استوقفني مقال الصديق المبدع يحيى بركات” الفيلم الأطول في تاريخ البشرية: قرن واحد غيّر وجه العالم” في أنطولوجيا 23/2/2026، الثري بعمقه، وتجاوزه الدفاع عن الذكاء الاصطناعي إلى مساءلة أعمق لعلاقة الإنسان بعصره.
استعارة “الفيلم الأطول” لم تكن مجرد مدخل، بل رؤية كاملة للتاريخ بوصفه مشهدا يتباطأ طويلا، ثم يندفع فجأة حتى يكاد يبتلع وعيه بنفسه. هذا الإيقاع هو ذاته إيقاع الحداثة.
لا يدخل يحيى في سجال تقني، بل يعيد سؤال المسؤولية إلى مركزه. لكن ما يفتحه هذا الطرح، في تقديري، يتجاوز حدود النقاش التقني ذاته ويدفعنا للنظر في الإطار الأوسع الذي تتحرك داخله الأداة والإنسان معا.
غير أنني أرى - استكمالا للحوار المستمر حول معنى الإنسان في زمن الحداثة - أن القضية لم تعد فقط في كيفية استخدام الأداة، بل في التحول الحضاري الذي جعل الأداة إطارا للرؤية.
الحداثة المادية لم تُنتج وسائل أسرع فحسب، بل أعادت صياغة الإنسان نفسه. لم يعد يُرى كذات حاملة لمعنى، بل كوحدة قابلة للإدارة. تحوّل الجسد إلى بيانات، والصوت إلى ترددات، والحياة إلى معادلة احتمالات. هنا لا يُلغى القلب صراحة، بل يُستبعد بهدوء من المعادلة. ومن داخل هذا التحول يظهر نمط جديد من العقلانية.
العقل الأداتي لا يسأل عن الغاية بقدر ما يتقن الوسيلة. ومع الزمن، تصبح الكفاءة قيمة عليا، حتى لو فُصلت عن الضمير. في هذا السياق، خطورة التقنية لا تكمن في برودتها، بل في قدرتها على جعل الفعل الأخلاقي نفسه مسألة إجرائية.
حين يصبح القرار جزءا من نظام معقّد موزّع بين خوارزميات ومؤسسات وبنى عسكرية واقتصادية، يتآكل الشعور بالمسؤولية الفردية. لا أحد “يقتل”، الجميع “ينفذ إجراء”. وهنا يحدث أخطر أشكال التشييء: ليس فقط تشييء الضحية، بل تشييء الفاعل ذاته.
يحيى بركات دافع عن مركزية الاختيار الأخلاقي، وميّز بدقة بين الأداة ومن يستخدمها. غير أن ما تكشفه غزة اليوم يتجاوز مسألة الاستخدام الفردي للأداة، نحن أمام حضارة طوّرت عقلا أداتيا قادرا على تحويل الحياة نفسها إلى ملف قابل للمعالجة. وهنا تظهر النتيجة القصوى لهذا المسار الحضاري.
حين يُختزل الإنسان إلى “هدف”، والحيّ إلى “إحداثية”، والجسد إلى “بصمة حرارية”، نكون قد دخلنا طورا تصبح فيه الإبادة ممكنة ليس بوصفها انفجار كراهية، بل بوصفها إجراء محسوبا. وعند هذه اللحظة يتغير معنى المشكلة نفسها.
في هذا السياق، لا تكون المشكلة أن الآلة لا تشعر، بل أن الفعل نفسه يُعاد تعريفه خارج مجال الشعور. القرار يُوزَّع بين أنظمة، التنفيذ يُنجز بكفاءة، والنتيجة تُسجَّل رقما. وهنا تتآكل المسافة الأخلاقية التي كانت - في عصور سابقة على حضارة الحداثة الغربية - تجعل القتل فعلا يواجه فاعله بثقله الوجودي.
ومن هنا يمكن فهم ما تكشفه غزة على مستوى أعمق من الحدث المباشر.
غزة تكشف أن السيادة الحديثة لم تعد فقط سلطة قرار، بل قدرة على إدارة الحياة والموت عبر بنية تقنية معقدة. الإبادة لم تعد حدثا منفلتا، بل إمكانية كامنة في نظام يرى البشر وحدات قابلة للفرز والاستهداف. وعند هذه النقطة يلتقي دفاع بركات عن الإنسان مع القلق الذي أحاول توسيعه:
كيف نستعيد القلب داخل منظومة لا تعترف إلا بالحساب؟
كيف نحمي الضمير من الذوبان في لغة “الإجراءات” و“التحليل” و“الاستجابة”؟
فربما لا تكون المواجهة مع التقنية بحد ذاتها، بل مع الأفق الحضاري الذي أعاد تعريف المعنى.
مقال يحيى بركات يضع الإصبع على الجرح، لكنه أيضا يدعونا لاستكمال المسار: تفكيك البنية التي تجعل الإبادة ممكنة تقنيا، ومقبولة إداريا، ومخففة وجدانيا. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
كيف نعيد إنسانية الإنسان، لا كشعار، بل كأساس حضاري بديل؟
