الرئيسية » مقالات » غانية ملحيس »   26 شباط 2026

| | |
أزمة السيادة الأمريكية في لحظة الحرب المحتملة
غانية ملحيس

 

لا تُختبر السيادة في لحظات الاستقرار، بل في لحظات الحافة. وعندما تقترب واشنطن من احتمال مواجهة عسكرية مع إيران، لا يعود السؤال: هل تندلع الحرب أم لا؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف يُصنع القرار في لحظة يتقاطع فيها الأمن القومي، والردع العالمي، وشبكات النفوذ، والضغط الداخلي الذي يتشكل عبر تداخل الصهيونية بشقيها المسيحي واليهودي، مع صعود النزعة القومية الانعزالية داخل حركة " MAGA / لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، ومع طبقات الضغط التي تمثلها فضائح الأرشيف والابتزاز السياسي؟

أولا: من مزاج الرئيس إلى بنية الإمبراطورية

الاختزال الشائع في تحليل الأزمات الأمريكية يتمثل في شخصنة القرار: ماذا يريد الرئيس؟ كيف يفكر؟ هل يبحث عن إنجاز أم يخشى الحرب؟ 

حتى في حالة شخصية مثيرة للجدل مثل دونالد ترامب، لا يمكن فهم قرار الحرب بوصفه انعكاسا لمزاج فردي.

وفق كارل شميت، السيادة هي القدرة على اتخاذ القرار في حالة الاستثناء، لكن في اللحظة الراهنة، الاستثناء الأمريكي لا ينفصل عن بيئة كثيفة من القوى الداخلية والخارجية، بدءا من لوبيات التمويل والتحالفات الإعلامية والدينية، وصولا إلى ضغوط الفضاء الانتخابي والفضائح السياسية. الحرب هنا ليست نزوة سياسية، بل وظيفة ضمن شبكة بنيوية أوسع:

•   مجمّع صناعي - عسكري متجذر.

•   اقتصاد حرب ممتد.

•   هندسة ردع تحافظ على موقع الهيمنة.

•   التزامات تحالفية داخلية وعالمية.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل يريد الرئيس الحرب؟ بل: هل تسمح بنية النظام الأمريكي بفراغ استراتيجي في لحظة اهتزاز هيمنته؟ 

عند هذه النقطة، ينتقل التحليل من السيكولوجيا السياسية إلى منطق القوة البنيوي.

ثانيا: الصهيونية بشقيها المسيحي واليهودي كعنصر حاسم

في الداخل الأمريكي، تمثل الصهيونية بشقيها المسيحي واليهودي عنصرا بنيويا لا يمكن تجاهله في هندسة القرار الاستراتيجي. ليس المقصود مجرد موقف تضامني، بل إطار مؤسسي متداخل يشمل:

•   الخطاب الديني المحافظ

•   شبكات التمويل الانتخابي

•   مراكز التفكير الاستراتيجية

•   الإعلام المحافظ

بذلك، يصبح أمن إسرائيل جزءا من تعريف المصلحة القومية الأمريكية. هذا الحضور البنيوي يجعل من القرار العسكري عملية تتقاطع فيها الاعتبارات العقائدية مع حسابات الردع والهندسة الإمبراطورية، ويحوّل السيادة من مجرد إرادة منفردة إلى شبكة معقدة من التأثيرات والتوازنات.

ثالثا: (MAGA) وتعريف السيادة الأمريكية

صعود النزعة القومية الانعزالية داخل حركة MAGA أعاد طرح سؤال مختلف: هل تظل الولايات المتحدة قوة رسالية تقود نظاما تحالفيا ممتدا، أم قوة قومية تعيد ترتيب أولوياتها الداخلية وتقلص التزاماتها الخارجية؟

التوتر هنا لا يدور حول دعم إسرائيل بحد ذاته، بل حول معنى السيادة الأمريكية: هل تُمارَس كهيمنة ممتدة عبر تحالفات استراتيجية، أم كقدرة على الانكفاء وإعادة ترتيب الداخل؟

وربما لا يمثل صعود النزعة القومية الانعزالية خروجا عن البنية الإمبراطورية، بل محاولة لإعادة ترتيبها من الداخل استجابة لتحول ميزان القوة في النظام الدولي.

