاستراتيجي لكونه أقل انحصارا بالجغرافيا المجزأة.
• وظيفة الربط الشبكي العالمي في فضاء قانوني وإعلامي أوسع.
غير أن هذه الوظائف لا تكتسب فعاليتها إلا إذا بقيت مرتبطة بتجربة الداخل، لأن انفصالها يحوّلها إلى خطاب رمزي بلا أثر عملي. وهنا يظهر الخطر المقابل: أن يتحول الشتات إلى رمزية بلا تمثيل فعلي أو خطاب بلا قدرة على التأثير.
إذن، يمكن للشتات أن يكون عقدة مركزية داخل شبكة موزعة، لا مركزا نهائيا ولا هامشا صامتا.
7.10 هل المشكلة في وجود المركز؟ أم في احتكار تعريف الوطنية داخله؟
إذا احتكر المركز تعريف التمثيل، يتحول إلى نهائي مغلق. وإذا احتكر الشتات تعريف النقاء، يتحول إلى انفصال عن الواقع. أما إذا وُزِّع تعريف الوطنية بين الداخل والخارج، وبقي قابلا للمراجعة المستمرة، فقد يظهر احتمال كسر نسبي للدورة التاريخية.
عند هذه النقطة، لا يصبح السؤال إلغاء المركز، بل منع تحوّله إلى مرجعية نهائية ثابتة، بحيث تبقى الوطنية نفسها عملية مفتوحة تُعاد صياغتها عبر المجتمع والتجربة التاريخية المستمرة، وهو الشرط الذي يسمح للحامل بالبقاء نظاما مفتوحا لا بنية مغلقة
حادي عشر: هل يمكن إعادة تأسيس مركز جديد دون المرور بانهيار القديم؟ أم أن التحول التاريخي يتطلب دائما لحظة قطيعة؟
لا يتطلب التحول التاريخي دائما لحظة انهيار صاخبة. ففي السياق الفلسطيني، قد يحمل الفراغ مخاطر تفكيك إضافية، بينما استمرار المركز دون إعادة تعريف وظيفته يسرّع تآكل شرعيته.
التحدي إذن ليس في إسقاط المركز القائم، بقدر ما هو في تفريغه من انغلاقه عبر توسيع التمثيل، وإعادة إدماج الداخل والشتات، وفصل الإدارة عن المرجعية الوطنية.
المركز الجديد قد يولد داخل القديم ويكتسب شرعيته تدريجيا، حتى يصبح هو المرجعية الفعلية دون إعلان قطيعة شكلية.
1.11 منطق التحول في النظرية السياسية
في التصورات الكلاسيكية، ارتبط التحول الجذري بالقطيعة. الثورات الحديثة، كما حللتها حنة أرندت، قامت على لحظة تأسيسية تكسر الشرعية السابقة وتؤسس شرعية جديدة. لكن تقاليد أخرى في التفكير السياسي، من الإصلاحية الأوروبية إلى التحولات التفاوضية، أظهرت أن المراكز لا تسقط دائما فجأة: أحيانا تُفرغ من الداخل تدريجيا، وأحيانا تُعاد صياغتها دون إعلان انهيار. إذن، القطيعة ليست الشكل الوحيد للتحول، لكنها تبقى الشكل الأكثر وضوحا.
2.11 أنماط إعادة التأسيس تاريخيا
يمكن تمييز ثلاثة نماذج أساسية:
• نموذج الانهيار الحاد: سقوط مركز، فراغ شرعي، صعود مركز جديد. يحمل مخاطرة الفوضى، لكنه يقطع مع الشرعية السابقة بوضوح.
• نموذج التحول التدريجي: بقاء الشكل، تغير المضمون، انتقال الشرعية ببطء. يحدث عندما يُعاد تعريف وظيفة المركز دون إسقاطه.
• نموذج الازدواج المرحلي: مركز قائم يستمر شكليا، مركز جديد يتكوّن شبكيا، ثم تتغير موازين الشرعية تدريجيا. هذا النموذج لا يحتاج لحظة انفجار، بل لحظة تفوق رمزي وتنظيمي تدريجي.
3.11 إسقاط على الحالة الفلسطينية
في الحالة الفلسطينية، القطيعة الشاملة محفوفة بالمخاطر: فراغ تمثيلي دولي، تفكك مؤسساتي، احتمالات صراع داخلي.
لكن استمرار المركز دون إصلاح عميق يعني: تثبيت الانغلاق، فقدان الشرعية التمثيلية، وتسارع التآكل الرمزي.
إذن السؤال ليس: قطيعة أم استمرار؟ بل: هل يمكن خلق مركز جديد داخل القديم قبل انهياره؟
4.11 شروط إعادة التأسيس دون انهيار
لكي يحدث انتقال دون سقوط كامل، يجب توافر أربعة شروط:
• فصل التمثيل عن الإدارة: فصل المركز عن الفرع، المنظمة عن السلطة، وإعادة تعريف المنظمة كإطار تمثيلي مركزي، والسلطة كفرع وجهاز إداري فقط.
• إعادة إدماج الداخل والشتات: ليس كملحق، بل كجزء من الشرعية الموزعة للمركز.
• توسيع قاعدة القرار: إدخال آليات انتخابية للمكونات الفلسطينية لممثليها في الإطار الجامع، جغرافيا (كافة مناطق التواجد الفلسطيني)، وقطاعيا (نقابات، منظمات شبابية،مؤسسات مجتمعية)، وإخضاع تداول السلطة والمسؤولية لمراجعة حقيقية.
• إعادة تعريف الوظيفة: الانتقال من منطق إدارة الطوارئ إلى منطق بناء الأفق.