بهذا يصبح الصراع بين الصهيونية بشقيها المسيحي واليهودي وحركة MAGA جزءا من نقاش بنيوي حول تعريف الدولة، لا مجرد تصادم شخصيات أو لوبيات. وهذا النقاش لا يبقى نظريا، بل ينعكس مباشرة على قرار الحرب: فكلما شعرت البنية التقليدية الداعمة للتحالف الاستراتيجي مع إسرائيل بأن النزعة الانعزالية قد تقيد قدرتها على الحركة مستقبلا، ازداد الحافز لحسم الترتيبات الإقليمية قبل تغير موازين الداخل الأمريكي. عند هذه النقطة، لا تصبح الحرب خيارا اضطراريا فقط، بل أداة لإعادة تثبيت صيغة محددة للسيادة الأمريكية قبل أن يُعاد تشكيلها من الداخل

رابعا: الابتزاز وفضائح الأرشيف

إلى جانب التنافس الأيديولوجي، تعمل طبقة أخرى من الضغط داخل النظام السياسي: اقتصاد المعلومات والأرشيفات، حيث تتحول المعرفة الشخصية إلى أدوات تأثير محتملة على القرار السياسي.

وفق ميشيل فوكو، السلطة الحديثة لا تقتصر على مركز القرار، بل تنتشر عبر شبكات معرفة وضبط. وهذا يفسر كيف يمكن للفضائح، مثل قضية جيفري إبستين، أن تضيف طبقة ضغط ضمن هندسة القرار الأمريكي، دون أن تكون مصدره الكلي. الابتزاز هنا ليس محرك القرار بحد ذاته، بل عنصر ضمن شبكة معقدة من التوازنات.

خامسا: جنيف كاختبار للردع لا كساعة صفر

لحظات التفاوض، مثل جنيف، تُساء أحيانا فهمها بوصفها بديلا للحرب. لكن التفاوض هو أداة من أدوات الردع:

•   الحشد العسكري جزء من هندسة الطاولة،

•   التصعيد الخطابي مادة تفاوضية،

•   التهديد بالحرب قد يكون أعلى أشكال محاولة منعها.

جنيف ليست فقط اختبارا لفاعلية الردع، بل اختبار لقدرة النظام الأمريكي على إدارة التوتر دون الانزلاق إلى حرب تُعيد تعريف موقعه في النظام الدولي قسرا.

الحرب لا تندلع فقط حين يرتفع التوتر، بل حين يفشل الردع في إنتاج معنى مشترك للخطوط الحمراء.

سادسا: إسرائيل وإيران داخل هندسة القرار الأمريكي

المعادلة لا تقتصر على واشنطن وطهران. إسرائيل، ومعها الصهيونية اليهودية، ترى في اللحظة فرصة ذهبية لتثبيت جدارتها بالقيادة الإقليمية وتفوقها الاستراتيجي، لكنها تواجه مخاطرة بانزلاق إقليمي واسع قد يتجاوز قدرتها على الضبط.

أما إيران، فـ” صبرها الاستراتيجي” ليس خيارا حرا بالكامل، بل ضرورة بنيوية:

•   اقتصاد تحت ضغط طويل،

•   شرعية داخلية متأرجحة تحتاج إلى استعراض قوة،

•   شبكة تحالفات إقليمية يجب حمايتها.

ما يبدو تصعيدا قد يكون في جوهره إدارة دقيقة لعتبة الحرب، وما يبدو تهدئة قد يكون إعادة تموضع استعدادا لمرحلة لاحقة.

سابعا: غزة واختبار الردع الإقليمي

غزة لم تعد مجرد ساحة صراع محلية، بل اختبرت الردع الإقليمي الذي بني عبر عقود. ما كشفته غزة هو أن القدرة على ضبط الفاعلين الإقليميين عبر القوة التقليدية ليست مطلقة، وأن الهشاشة الرمزية للردع يمكن أن تتفاعل مع التحولات الداخلية الأمريكية.