إذا تحققت هذه العناصر، يمكن أن يحدث التحول تدريجيا دون لحظة انهيار صاخبة.
5.11 هل القطيعة ضرورية نفسيا، حتى لو لم تكن مؤسسية؟
أحيانًا لا يحتاج التحول إلى انهيار مادي، بل إلى قطيعة رمزية: إعادة تعريف الخطاب، الاعتراف بحدود المرحلة السابقة، إعلان انتقال في الأفق. القطيعة قد تكون في المعنى قبل أن تكون في الشكل.
في سياق استعمار استيطاني عنصري إحلالي طويل الأمد، الانهيار الكامل قد يخدم منطق التفكيك الخارجي، لكن الجمود يخدم منطق الاحتواء.
المسار الأكثر واقعية إذن هو: تأسيس مركز موزع تدريجيا، يكتسب شرعيته من الحيوية المجتمعية، حتى يصبح هو المرجعية الفعلية، دون إعلان إسقاط القديم.
هنا تنتقل الشرعية تدريجيا، غالبا من خلال مبادرات صغيرة مستمرة، لقاءات متكررة، أو مشاريع تجريبية تتحول ببطء إلى ممارسة مشتركة. في هذه اللحظات، الاستمرارية نفسها تصبح علامة على انتقال الفكرة من الفهم إلى الزمن الاجتماعي. إذا كان المركز يمكن أن يولد تدريجيا، فإن الفعل نفسه يبدأ بالطريقة ذاتها.
بهذا، تنتقل هذه السلسلة من تفكيك أزمة التمثيل إلى تشخيص أزمة البنية ذاتها. المعضلة ليست فقط في نقص كفاءة القيادة وفسادها، ولا في خلل الاستراتيجية، ولا في سوء النيات، بل في هندسة الحامل الذي يعجز عن إدارة المسافة بين الفكر والسياسة، بين الداخل والشتات، بين التوتر والاستقرار.
لقد أظهرت التجربة الفلسطينية المعاصرة عموما، ومنذ إعادة تشكيل المركز بعد أوسلو خصوصا، أن كل حامل لا يُصمَّم ليبقى مفتوحا على نقده، محكومٌ بأن يتحول إلى مركز مكتف بذاته. لذلك فإن السؤال لم يعد: من يقود؟ بل: كيف يُبنى حاملٌ لا يكتمل أبدا، لأنه يظل قابلا لإعادة الضبط؟ هنا ينتهي التفكيك، ويبدأ أفقٌ آخر لا يَعِدُ بالاستقرار، بل بهندسة واعية للتوتر الذي يصنع التاريخ.
ثاني عشر: لحظة دخول الفعل إلى الزمن
لا يبدأ الفعل الجماعي، كما سبقت الإشارة، بلحظة إعلان كبرى أو بقرار سياسي شامل، بل حين تتحول المعرفة المشتركة إلى ممارسة صغيرة، مستمرة، وغير قابلة للتراجع. هذه اللحظة ليست تأسيس تنظيم جديد، ولا إطلاق برنامج واسع، بل نشوء مساحة عمل محدودة يتقاطع فيها الفكر والمجتمع في الداخل والشتات ضمن فعل متكرر يمكن قياسه ومراجعته. قد تكون البداية تفاعلا نقديا، يتطور إلى حلقة نقاش منتظمة تنتج وثيقة نقدية دورية، أو شبكة متابعة تربط مبادرة في الداخل بمراجعة معرفية من الشتات، أو مشروعا تجريبيا صغيرا يُقيَّم ويُعدَّل باستمرار.
ما يجعل هذه اللحظة تاريخية ليس حجمها، بل انتقالها من حدث قابل للتوقف إلى عملية زمنية مستمرة. عندها يتغير موقع المعرفة: لم تعد مجرد تفسير للواقع، بل تصبح جزءا من إعادة تشكيله. الفعل الجماعي يتحوّل إلى ممارسة فعلية، تتكرر وتبني ثقة تدريجية داخل المجتمع، وتختبر جدوى الأفكار على الأرض، مما يخلق حلقة مستمرة بين النظرية والتجربة العملية.
القوة الحقيقية للفعل الجماعي تكمن في استمراريته، في قدرته على المقاومة والتجديد عبر الزمن، وليس في لحظة إعلان أو حدث مفاجئ. هنا، كل ممارسة صغيرة تصبح اختبارا لمدى إمكانية تحويل الرؤية إلى واقع ملموس، وشهادة على قدرة المجتمع الفلسطيني على التكيف والابتكار رغم القيود الأمنيّة، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية.
في هذه العملية، يتجلّى الدور المركزي لشبكة التواصل بين الداخل والشتات، حيث تصبح كل مساحة صغيرة جزءا من شبكة أوسع، قادرة على المراجعة المستمرة والتجربة النقدية. الشرعية الحقيقية للفعل الجماعي تنشأ عندما تضمن هذه الشبكة استمرارية النقد، وتجدد المبادرات، وتوازن بين الحرية الفكرية والفعل الواقعي.
الفعل الجماعي الفلسطيني ليس حدثا واحدا يُسجَّل في التاريخ، بل عملية زمنية مستمرة تُعيد تشكيل الواقع، وتثبت وجود الشعب في كل لحظة ممارسة، وتحوّل المعرفة إلى قوة قادرة على الصمود والإبداع والمقاومة.
التحدي لا يكمن في بدء الفعل الجماعي، بل في إيجاد شكل يسمح للمجتمع بأن يبدأ من جديد باستمرار. عند هذه النقطة، لا يعود التاريخ مجرد شاهد خلف الفلسطينيين، بل يبدأ بالتحرك معهم، ويصبح الفعل الجماعي قوة حية تتجدد عبر الزمن