في هذا السياق، التحرك الأمريكي لاحتواء ملف غزة عبر إنشاء أطر سياسية - أمنية تُسوَّق كلغة سلام، بينما تؤدي عمليا وظيفة إعادة ضبط الردع. بالتزامن مع أي تحرك محتمل ضد إيران أو لبنان، يجب قراءته كجزء من محاولة إعادة ترتيب الردع قبل أن تتعزز قوى جديدة في الداخل الأمريكي، مثل حركة MAGA، أو قبل أن تتغير موازين القوى الإقليمية بما يضعف الهيمنة الأمريكية التقليدية.

غزة تشكل محركا للتسريع والحسم في القرار الاستراتيجي: إعادة فرض الردع الرمزي والعملي، تثبيت الموازين مع إسرائيل، وضبط طهران قبل أن تتحرك بحرية أكبر. أي تأخير في الرد سيجعل الردع أكثر هشاشة، ويجعل خيارات القوة أقل قابلية للتحكم.

ثامنا: النظام الدولي متعدد الأقطاب

أي حرب إقليمية واسعة لن تبقى إقليمية. النظام الدولي اليوم متشظ:

•   الصين ليست متفرجة.

•   روسيا ليست محايدة.

•   أوروبا ليست موحدة.

التشابك الاقتصادي والمالي العالمي يجعل أي صدام واسع مقامرة تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية. هنا تظهر حدود القوة الخشنة في عالم لم يعد أحادي المركز، لم تعد الحرب أداة ضبط أحادية الاتجاه، بل فعلا يفتح مساحات تدخل لقوى منافسة.

تاسعا: السيادة بين الصلابة والهشاشة

إذا بدت الدولة الأمريكية صلبة عسكريا، فإن مركز القرار ذاته يعمل داخل بنية ضغط مركبة، سياسية ومعلوماتية وانتخابية، تجعل السيادة ممارسة موزعة لا إرادة خالصة. وهنا تتردد أصداء فضيحة إبستين، التي تضيف طبقة ضغط ضمن هندسة القرار، دون أن تكون سببا مباشرا للحرب. السلطة الحديثة لا تعمل فقط بالصواريخ والتحالفات، بل أيضا بإدارة المعلومات والملفات.

عاشرا: أزمة سيادة أم أزمة إدارة انتقال عالمي؟

قد لا تكون اللحظة أزمة سيادة بالمعنى الكلاسيكي، بل أزمة إدارة انتقال عالمي. كلما ضعفت القدرة على فرض الهيمنة السلسة، زادت جاذبية القوة الخشنة، لكن القوة الخشنة في عالم متعدد الأقطاب قد تنتج فوضى لا يملك أي مركز قدرة كاملة على ضبطها. جنيف ليست اختبارا لرغبة رئيس، ولا نتيجة لملف خفي، بل لحظة يكشف فيها نظام الحداثة الغربي المهيمن حدود قدرته على التحكم بنتائج قراراته. السياسة الدولية لا تتحرك فقط بالخوف من الحرب، بل أيضا بالخوف من فقدان القدرة على إنهائها.

حادي عشر: الحرب كوظيفة بنيوية

في ظل هذا الواقع، تتحول الحرب من مجرد حدث عارض إلى وظيفة ضمن البنية الإمبراطورية: أداة للحفاظ على الردع، لإعادة تعريف الأولويات، لإظهار القدرة على ضبط النظام الدولي.

 أي مواجهة محتملة مع إيران لا تبدأ وتنتهي بالقرار الفردي، بل تتشكل في فضاء تتقاطع فيه العقيدة، والتحالفات، والهندسة العسكرية، وضغط المعلومات، والإعلام، والحسابات الداخلية.

بهذا المعنى، لحظة التوتر الراهنة ليست اختبارا للردع فقط، بل اختبارا لقدرة نظام الحداثة النيوليبرالي المهيمن على شبكة دولية مترابطة. الأزمة ليست مجرد احتمال حرب، إنها لحظة اختبار السيادة الأمريكية في عالم متعدد الأقطاب.

 

 

مشاركة: